كتاب الطهارة 68

كتاب الطهارة 68

الدرس في كتاب الطهارة 68، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف التيمم وحكمه كبديل عن الوضوء

يبيّن المحور أن التيمم بالصعيد الطيب يعد وضوءاً للمسلم عند عدم الماء ويرفع الحدث رفعاً مؤقتاً إلى حين وجود الماء. ويرجح أن التيمم يقوم مقام الماء في رفع الجنابة والحدث الأصغر بشرط عدم وجود الماء.

أثر وجود الماء بعد الفراغ من صلاة التيمم

يناقش المحور حكم من صلى بالتيمم لفقدان الماء ثم وجده في وقت الصلاة، مستدلاً بأحاديث أبي ذر وأبي سعيد. ويقرر أن صلاته صحيحة مجزئة ولا تجب عليه الإعادة، ومن أعادها فله أجران.

اختلاف العلماء في وجود الماء أثناء صلاة التيمم

يعرض المحور قصة الرجلين اللذين صليا بالتيمم فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر فأقر النبي ﷺ صلاتهما. ويبين خلاف العلماء فيمن وجد الماء أثناء الصلاة، فذهب الجمهور لوجوب الخروج وذهب الشافعي للإكمال، مع ترجيح تقديم حديث «أجزأتك صلاتك» الخاص على العموم.

