شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 39

شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 39

الدرس في شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 39، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مراتب العلم والجهل وأقسام الظن

يستعرض المقطع مراتب التلقي العلمي من اليقين والظن بأنواعه، ويفصل بين الجهل البسيط والجهل المركب. ويختم بالتأكيد على فضيلة الاعتراف بالجهل وقول "الله أعلم" اقتداءً بالسلف الصالح.

مشروعية القرعة وأحكامها العامة في الفقه

يبين المقطع الفرق بين اليقين والظن والشك، ويقرر مشروعية العمل بالظن الراجح في العبادات والمعاملات. كما يستدل بالقرآن والسنة على مشروعية القرعة كوسيلة لفصل الخصومات وتمييز الحقوق، ويرد على من شبهها بالقمار.

تطبيق القرعة في اللقطة المتنازع عليها

يتناول المقطع الحالة الخاصة بتساوي البينات بين المتنازعين على اللقطة، فيحكم القاضي بالقرعة بينهم للفصل في الحق. ويشير المتحدث إلى وجود تطبيقات فقهية أخرى مشابهة سيتم تفصيلها لاحقاً.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: "وإن تعذر اليقين فارجع لغالب الظن تكون متبعاً". لأن يأخذ العلم بعدة أمور: إما بيقين، وإما بظن غالب، أو بظن غير غالب. وهناك أيضاً الشك والوهم. والشك والوهم لا يؤخذ بهما مع العلم. لكن قد يؤخذ العلم بالظن، خاصة الظن الغالب الذي يغلب على شخص حدوث هذا الشيء. وهناك ضد العلم: ضد العلم الجهل، أو اليقين ضده الجهل، وضد الظن... أن العلم ضده الجهل. والجهل على قسمين: فالعلم يعرف بأنه إدراك الشيء على ما هو عليه، إدراك الشيء على ما هو عليه. والجهل على قسمين: جهل بسيط كما يسميه الأصوليون، وهو عدم الإدراك بالكلية. مثلاً: لو قيل: كم أركان الصلاة؟ أو النية هل هي من أركان الصلاة؟ فمن عنده علم يقين يقول: نعم، أركان الصلاة. ومن عنده ظن غالب عنده علم لكن ليس بذاك العلم، يقول: نعم، الظاهر عندي أذكر أنها ركن. يأتي إنسان ما يعلم، ما عنده علم بذلك، فيقول: الله أعلم، ما أعرف. هذا جهل بسيط، وهو... أو يقولون: عدم الإدراك بالكلية. يأتي آخر ويقول: لا، هي سنة. يقول: لا، هي سنة. فهذا تكلم بجهل، ولهذا الجهل المركب يسمونه جهلاً مركباً: هو إدراك الشيء على غير ما هو عليه. والأصوليون يأتون بذاك الشعر في حمار التوم: "لو أنصف الدهر قال الحكيم توم، لو أنصف الدهر أو قال حمار الحكيم توم، قال حمار الحكيم توم لو أنصف الدهر كنت أنا أركب". أنا جاهل جهل بسيط، وصاحبي جاهل جهل مركب. أنه يقول هذا الحمار على لسان الحمار: "لو أنصف الدهر، لو كان معنا الحقيقة أنا أركب". فيه هذا الآن صاحبي جاهل، جاهل مركب معنا، يظن أنه يعلم وهو لا يعلم. فالذي يعترف بأنه لا يعلم هذا أحسن له. لهذا كان بعض السلف كعبد الله بن مسعود وغيره يقول: "قولك الله أعلم نصف العلم". يدل على أنك تعلم... معنا ليس تعلم مسألة، لكن تعلم عندك علم بأن الإنسان إذا لم يعلم مسألة يقول: الله أعلم، يرد العلم إلى بارئها وعالمها. أما أنه يأتي بكلام من عنده وحتى لا يقال أنه جاهل فهذا جهل. هذا في العلم: العلم ضده الجهل، واليقين ضده الشك والوهم. فالظن هو القول الراجح، والشك هو التردد بين الأمرين، والوهم هو القول المرجوح. والأدلة في السنة وغيرها على أن العمل قد يكون بالظن كثيرة. منها قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن مسعود في السجود السهو: "إذا شك أحدكم في صلاة فلم يدري كم صلى فليتحر الصواب، فليتحر الصواب". هذا تحر الصواب يعتبر ظناً، يعتبر ظناً أيضاً. شككت في أشواط الطواف: هل هي ستة أو سبعة؟ ترجع للظن. إن غلب ظنك أنها سبعة تمشي على أنها سبعة. إن لم يغلب ظنك وشككت فتأتي بسابع. فلهذا الشك عند الإنسان ينقسم أقساماً: فإذا شك ثم ترجع عنده شيء فهذا يعتبر ظناً فيأخذ بالراجح، وهذا معنى "ليتحر الصواب". ثم يبني عليه. أيضاً قالت عائشة رضي الله عنها في غسل النبي عليه الصلاة والسلام: "فيضع ماء على شعر حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض الماء على سائر بدنه". ترجح له، وغلب على ظنه أن بشرته كلها قد أصابها الماء. فهذا القسم الأول: إذا ترجح عنده فإنه يأخذ بالراجح وهو الظن. والقسم الثاني: الذي يترجح عنده شيء فيأخذ باليقين... يأخذ بالذي عنده يقين. إذا كان في الصلاة يأخذ بالأقل كما جاء في حديث أبي موسى... حديث أبي سعيد: "إذا شك أحدكم في صلاة فلم يدري كم صلى ثلاثاً أم أربعاً، فقال: فليطرح الشك وليبن على المستيقن". ومسائل الشك كثيرة في هذا الباب. طيب، فإذا لم يكن عنده يقين يعمل بغلبة الظن. قال: "وكل ما لأمر به يشتبه من غير ميز قرعة توضحه". يعني هذه القاعدة في القرعة. وكل ما لأمر به يشتبه من غير ميز قرعة توضحه. فالقرعة طريق من طرق فصل الخصومات وتمييز الأنصبة والحقوق، وقد دل عليها الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله جل وعلا: ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ [آل عمران: 44]. وقوله تعالى على يونس: ﴿ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ﴾ [الصافات: 141]. وقال ابن عباس في الآية الأولى: ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ ﴾ قال: اقترعوا، فجرت الأقلام مع الجارية، وعال قلم زكريا الجارية، فكفلها زكريا. معنا: طرحوا أقلامهم في النهر. وأيضاً جاء في السنة قول النبي عليه الصلاة والسلام: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا". وأيضاً حديث عائشة: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين النساء". وهكذا في القرعة تحل الإشكالات وتحسم النزاع وتدفع داعي التشهي. وأما من قال أنها من القمار فهو ليس صحيحاً. فالقرعة أمر مشروع. إذا أراد أن ينزع... أو مثلاً في بعض المسائل يكون فصل النزاع بالقرعة. وبعض العلماء كالحافظ بن رجب وغيره حصر القرعة في عدة أشياء جاءت في الشرع. ما الذي ذكر أنها تستخدم في عدة مواضع؟ منها: تستخدم لتمييز المستحق المبهم ابتداءً. ما يدرى من المستحق فيقرع بينهم. مثلاً كما ذكرت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرع، كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه. أو مثلاً اختلط على الزوج المعدد... مثلاً ما يدري عند من هذه الليلة لأنه سافر أو ذهب كذا، فيقرع أيضاً بين النساء. أيضاً من المواضع: التزاحم في الاختصاص. تزاحم في الاختصاص: إذا كان مثلاً كل واحد منهم يقول: أنا جاء دوري، وهذا يقول: أنا جاء دوري. مثلاً مكان بيع أو مكان جلوس، أو مثلاً فرزة سيارات، كل واحد يقول: جاء دوري. هذا يقول: هذا الآن دوري، وهذا يقول: هذا دوري. أو أرادوا يشتروا شيئاً وكل واحد يقول: دوري هنا، يقرع بينهم. أيضاً مثل التزاحم في الولايات: في ولاية النكاح، أنا... أنا. إذا كان إخوة مثلاً شقيقان، قد يكون مثلاً توأمان، ما في أحد أكبر منهما، لمن تكون الولاية؟ هل لهذا ولهذا فيقرع بينهما. معنا: ولاية أختهم مثلاً تريد تتزوج، أو يقولون أنها تعين واحد، مثلاً تقول: أريد أخي فلان هو الذي يعقد لي، فهذا جائز. أيضاً التزاحم في ولاية الأذان: من يؤذن؟ هذا يقول: أنا أريد أؤذن، هذا يقول: أنا أريد أؤذن، فهنا يقرع بينهما. وغيرها من هذه المواضع. معنا: تمييز المستحق المعين عند اشتباه بغيره. أيضاً إذا اشتبهت اللقطة: ما ندري لمن هذه اللقطة؟ لفلان أو لفلان؟ كلهم يدعي أنها له، وكلهم قدم بينة، والبينة صحيحة، وهنا يقرع بينهما. وهكذا فيه عدة مسائل. طيب، إن شاء الله نكتب.