شرح السنة للإمام البربهاري 7

شرح السنة للإمام البربهاري 7

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

علاقة البدع بالسنن وآثارها السلبية

يشرح هذا الفصل علاقة البدع بالسنن وكيف تؤدي البدع إلى اندثار السنن وذهاب معالم الدين. يُظهر شدة تحذير السلف من البدع لآثارها السلبية.

خطورة البدع ومحاولة الجمع بين السنة والبدعة

يناقش هذا الفصل خطورة البدع وكيف تذهب السنة، ويحذر من محاولة الجمع بين السنة والبدعة، مؤكدًا أن الإنسان إما أن يكون سنيًا أو مبتدعًا.

أهمية اجتناب المحدثات والبدع

يشرح هذا الفصل أهمية اجتناب المحدثات والبدع، ويوضح أن كل بدعة ضلالة، وأن البدع قابلة للنمو والانتشار، ويحذر من التناقض في التعامل مع البدع.

خاتمة وتوجيهات للعمل بالسنن واجتناب البدع

يتضمن هذا الفصل دعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مشيرًا إلى قدرة الله تعالى وعلمه بكل شيء.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلفنا -رحمه الله تعالى-: "والسواد الأعظم الحق وأهله، فمن خالف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من أمر الدين فقد كفر". وتكلمنا -إخواني في الله- في الدرس السابق حول مراد المؤلف -رحمه الله تعالى- من قوله: "فقد كفر". ثم تطرقنا إلى مسألة مهمة تتعلق بمنهج المؤلف في ذكر مثل هذه العبارات، وأن لها محامل يعتذر من أجلها. ثم قال -رحمه الله تعالى-: "وأعلم أن الناس لم يبتدعوا بدعة قط حتى تركوا من السنة مثلها". هذه عبارة جرت عليها أقوال السلف -رحمهم الله تعالى-. فمن معايب البدع أنها تقوم على أنقاض سنة، لم تطرأ بدعة إلا وجاءت محل سنة، تأتي في محل سنة. ولهذا أثر عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: "ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة، حتى تحيى البدع وتموت السنن". وهذا الأثر رواه الطبراني في "المعجم الكبير". فقوله -رضي الله تعالى عنه- يصف حال الناس في آخر الزمان، أنهم على هذا المنوال يحدثون البدع، وبالمقابل يتركون السنة. فإذا ترك الأمر على ما أرادوا، فإن البدع تنتعش والبدع تحيا، وبالمقابل فإن السنن تموت. ولهذا يقول حسان بن عطية -رحمه الله تعالى-: "ما أحدث قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها". فهذه من عقوبة البدع، تأتي البدعة لتحل محل سنة. وأنت -يا عبد الله- لو تأملت أي بدعة موجودة في أي زمان وفي أي مكان، تعلم علم اليقين أنه إذا وجدت بدعة، فإن قبلها كانت سنة، ثم ذهبت واستبدلت بهذه البدعة. ومن هنا -يا إخواني في الله- لا نعلم لماذا السلف من لدن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- إلى زماننا هذا، وإن كان على منهاجهم، أنهم يشدون النكير على المبتدعة ويحذرون أيما تحذير من البدعة. وذلك لأن البدعة عندما تظهر، تظهر بدعة محل سنة، بدعة أخرى محل سنة، بدعة أخرى محل سنة. فأين السنن؟ اندثرت. أين دين الله؟ اندثر. فبوجود البدعة، فيها اندثار لدين الله وذهاب لمعالم الدين. فقام السلف -رحمة الله تعالى عليهم- بشد النكير على كل من أحدث بدعة، لأن ظهور البدعة علامة على إذهاب معالم الدين. فضربوا بيد من حديد لكل من سولت له نفسه أن يأتي بالبدع في دين الله -جل وعلا-. تنظر الآن إلى حال المصلين، مثلًا، إذا قام المصلي وأتى ببدعة في صلاته، تجد أن هذه البدعة قامت على أنقاض السنة، السنة قد ضاعت ومحيت ونسيت، وأصبحت هذه البدعة هي الجاثمة على القلوب وهي المسيطرة على النفوس. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على عظيم خبث البدع، خاصة في هذه المسألة. وهنا تأتي مسألة أخرى، وهي أن البدعة والسنة لا تلتقيان، إما أن توجد سنة فتذهب البدعة، وإما أن تأتي البدعة فتذهب السنة. كما قال مؤلفنا -رحمه الله تعالى-: "وعلم أن الناس لم يبتدعوا بدعة قط حتى تركوا من السنة مثلها". تأتي البدعة على أنقاض السنة. إذا علمنا هذا، نعلم خطأ بعض الدعاة أو من كان ينتسب إلى السنة بإتيانه بتلك القاعدة الغريبة، وهو أنه يحاول أن يجمع بين البدعة والسنة. فيقول: من الممكن أن يكون الإنسان سنيًا مبتدعًا. وحاول أن يدندن على هذه القاعدة ويؤصلها، لكن رد العلماء عليه، وأن هذه القاعدة باطلة ومنكرة، ما يمكن أبدًا أن يجمع الإنسان بين نقيضين في وصف واحد أو في ذات واحدة. فلا يمكن أن تكون سنيًا وفي نفس الوقت مبتدعًا. ولهذا منع العلماء من هذه العبارة، كما ذكر الشيخ الفوزان -رحمه الله تعالى- في بعض شروحه. وهكذا قام بعض العلماء المعاصرين بالرد على من أراد أن يقعد بعض القواعد الدخيلة على منهج أهل السنة، كهذه القاعدة. فالإنسان -إخواني في الله- إما أن يكون سنيًا فهو سني، وإما أن يكون مبتدعًا فهو مبتدع. أما أن تقول: إنسان هذا سني من وجه، مبتدع من وجه آخر، فهذا لا يمكن أبدًا. وما سمعنا قط عن أحد من أهل السنة قديمًا أو حديثًا أتى بهذه العبارة، إلا عندما جاء الخلوف في هذه الأزمان. ثم قال -رحمه الله تعالى-: "فاحذر المحدثات من الأمور". وهناك نسخة أخرى تقول: "فاحذر المحرمات من الأمور". فعلى قول "المحرمات"، تكون العبارة بمعنى أن الذي حرم عليك -يا عبد الله- عليك أن تحذر منه، وعليك أن تبتعد عنه وأن تجتنبه، كل ما حرمه الله في كتابه، ونبينا حرمه في سنته، عليك بالاجتناب. وقال العلماء: إن المحرمات تجتنب لأنها إما أن تكون شرًا محضًا، أو يكون فيها شر راجح، أو يكون الشر فيها مساويًا للخير. فإذا كان المحرمات بهذا المنوال، إذن لا خير فيها. فكل ما كان شره محضًا أو شره راجحًا أو شره مساويًا للخير، فهذا من المحرمات التي ينبغي على المسلم اجتنابها. وأما على نسخة "المحدثات"، فيكون قول المؤلف: "فاحذر المحدثات من الأمور". وهذا هو الصواب، نسخة "المحدثات" هو الصواب، وهو اللائق بهذا المقام، لأن السياق يتناسب مع حديث العرباض بن سارية -رضي الله عنه-. فيكون قوله -رحمه الله تعالى-: "فاحذر المحدثات من الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". فيكون السياق مناسبًا وملائمًا مع حديث العرباض. ثم قال -رحمه الله تعالى-: "واحذر صغار المحدثات من الأمور، فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيرًا". وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة، كان أولها صغيرًا يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع الخروج منها، فعظمت وصارت دينا يدان بها، فخالف الصراط المستقيم، فخرج من الإسلام. هذه الفقرة -إخواني في الله- من بدائع عبارات البربهاري -رحمه الله تعالى-. وقد تناقلها العلماء في كتبهم وجعلوها قاعدة عامة في باب البدع والإحداث في الدين. وتحتوي هذه الفقرة على عدة مسائل، أولها: التحذير من جميع المحدثات، يدل عليه قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة". فجميع البدع يحذر منها، كل من طبق عليه لفظ البدعة، فإنه يجتنب ويحذر منه، سواء كان في الاعتقاد أو في الأفعال أو في العبادات. وهنا ننبه على مسألة قد وقعت فيها بعض الفرق والجماعات، وهي أنهم لربما يتحذّرون من بعض البدع مع بعض الجماعات الأخرى، لكنهم في أنفسهم قد اخترقوا بدعًا أخرى. فكيف يمكن أن يحذروا من البدع التي وقعت من الفئة الأخرى، وهم أنفسهم قد ابتدعوا بدعًا أخرى؟ هذا تناقض. فلا بد أن يكون هناك ضابط في أن البدع إذا صدرت من الآخرين يحذر منها، وأن البدع إذا صدرت من عندنا لا نحذر منها. لا، كل بدعة هي بدعة، سواء صدرت من عندنا أو من عند غيرنا. ثانيًا: يستفاد من عبارة المؤلف -رحمه الله تعالى-: "واحذر صغار المحدثات من الأمور"، أن من صفات البدع أنها تكبر وتنتشر. فالبدع قابلة للتمدد، قابلة للنمو وللانتشار. ولهذا قال -رحمه الله تعالى-: "فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيرًا". قال مجاهد -رحمه الله تعالى-: "يبدأون مرجئة، ثم يكونون قدرية، ثم يصيرون مجوسًا". انظر إلى القاعدة، يبدأون ببدعة، ثم تتطور إلى بدعة أخرى، حتى ينتهي بهم المطاف إلى بدعة أكبر. فأسأل مولاي -جل وعلا- أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.