الحكم النهائي بسقوط الإعادة عن المتيمم

يقرر المحور بشكل قاطع أن من صلى بالتيمم لشرطه ثم وجد الماء بعد الفراغ في الوقت لا تلزمه إعادة الصلاة. ويؤكد سقوط مطلب الإعادة عن المكلف في هذه الحالة استناداً للأدلة السابقة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته». رواه البزار، وصححه ابن القطان. لكن صوب الدارقطني إرساله. على هذا الحديث الصحيح فيه، كما قال الدارقطني أنه مرسل، لكن صححه بعضهم بالشواهد كما سيأتي. قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الصعيد هو عند الأكثرين التراب، وعن بعض أئمة اللغة أنه وجه الأرض ترابا كان أو غيره، وإن كان صخرا لا تراب عليه». وتقدم الكلام في ذلك، والصحيح قلنا أنه تراب، لكن ليس التراب الخاص، يدخل فيه جميع الأتربة أو جميع التراب: الرملية، والتربة الخصبة، والتربة المالحة، وغير ذلك. قال: وتقدم الكلام في ذلك. قال: «وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين». قال: المغلب فيه دليل. قال: فيه دليل على تسمية التيمم وضوءا؛ لأنه بدل عن الوضوء، فلذا الصحيح أن البدل له مقام المبدل، أن يقوم مقام المبدل، فلذا فالتيمم يقوم مقام الوضوء حتى في أنه يجوز له أن يتيمم ويصلي به صلوات، وهو الصحيح؛ لأنه مكان الوضوء. وهذا الحديث أيضا يدل عليه: «الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين». وجاء أيضا نحوه من حديث أبي ذر، ثم سيأتي. قال: «فإذا وجد» أي المسلم الماء «فليتق الله وليمسه بشرته». رواه البزار، وصححه ابن القطان. ابن القطان والفاسي: محمد بن أحمد بن حسن بن الحسن الظاهر الفاسي، صاحب ابن حزم، معنا ابن تراميذ ابن حزم. طيب. قال: قال: لكن صوب الدارقطني إرساله. قالت الدارقطني في كتاب العلل: إرساله أصح. وفي قول: «إذا وجد الماء» دليل على أنه إن وجد الماء وجب إمساسه بشرته. وتمسك به من قال: إن التراب لا يرفع الحدث، وأن المراد أنه يمسه بشرته لما سلف من جنابته؛ فإنها باقية عليه، وإنما أبح له التراب للصلاة لا غير. وإذا فرغ منها عاد عليه حكم الجنابة. ولذا قالوا: لابد لكل صلاة من تيمم. يعني يقولون: أن التيمم لا يرفع الحدث بل يبيح الصلاة فقط. فإذا صلى الإنسان رجع على أنه جنب. قالوا: استدلوا بحديث عمرو بن العاص: قوله صلى الله عليه وسلم: «صليت بأصحابك وأنت جنب»، وقول الصحابة له: «إن عمر صلى بهم وهو جنب»، فأقرهم على تسميته جنبا. على عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل. قالوا: منهم من قال: أن التراب حكم حكم ما يرفع الجنابة ويصلي به ما شاء، وإذا وجد الماء لم يجب عليه أن يمسه إلا للمستقبل من الصلاة. واستدلوا بأنه تعالى جعله بدلا عن الماء فحكمه حكمه، وبأنه صلى الله عليه وسلم سماه طهورا وسماه وضوءا كما سلف قريبا. والحق أن التيمم يقوم مقام الماء ويرفع الجنابة رفعا مؤقتا إلى حال وجدان الماء. هذا صحيح، فهو يرفع الحدث رفعا مؤقتا حتى يأتي الماء، فإذا جاء الماء بطل التيمم. قالوا: بأنه صلى الله عليه وسلم سماه طهورا وسماه وضوءا كما سلف قريبا. والحق أن التيمم يقوم مقام الماء ويرفع الجنابة رفعا مؤقتا إلى حال وجدان الماء. قال: والحق أن التيمم يقوم مقام الماء ويرفع الجنابة رفعا مؤقتا إلى حال وجدان الماء. أما أنه قائم مقام الماء فلأنه تعالى جعله عوضا عنه عند عدمه، والأصل أنه قائم مقامه في جميع أحكامه، فلا يخرج عن ذلك إلا بدليل. هذا الأصل. وأما أنه إذا وجد الماء اغتسل، فلتسميته صلى الله عليه وسلم عمرا جنوبا، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا وجد الماء فليتق الله». هذا حديث أبي ذر. قال: فإن الأظهر أنه أمر بإمساسه الماء لسبب قد تقدم على وجدان الماء. إذا إمساسه لما يأتي من أسباب وجوب الغسل أو الوضوء معلوم من الكتاب والسنة، والتأسيس خير من التأكيد. طيب. إذا وجد الماء، قال في حديثي: والعصر أنه مقام، قائم مقامه في جميع أحكام، فلا يخرج عن ذلك إلا بدليل. وأما أنه إذا وجد الماء اغتسل، فلتسميته صلى الله عليه وسلم عمرا جنوبا، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته». قال: فإن الأظهر أنه أمر بإمساسه الماء لسبب قد تقدم على وجدان الماء. إذا إمساسه لما يأتي من أسباب وجوب الغسل أو الوضوء معلوم من الكتاب والسنة، والتأسيس خير من التأكيد. فهذا هو الصحيح: أنه يكون يرفع الحدث، لكن رفعه رفعا مؤقتا، رفعا مؤقتا ليس رفعا مطلقا. قالوا: للترمذي عن أبي ذر نحوه، وصححه. والترمذي عن أبي ذر، قال: اسمه جندب، جندب بن جنادة. طيب. الآن للترمذي: هذا حديث أبي ذر أيضا، فيه ضعف، لكنه يشهد له حديث أبي هريرة، فهو شاهد لحديث أبي هريرة. قالوا: أبو ذر من أعيان الصحابة والزهاد والمهاجرين، وهو أول من حيا النبي عليه الصلاة والسلام بتحية الإسلام، وأسلم قديما بمكة، يقال كان خامسا في الإسلام، ثم انصرف إلى قومه إلى أن قدم المدينة على النبي عليه الصلاة والسلام بعد الخندق، ثم سكن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم الربذة. الربذة هذا مكان بدوي، إلى أن مات بها سنة ثنتين وثلاثين. قال: إلى أن مات بها سنة ثنتين وثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه، وصلى عليه ابن مسعود. وجاءت قصة في هذا وفيها ضعف، لكن المشهور أن ابن مسعود هو الذي صلى عليه، ويقال أنه مات بعده بعشرة أيام أو نحوه. أي نحو حديث به. قال: نحوه، أي نحو حديث أبي هريرة. لفظه: قال أبو ذر: «اشتويت المدينة، فأمر لي، فأمر لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبل، فكنت فيها، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: هلك أبو ذر. قال: ما حالك؟ قلت: كنت أتعرى الجنابة وليس قرب ماء. قال: الصعيد طهور لمن لم يجد الماء ولو عشر سنين». قال: الصعيد طهور لمن لم يجد الماء ولو عشر سنين. وصححه، أي حديث أبي ذر، الترمذي. قال المصنف في الفتح: إنه صححه أيضا ابن حبان والدارقطني. طيب. قال: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: «خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجد الماء في الوقت، فعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للآخر: لك الأجر مرتين». رواه أبو داود والنسائي. هذا حديث أبي سعيد، يقول المؤلف: هو الطاهر الحلال. «صعيدا طيبا» أي: هو الطاهر الحلال. وقد قيد الله الصعيد في الآيتين في القرآن بإطلاقه. طيب. قال: وقد قيد الله الصعيد فيه الآيتين في القرآن بإطلاقه. في حديث أبي هريرة مقيد بالآيات الأحدث. «فصليا ثم وجد الماء في الوقت» أي وقت الصلاة التي صليا صلياها. فعاد أحدهما الصلاة والوضوء، سماه أعاد تقليبا، فلم يكن قد توضأ، أو سمى التيمم وضوءا مجازا. قال: «ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة». قال: أصبت السنة وأجزأتك الصلاة؛ لأنها وقعت في وقتها والماء مفقود. قال: لأنها وقعت في وقتها والماء مفقود، فالواجب التراب. وقال للآخر الذي أعاد: «لك الأجر مرتين»: أجر الصلاة بالتراب وأجر الصلاة بالماء. أصبت السنة وأجزأتك الصلاة، وقال للآخر الذي أعاد: لك الأجر مرتين، أجر الصلاة بالتراب وأجر الصلاة بالماء. قال: رواه أبو داود والنسائي. وفي مختصر سنن النسائي، مختصر السنن للمنذري، معنا سنن أبي داود: أنه أخرجه النسائي مسندا ومرسلا. وقال أبو داود: أنه مرسل عن عطاء بن يسار. لكن قال المصنف: هذه رواية، رواه ابن السكن في الصحيح، وله شاهد الحديث من العباس، رواه إسحاق في مسنده: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ثم تيمم»، فقيل له: إن ذلك قريب منك، فقال: «فلعلي لا أبلغه». طيب. الآن هذا الحديث، حديث أبي سعيد، مختلف أيضا فيه، والصحيح أنه مرسل. فصحيح أنه مرسل، ليس صحيحا مسندا، وإنما مرسل. قال: وقال أبو داود: رواه أبو داود والنسائي في مختصر السنن للمنذري، أنه أخرجه النسائي مسندا ومرسلا، وقال أبو داود: أنه مرسل عن عطاء بن يسار. لكن قال المصنف، أي الحافظ ابن حجر: هذه رواه ابن السكن في الصحيح، وله شاهد من الحديث من العباس، رواه إسحاق مسندا. هذا الشواهد لهذا الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ثم تيمم»، فقيل له: إن الماء قريب منه، قال: «فلعلي لا أبلغه». وهذه أيضا الرواية لا دليل معنى، هي داخلة في هذا الحديث، جاءت بأسانيد أخرى. قال: الحديث دليل على جواز الاجتهاد في عصره صلى الله عليه وسلم. طيب. معنى: على صحة هذا الحديث، يقول: أن الحديث دليل على جواز الاجتهاد في عصره، أنه يجتهد عليه الصلاة والسلام في عصره، ثم بعد ذلك يأتي الخبر من الله بالتأييد أو بعدم. قالوا: على أنه لا يجب الطلب والتلوم له، أي الانتظار، لمعنى الماء، بل يصلي متى حضر وقت الصلاة. وقد تكلمنا على هذه المسألة. قال: ودل على أنه لا تجب الإعادة على من صلى بالتراب ثم وجد الماء في الوقت بعد الفراغ من الصلاة. إذا صلى وانتهى لا يعيد. لكن الخلاف حصل إذا كان جاء وقت الصلاة، هل يخرج من الصلاة أو لا يخرج؟ أنا أعرف أن الماء جاء وهو في الصلاة، فهل يخرج من الصلاة أم يكمل؟ فعند الجمهور أنه يخرج، وعند الشافعي أنه لا يخرج بل يكمل الصلاة. وقيل: بل يعيد الواحد في الوقت، لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته»، وهذا قد وجد الماء. وأجيب بأنه مطلق في من وجد الماء بعد الوقت وقبل خروجه، وحال الصلاة بعدها. وحديث أبي سعيد هذا في من لم يجد الماء في الوقت حال الصلاة، وهو مقيد، فيحمل عليه المطلق، فيكون معناه: فإذا وجدت الماء قبل الصلاة في الوقت فأمسه بشرتك. إذا وجدت وعليك جنابة متقدمة، فيفيد، فيقيد به كما قدمناه. قال: واستدل القائل بالإعادة في الوقت بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾، والخطاب متوجه مع بقاء الوقت. وأجيب بأنه بعد فعل الصلاة لم يبق للخطاب وتوجه إلى فاعلها، كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أجزأتك صلاتك» وأجزأتك صلاتك للذي لم يعد؟ إذا الإجزاء عبارة عن كل الفعل مسقطا لوجوب إعادة العبادة. والحق أنه قد أجزأ. فخلاص الأمر أن التيمم رافع للحدث رفعا مؤقتا. وأيضا أن الماء، أن الرجل إذا صلى بتيمم ولو في أول وقت ثم جاء الماء، فإنه لا يعيد الصلاة، فإنه لا يعيد الصلاة مادام أنه قد صلى صلاة صحيحة. وأيضا في هذا الحديث: إصابة السنة أفضل. من فإنه لا يعيد الصلاة.