الدرس في شرح منظومة أصول الفقه وقواعده 38، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الشيخ العثيمين قاعدة «الاستدامة أقوى من الابتداء» مبيناً أنها تعني بقاء الحكم الثابت قبل السبب المانع أقوى من إحداثه بعده، ويضرب أمثلة منها: جواز بقاء الطيب على المحرم إذا تطيب قبل الإحرام، وجواز مراجعة المطلقة في الإحرام، وأكل الصيد الماصود قبل الإحرام، وعدم فسخ النكاح لعيوب طرأت بعد العقد.
يبيّن المقطع أن من تزوج عالماً بعيب في الزوجة لا يحق له فسخ العقد بذلك العيب لاحقاً، مستدلاً بقاعدة "الأصل بقاء ما كان على ما كان" الفرع من "اليقين لا يزول بالشك". كما يفصل في مراتب النفي الوارد في النصوص الشرعية مرتبةً ثلاثاً: نفي الوجود، ثم نفي الصحة، ثم نفي الكمال، مشيراً إلى أن النفي للكمال الواجب يضر صاحبه بخلاف الكمال المستحب.
يشرح المقطع الفرق بين القيود الشرعية الواردة للاحتراز والتقييد (كاشتراط الدخول بالأم لتحريم الربيبة) وتلك الواردة للتعليل وبيان الحكمة (كقيد "في حجوركم" في آية الربائب، وقوله تعالى "الذي خلقكم")، مبيناً أن الأصل في القيود الاحتراز وأن التعليل قليل، مع أمثلة من أحكام الصلاة والنكاح.
يُستدل بالآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ على أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مقيدة بما يحيي المؤمنين، مما يجعلها قيداً للتعليل. ويُشير المقطع إلى أن هذا القيد يبيّن أن الاستجابة للرسول تكون لما فيه حياة وصلاح للأمة.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه أما بعد. قال المؤلف الشيخ العثيمين رحمه الله عليه: "كل استدامة فأقوى من بدأ في مثل طيب محرّم من ذا قد بدأ، كل استدامة فأقوى من بدأ في مثل طيب محرّم من ذا قد بدأ". معنى الاستدامة هنا: الطلب الدوام وثبوته، معنى ثبوت الشيء. كل استدامة، معنى كل ثبوت للشيء، فأقوى من بدأ. هذه قاعدة يعبر عنها العلماء بقولهم: "الاستدامة أقوى من الابتداء، والدفع أهون من الرفع". وذكر الشيخ رحمه الله طيب المحرم، لحديث عائشة رضي الله عنها: "كأني أنظر إلى بيص المسك في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم". فلا شك أن المحرم ممنوع من ابتداء الطيب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ذلك الرجل الذي وقصته ناقته قال: "لا تحنطوه ولا تمسوه بطيب". وقال في حديث بَعْلة بن أمية: قال لذاك الرجل: "اذهب"، لما كان في ثوبه خلوق، قال: "اذهب واخلع ثوبك". فالطيب الآن ممنوع من المحرم، لكن يجوز له أن يتطيب قبل الإحرام. ولا شك أن بعض الطيب يستديم ويثبت في الجسد رائحته، معنا فهذا لا شيء فيه، حتى لو كان محرمًا. أنا لو مثلًا فعل له طيب هنا، وفي لحيته، في وجهه، مثلًا في مغابنه، فهذا الطيب استمر معه وهو محرم، أنا فعله قبل الإحرام، مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ورأت عائشة رضي الله عنها بيص الطيب، وبيصه لمعانا، رأته بعد الإحرام وهو محرم، عليه الصلاة والسلام، فهذا جائز. وهذا من هذه القاعدة: الاستدامة أقوى من الابتداء. أيضًا مثلًا: محرم يحرم عليه النكاح، يحرم عليه النكاح والخطبة، ولا يزوج، لكن له أن يرجع زوجته التي طلقها، أن يراجعها وهو محرم. لماذا جائز؟ لأن هذا لم ينه عنه الشرع، والمراجعة هذا شيء تابع للاستدامة قبله وهو النكاح، وليس ابتداء للنكاح، وإنما استدامة لما قبله، وهي أنها زوجته. فالاستدامة أقوى من الابتداء. أيضًا لو أن معه صيدًا صاده قبل أن يحرم، إنسان مثلًا ذاهب إلى الحج، فوهو ذاهب للحج وجد صيدًا قبل أن يأتي إلى الميقات، فضربه مثلًا بشيء، وجد أرنبًا مثلًا فصاده وأخذه، قال: "سآكله هنا"، ودخل الميقات وأحرم، ثم مثلًا جاء وأراد أن يأكله، فهل يأكله؟ نعم، لأنه لم يصده في الحرم، ولم يصده وهو محرم. لم يصده في الحرم، ولم يصده وهو محرم، فجاز له أن يأكله. فالاستدامة أقوى من الابتداء. أيضًا ذكر العلماء مثلًا: لو أن امرأة، لو أن وليًا لامرأة خطبها إنسان، لكن فيه عيوب، مثلًا رأى أن هذا الشخص ما عنده استقامة، أو أنه يشرب الخمر، أو كذا، فهنا له أن يرده. لكن لو كان مثلًا هذا الشخص كان مستقيما، كان مستقيما ثم حصل له شيء من الأمور التي أبعدته عن الله، فهل هنا الولي له أن يلزم المرأة بطلاقه؟ لا، ما له أن يلزمها. لو حصل له عيب أيضًا، مثلًا: إنسان، أو ولي اعترض على خطبة الرجل لأنه مجنون مثلًا، لكن لو تزوجها مثلًا وهو ليس فيه جنون، ثم جن، ثم جن وهي زوجته، فهل يلزم، فهل للولي أن يلزم وليته أن تطلق أو تفسخ؟ لا، لأن هذا حدث بعد. حتى معناه في العيوب، مثلًا في المرأة: العيب في المرأة مثلًا إذا كان قبل الزواج فله أن يرد، الرجل هذا. لكن لو عرف هذا العيب ثم تزوجها وهو يعرف أن هذا فيها عيب، مثلًا رجل تزوج امرأة وهو يعلم أنها مثلًا بها حالة أو مشقوقة وهو يعلم ذلك، ثم أراد أن يردها بهذا، لا، ما يصلح هذا، ولا يفسخ العقد بذلك. لكن له من الابتداء، الابتداء. ولهذا أيضًا يقال: أن الدفع أهون من الرفع. الدفع يكون أهون من الرفع، معنى الاستمرار في الشيء ليس كرفعه. وقال: "وكل معلوم وجودا أو عدم فالأصل أن يبقى على ما قد علم". وكل معلوم وجد أو عدم، وجودا أو عدم، وكل معلوم وجودا أو عدم فالأصل أن يبقى على ما قد علم. هذه القاعدة تقدمت تحت قاعدة "اليقين لا يزول بالشك". فهذه القاعدة التي يسميها العلماء: "الأصل بقاء ما كان على ما كان". وقد ذكرنا هذه القاعدة في قول قاعدة "اليقين لا يزول بالشك". ودليلها: حديث "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا". فالأصل بقاء الطهارة على ما كانت، فيرجع إلى الأصل. لو شك: هل أحدث أو لم يحدث، وهو على يقين على طهارة، يبقى على طهارته. لو شك: هل تطهر من الحدث أو لم يتطهر؟ معناه: هو على يقين أنه على حدث، لكن لا يدري هل تطهر بعد الحدث أو لم يتطهر، وهنا يتطهر ويزيل هذا الشك عنه، لأن اليقين أنه لم يتطهر. لو شك في عدد الطلاق: هل هي اثنتان أو ثلاث؟ يبقى على الأصل وهو اثنتان. قال: "والنفي للوجود ثم الصحة ثم الكمال، فرعين الرتبة". معنى النفي الداخل على المسميات، سوي كان بلا النافية أو بما أو بغيره. معنى ما يأتي في الشرع بالنفي هو على ثلاثة أقسام، ثلاثة أقسام: إما للوجود، النفي إما لنفي الوجود، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". لا صلاة هنا: لا وجود لها، وقيل أنه لا صحة لها أيضًا. ومن أيضًا قوله في الحديث: الحديث الذي يأتي إلى الكاهن: "لا تقبل له صلاة أربعين يوما"، أي نفي وجودها. "لا نكاح إلا بولي"، النفي هنا للصحة أيضًا. لما تقول: "لا معبود إلا الله"، هذا نفي، نفي وجود. "لا خالق إلا الله". لكن قوله: "لا نكاح إلا بولي"، يكون نفي، نفي صحة، نفي صحة هذا النكاح. حتى "لا صلاة"، "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، أيضًا هنا حمله كثير من العلم على نفي الصحة. فأما أن يكون وجود، نفي الوجود، أو نفي الصحة، أو الثالث يقولون: نفي الكمال، إن وجد الصارف. معنى: أولا يكون نفي وجود، ثم نفي صحة، ثم نفي للكمال. ثم نفي للكمال، فالمرتبة الأولى يكون النفي للوجود، إذا لم تمكن، معنى يمكن أننا نقول أنه للوجود، تكون نفي للصحة، هذا هو الأصل. وإلا إذا وجد دليل يصرف هذا النفي إلى الكمال، وأنه ليس نفيا للصحة، فأنا أقول أن هذا النفي نفي كمال. لكن هل المراد بالنفي نفي الكمال أنه لا يضر صاحبه؟ فهذا ليس صحيحا. ولهذا يقول شيخ الإسلام كما في المسودة: "من قال أن النفي للكمال، فإن أراد الكمال الواجب الذي يضر صاحبه فقد صدق، وإن أراد الكمال المستحب فلم يقع في كلام الله ولا كلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم". بل قال: "ولا يجوز أن يقع". مثل بالنهي للكمال: قوله "لا صلاة بحضرة طعام"، "لا صلاة بحضرة طعام"، يقولون: هذا نفي هنا ليس للصحة، وإنما نفي للكمال، لوجود الصارف، وهو أن الصلاة اكتملت شروطها وواجباتها وأركانها، لكن لما وجد شيء يشوش على الإنسان، فالنفي هنا للكمال. فكل ما يشوش على الإنسان في صلاته، فلابد أن يبتعد عنه، لأنه سيختل شرط من شروط الصلاة، وركن من أركان الصلاة، مثل الطمعانين مثلًا. فمثلًا: "لا صلاة لمنفرد خلف الصف"، هذا الحديث صحيح. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث وابصة: قال لذاك الرجل الذي صلى وحده: "أعد"، أو قال له: "أعد صلاة". فلهذا فالصلاة خلف الصف لا تجوز، وهذا النفي نفي الصحة: "لا صلاة المنفرد خلف الصف". لكن إذا وجد صارف، مثلًا يكون الصف مكتمل ولم يجد من يصلي معه، فقال العلماء: هنا يصلي، هنا يصلي، ويحمل على نفي الكمال. قالوا: "الأصل في القيد احتراز، ويقل لغيره ككشف تعليل جهل". هذه من المسائل الأصولية معنا في القيود والاحترازات التي تأتي في الأصل. هذه القيود والاحترازات معنا ليست ليست للتعليل، وإنما يقيد بها المطلق، ويخص بها العام. فالأدلة الشرعية أو القيود أصلًا تأتي إما للاحتراز والتقييد، هذا هو الأصل، الأصل أنها تأتي للاحتراز والتقييد، وأحيانا تأتي للتعليل، وهذا قليل. فلهذا قال: "والأصل في القيود احتراز، ويقل لغيره كشف تعليل جهل". فالأصل أنها تكون هذه القيود احترازات، يحترز بها عن شيء. مثل: "وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم". معنى هنا قيد واحتراز: أن الربيبة لا تحل إلا إذا دخل على أمها، معنى أقصد: لا تحرم إلا إذا دخل على أمها. لا تحرم إلا إذا دخل على أمها، أما مجرد العقد لا يحرمها، فهذا يعتبر قيد احتراز: أن ما تحرم الربيبة حتى تدخل على أمها. أما لو خلا بأمها، على قول ما حرمت عليه، لو عقد عليها ما حرمت عليه. وأيضا يأتي الأصل كما قلنا: أن القيد يأتي للاحتراز. فهنا: "وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن"، هنا "اللاتي دخلتم بهن" هذا قيد احتراز، فإذا لم يدخل بها، معنى أن الربيبة حلال. لكن "قيد وحجوركم"، "في حجوركم" قيد، "في حجوركم" هنا للتعليل، قالوا: للتعليل، معنى للتعليل والحكمة، لماذا؟ لأن هذه البنت كيف ستتزوجها وهي في حجرك، وهي أنت التي تربيها، فكيف ستزوجها؟ لأنها غالبا تكون عند أمها، غالبا تكون عند أمها، فلهذا كيف ستزوجها الإنسان وهي في حجره؟ هذا من باب التعليل، هذا من باب التعليل. لأن إذا كانت في حجره فهي مثل بنتك، فلهذا أكثر العلم لم يجعلوا قيد الحجر قيد في هذه المسألة، لم يجعلوا حرزا وقيدا في هذه المسألة، لم يشترطوا الحجر، وإنما جعلوا الحجر من باب التعليل فقط، والحكمة: التعليل والحكمة. أيضا من ذلك قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. الذي خلقكم هنا ليس شرطا، ما نتعبدوه لأنه خلقكم، هذا شرط لا، وإنما هو تعليل لبيان العلة من عبادة الله عز وجل أنه خلقكم. أيضا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، هنا ليس للتقييد والاحتراز، وإنما للتعليل: ليعبدوني، خلقتهم ليعبدوني، باب التعليل. أيضا قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، هذا أيضا قيد للتعليل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدعونا إلا لما يحيينا، فهذا يسمى قيد للتعليل. وفهذا ياهزيين ما يحييه لتعليل يجب أنها كليل صمة نبي جيدة.