الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 15، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع الأول مسألة خلق القرآن واعتقاد أهل السنة والجماعة بأن القرآن كلام الله حقيقة، مستندين إلى أدلة من القرآن والسنة.
يرد المقطع الثاني على شبهة المبتدعة الذين أنكروا أن القرآن هو كلام الله، ويؤكد أن كلام الله يليق بجلاله ولا يماثل كلام المخلوقين.
يتناول المقطع الثالث مسألة تكفير من قال بخلق القرآن، مستدلاً بأقوال السلف الصالح والعلماء مثل الإمام أحمد بن حنبل.
يختتم المقطع الرابع بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع الإقرار بعلم الله تعالى وإجلاله.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا. قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: وليقول في صفات الرب تعالى كيف ولما إلا شاك في الله تبارك وتعالى، والقرآن كلام الله وتنزيله ونوره ليس بمخلوق، لأن القرآن من الله، وما كان من الله فليس بمخلوق. وهكذا قال مالك بن أنس وأحمد بن حنبل والفقهاء قبلهما وبعدهما، والمراء فيه كفر. في هذه الفقرة، إخواني في الله، وهي ملحقة بما قبلها، تعرض المؤلف رحمه الله تعالى إلى الكلام عن مسألة القرآن، فقال رحمه الله تعالى: والقرآن كلام الله. وهذه المسألة مما يتعلق بالكلام في القرآن هو تبع وجزء من الكلام في صفة الكلام لله جل وعلا. لما وقعت الفتنة في مسألة خلق القرآن في القرون المتقدمة وامتحنا فيها أهل السنة أيما امتحان، لدرجة القتل والقمع في سبيل هذه المسألة، اهتم السلف بها، فأصبحوا يعرجون عليها ويجعلونها في فقرة خاصة. والاهتمام بها على حدة، وخاصة أن هذه مسألة من المسائل العظيمة التي تفرق بين المبتدعة وبين أهل السنة. قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: والقرآن كلام الله وتنزيله ونوره ليس بمخلوق. وما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى هو ما عليه أهل السنة والجماعة، فأهل السنة والجماعة يعتقدون في القرآن بأن الله قد تكلم به حقيقة، وأن الله جل وعلا قد تكلم به حقيقة، سمعه جبريل وأنزله على نبينا عليه الصلاة والسلام. هذا خلاصة مذهب ومنهج أهل السنة والجماعة في مسألة القرآن، أن الله جل وعلا قد تكلم به حقيقة، سمعه منه جبريل وأنزله على نبينا عليه الصلاة والسلام. ودلائل واضحة بينة نيرة لهذه المسألة العظيمة، من ذلكم كما في قوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾، فسمى ربنا جل وعلا القرآن بأنه كلامه جل في علاه. فما ينبغي لأحد بعد ذلك أن يستدرك على رب العالمين جل في علاه، فيقول بأن القرآن ليس كلام الله سبحانه وتعالى كما يفعل المبتدعة. وهكذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾، وهكذا في قوله تعالى: ﴿وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله﴾. وأيضًا في قوله عليه الصلاة والسلام: «إن قومي منعوني أن أبلغ كلام الله»، فهذه دلائل واضحة في هذا الباب، لا يستشكل على أحد أن يفهم على حقيقتها. فهذه الدلائل، إخواني، ذكر وصف ربنا جل وعلا بأن القرآن هو كلامه، بأن قرآنه هو كلامه جل في علاه. لكن المبتدعة نازعوا في هذه المسألة لأصل فاسد عندهم، وقد مر ذلك المعنى عند الكلام على الأقوال المبتدعة في باب الأسماء والصفات، وأنهم تيارات وأنهم اتجاهات مختلفة، فيذهبون إلى تأويلها وإلى تعطيلها وإلى إنكارها وإلى تفويضها. فذهب جماعة من المبتدعة بعد من قدح واعتقدوا واعتنقوا هذه الفكرة بأن الكلام لا ينبغي أن يكون في حق الله، وأن الله منزه عن الكلام. فوجهوا الشبهة في هذا الباب، قالوا: إن الكلام من صفة المخلوقين، وما ينبغي للخالق أن يتصف بصفة المخلوق. وهذا قلة في الفهم وبرودة في الذكاء. فلا يمكن أن يقول العلماء: إن الأسماء تتشابه كما يسمي العلماء بالمتواطئة، تتواطئ الألفاظ وتشترك في لفظ ما، ليس معناه أن هذا التواطؤ وهذا التشابه في اللفظ باللزوم وباللزوم يكون فيه تشابه بالكيفية ويكون كذلك تشابه في الحقيقة. نحن كجنس البشر، وفي عالمنا في الدنيا، كمن الأشياء من الأسماء المتشابهة في اللفظ، لكن في حقيقتها في كنهها في كيفيتها تختلف اختلافًا واسعًا شاسعًا بينًا واضحًا كما بين السماء والأرض. إذا كان هذا نجده في المخلوقات وبين المخلوقين، فما بين الخالق وبين