الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 80، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يختم الشيخ بكر أبو زيد حلية طالب العلم بذكر نواقضها محذراً من إبطال الأعمال، ويبين أن أول هذه النواقض وأعظمها هو إفشاء السر، وهو تعمد إفشاء ما ائتمن عليه الشخص، مؤكداً على أهمية معرفة النواقض لتوقيها وحفظ العلم والعمل.
يحذر المقطع من خطورة إفشاء الأسرار ونشرها، مؤكداً أن حفظ السر من أهم الأخلاق الواجبة على المسلم وطالب العلم، مستدلاً بآية قرآنية وأقوال مأثورة، ويبين أن خيانة الأمانة بنشر الأسرار تؤدي إلى الفتنة والخلافات بين الناس، داعياً إلى التحفظ وكتمان السر ما أمكن.
يتناول المقطع قصة كتمان النبي صلى الله عليه وسلم سراً لأزواجه وأمانة أبي بكر الصديق في عدم إفشاء سر خطبة حفصة، محذراً من خطورة نقل الأحاديث بين العلماء والطلاب مما يثير الفتن، ومؤكداً أن طالب العلم يجب أن يكون أميناً رزيناً ناقلاً للخير لا للشر.
يختتم المتحدث بالدعاء والتسليم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والحمد لله رب العالمين، مع شكر الحضور.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمتابعة أيها الأحبة في الله مع حلية طالب العلم للشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. ونحن على وشك الانتهاء من هذه الحلية، وقد ختم رحمه الله تعالى الباب أو الفصل السابع بنواقض هذه الحلية. ومن المناسب يا إخوان أن تختم بمثل هذا الأمر؛ لأن المسلم محافظة على العبادة، محافظة على العلم، محافظة على الخير، ولا تبطلوا أعمالكم. فقد يتعب الإنسان نفسه في التحلي بهذه الآداب والأخلاق، ثم بعد ذلك يقع في أمر يفسد عليه ما مضى. قال تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا ﴾. وذكر رحمه الله تعالى أهمية العناية بهذه النواقض لأجل اجتنابها. جاء عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر. قيل: لماذا؟ قال: مخافة أن يدركني. قال: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم». الحديث. وكما قيل: عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه، ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه. ومن هذا الباب يا إخوان يتعرف المسلم على نواقض الإسلام، وهكذا نواقض الوضوء، مبطلات الصلاة، مبطلات الصيام، محظورات الإحرام، وغيرها؛ لكي يحافظ على عمله وعبادته. وهذه النواقض هي ماذا؟ حري بطالبي العلم أن يعتني بها؛ لأنها تبطل عليه طلبه للعلم، وما جمعه من علوم، وما أتقنه من فنون. هذه النواقض تفسد عليه ذلك الخير، ذلكم الخير. قال رحمه الله تعالى: «نواقض هذه الحلية يا أخي، وقال الله وإياك العثرات. إن كنت قرأت مثلا من حلية طالبي العلم وآدابه، وعلمت بعضا من نواقضها، فاعلم أن من أعظم خوارمها المفسدة لنظام عقدها: أولا إفشاء السر». إفشاء السر. نعم. وإفشاء السر كما ذكر العلماء قالوا: هو تعمد الإفضاء بسر من شخص قد اعتمنه عليه. شخص اعتمنك على أمر، فتذهب وتشيع هذا الأمر وتنشره. وهذا يا إخوان من الآداب والأخلاق التي يجب على المسلم عموما، وطالبي العلم على وجه الخصوص، أن يبتعد عنها. والمصيبة يا إخوان أن هذه السمة وهذه الظاهرة للأسف الشديد أصبحت متفشية لدى ليس القليل، بل ولربما الكثير ممن ينتسب إلى العلم. أصبح السر عزيزا، قل من يحفظه، وكثر من يفشيه ويشيعه في أوساط الناس. قال ربنا عز وجل: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ﴾. الإذاعة والإعلام وإعلام الآخرين إلى غير ذلك، هذا كله يعتبر ماذا؟ من الأضرار والأخطار. وقوله: ﴿ أَذَاعُوا بِهِ ﴾ أي أنهم أفشوه. ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾. تجد الشخص يأتي إلى صاحبه، إلى زميله، يقول: عندي كلام بيني وبينك. ما معنى بيني وبينك؟ أي سر لا يجوز لك أن تحدث به آخر. يكلمك ويلتفت يمينا وشمالا، ما معنى هذا؟ معناه أنه لا يريد أحدا أن يسمع ويطلع. هذه أمانة، والمحافظة عليها بالمحافظة على السر وكتمانه، والخيانة فيها بإشاعة هذا الأمر وإفشائه لدى الآخرين. وهذا كله يا إخوان لا يجوز. كم تحصل الخلافات بين الأخ وأخيه، وبين القريب وقريبه، وبين الجار وجاره، وبين المدرس وتلميذه، وبين الطالب وزميله؟ أحدث ولا حرج عن الخلافات والنزاعات التي سببها الخيانة بإفشاء الأسرار. فقل يا إخوان من يحفظ السر اليوم إلا من رحم الله عز وجل. ولهذا قد ينقل الشخص كلاما سمعه من شخص إلى آخر، وتحصل النميمة، وتحصل الفتنة بين الناس بسبب ذلك. ولهذا ينبغي على الشخص أن يتحفظ يا إخوان ما استطاع إلى ذلك سبيلا. وكما قيل: «كل سر جاوز الاثنين شاع». كل سر جاوز الاثنين شاع. و«كل علم ليس في القرطاس ضاع». قلنا يعني: كما قيل: كل سر جاوز الاثنين شاع، وكل علم ليس في القرطاس ضاع. إذن طالب العلم يا إخوان أولى وأحرى أن يكون أمينا على الأسرار. النبي صلى الله عليه وسلم قال الله عنه: ﴿ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ الآية. وهكذا في قصة عرض عمر ابنته حفصة على أبي بكر الصديق بعد أن أصبحت بلا زوج. عرض ابنته على أبي بكر أن يتزوجها، فلم يرد عليه أبو بكر. طيب، عرض ابنته على عثمان، فقال عثمان: لا حاجة لي في الزواج، يعني عندي زوجة تكفيني. فوجد في نفسه عمر، فما هي إلا أيام ومن يخطبها؟ الرسول صلى الله عليه وسلم. فقال أبو بكر: ما كنت لأشيع سر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. سر يا إخوان. أخوك اعتمنك على شيء، فيجب أن تكون محلا وموضعا لهذه الأمانة. ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾، أي أنهم محافظون على الأمانة. وهذا يا إخوان من صفات المؤمنين الأتقياء الأولياء الذين هم أهل الجنة. وكم تحصل يا إخوان خلافات وفتن في الدعوة وبين العلماء والمشائخ، وسببها ماذا؟ سببها النقولات. هذه يحضر درسا عند شيخ، ثم يذهب عند شيخ آخر، قال: سمعت الشيخ الفلاني يتكلم فيك، أو يقول كذا وكذا، وأظنه يعرض بك، وأظنه... وهنا تضيق الصدور، وتحصل الشحناء والبغضاء والنفر بين الإخوة وبين غيرهم. فالله الله أيها الأحبة في الله في أن يكون طالب العلم رزينا، ليس خفيفا، وأن يكون غير عجول، وأن لا يكون سببا للفتن والنزاعات. بل طلاب العلم هم سفراء العلماء، يحملون السلام، ويحملون أطيب الكلام من عالم إلى عالم. من أين أتيت يا فلان؟ قال: أتيت من دار الحديث بالشحر، ما شاء الله، وأتيت إلى هنا تدرس، إلى مركز مثلا الفيوش أو سيحوت أو معبر أو غيرها من المراكز. فينقل أمورا طيبة عن أهل المكان الذي جاء منه، وعن زملائه في ذلك المركز، وعن مدرسيه في ذلك المكان. فطلبة العلم هم كالنحل، إذا وقعوا على شيء ثم ارتفعوا أخذوا أحسن ما فيه، ويخرج منهم بعد ذلك أطيب ما يكون. أسأل المولى عز وجل أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يجنبنا هذه الآفات وهذه الصفات السيئة. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكرا لكم.