المخلوق فكذلك. فكون أن الله جل وعلا يتكلم بكلام يليق بجلاله جل في علاه، ليس باللزوم أن يكون كلامه ككلام المخلوقين. الحاصل أن المبتدعة عندما تبنوا هذه القاعدة الفاسدة أن الله ينبغي أن ينزه عن الكلام، هنا جاءوا بهذه العبارة، فقالوا: لا نقول بأن القرآن هو كلام الله، بل نقول القرآن مخلوق. ورد أهل السنة والجماعة على هذه الشبهة بأمر كثير، ومنها ما سمع ما مضى ذكره من أن الله جل وعلا سمى القرآن كلامه. وهكذا في قوله تعالى: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾، فربنا جل وعلا في حق جل وعلا الخلق وفي حق كذلك الأمر، فعندنا الخلق وعندنا الأمر، والعطف هنا يقدر التغاير، فالخلق شيء والأمر شيء. فأنت يا عبد الله لو قيل لك: القرآن أين تضعه؟ هل في باب الأمر من أمر الله؟ أم أن تجعله من خلق الله؟ الجواب: أن القرآن هو من أمر الله جل وعلا، كما في قوله تعالى: ﴿قد أوحينا إليك روحا من أمرنا﴾، أي وهو القرآن. فالقرآن هو من أمر الله جل وعلا وليس من خلق الله، قول المؤلف رحمه الله تعالى: والقرآن كلام الله، قلنا: هذا اعتقاد أهل السنة والجماعة، يعتقدون بأن الله تكلم حقيقة بهذا القرآن. قال: وتنزيله، أي أن الله جل وعلا نزل هذا القرآن بواسطة جبريل، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين﴾. وقول المؤلف: ونوره، كذلك القرآن هو نور، كما في قوله تعالى: ﴿ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾، فالقرآن كلام الله وتنزيله ونوره ليس بمخلوق، أي لا نقول بأن القرآن مخلوق. وهذه عبارة من العبارات الكفرية التي ذهب السلف إلى تكفير من قال بها. لأن ذلك عين المصادمة لكلام الله جل وعلا، ربنا جل وعلا يقول ويذكر أن قرآنه كلامه، وأن تقول: لا، ليس بكلامه، فهذا عين المحادة والمصادمة لكلام الله جل وعلا. فقال: إن القرآن من الله، وما كان من الله فليس بمخلوق. وهكذا قال مالك بن أنس وأحمد بن حنبل والفقهاء قبلهما وبعدهما. هذا عليه السلف، السلف من الأولين ومن الآخرين ومن السالفين، كلهم طالت كلمتهم على هذه المسألة، على أن القرآن هو كلام الله جل وعلا. وقد ذكر الرازيان في رسالتهما ذلك، في رسالة بحاتم الرازي وبو زرع الرازي في عقيدتهما، قالوا: بأن القرآن كلام الله غير مخلوق. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والمراء فيه كفر، المراء فيه كفر، لأن بغي التشكيك في هذه المسألة وفي هذه العقيدة الواضحة المسطرة في الكتاب والسنة، وعليها السلف، ولها ذهب من أهل السنة إلى تكفير من قال بخلافها، إمام أحمد رحمه الله تعالى، كما يقول إسحاق بن إبراهيم: سئل إمام أحمد عن من يقول بأن القرآن مخلوق، قال رحمه الله تعالى: هو عندنا كافر. فهذه مسألة، إخواني، خلاصتها أن نفهم، وتحت هذه المسألة الكثيرة حوت ذكر أقوال العلماء وذكر الفرق الضالة ممن يقول بالكلام النفسي وممن يقول بالآحاد وممن يقول بكلام الله المحدث. وتحت ذلك مسائل لا يسع المقام ذكرها في هذه اللحظات. لكن يهمنا في هذا الباب أن نعلم الخلاصة بأن القرآن هو كلام الله جل وعلا، وأن من قال بأنه مخلوق فهو كافر على قول جماعة من أهل السنة. وبهذا نعلم، إخواني، أن ننبه في هذه المسألة على أنه ما ينبغي الهوادة والهوان في مثل هذه المسائل، وخاصة في مسألة خلق القرآن. فلا يأتي أحد ويقول: هذه مسألة خلافية، ليس كذلك، بل هي مسألة من أصول الدين، لا يجوز أن يكون فيها مخالف. فالخلاصة أن المؤلف رحمه الله تعالى قال: والقرآن كلام الله وتنزيله ونوره ليس بمخلوق، لأن القرآن من الله، وما كان من الله فليس بمخلوق. وهنا مسألة أنبه عليها، المبتدعة الذين يستدلون بقولهم: إن القرآن هو مخلوق وليس بكلام الله، يقولون: إن الآيات التي فيها كلام الله، مثل: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾، أو ﴿يسمعون كلام الله﴾، قالوا: كلام الله هذا مثل ناقة الله، هذا مثل ناقة الله وبيت الله، فهي مخلوقات تضاف إلى الله جل وعلا. لكن تنبه أهل السنة لهذه الدسيسة الخبيثة، ورد عليها العلماء بقولهم: إن الأشياء المضافة إلى الله جل وعلا هي على قسمين: إما أشياء هي أعيان تضاف إلى الله، أو هي معان تضاف إلى الله سبحانه وتعالى. فإذا كان شيء عين، فهو مخلوق، وإذا كان معنى، فهو صفة لله. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.