الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 14، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُنبه المؤلف إلى خطورة الكلام في ذات الله تعالى وأسمائه وصفاته دون اتباع النصوص الشرعية. يُحذر من البدع مستشهدًا بتحذير إمام مالك رحمه الله تعالى.
يشرح المقطع منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع أسماء الله وصفاته بإثبات ما أثبته الله لنفسه أو رسوله من غير تحريف أو تعطيل. يُذكر أن هناك خمسة مذاهب مختلفة في هذا الباب.
يشرح المقطع المذاهب الخمسة في باب الأسماء وصفات الله وكيفية تعامل كل مذهب مع صفة الاستواء. يُبين أن المذهب الأول هو الأسلم والأعلم والأحكم.
يتضمن المقطع دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُنهي بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: واعلم رحمك الله أن الكلام في الرب تعالى محدث، وهو بدعة وضلالة، ولا يتكلم في الرب إلا بما وصف به نفسه عز وجل في القرآن، وما بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، فهو جل ثناؤه واحد، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، ربنا أولٌ بلا ابتداء، وآخرٌ بلا انتهاء، يعلم السر وأخفى، على عرشه استوى، وعلمه بكل مكان، لا يخلو من علمه مكان. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الفقرة في بيان الكلام على مسألة عظيمة من مسائل الاعتقاد، مما يتعلق بباب الأسماء والصفات. فقال رحمه الله تعالى أولًا: وأعلم رحمك الله أن الكلام في الرب تعالى مُحدث، وهو بدعة وضلالة، لا يجوز الخوض والكلام في ذات الله جل وعلا، وإنما خاض في هذا الباب من لم يُسلِّم للنصوص الشرعية، ولم يستسلم لنصوص الشرع. وقد منع العلماء وحرم العلماء الكلام في ذات الله، لأن بماذا ستتكلم يا عبد الله في ربك ولم تُحِط بربك علمًا جل في علاه؟ يقول إمام مالك رحمه الله تعالى: «إياكم والبدع». قيل: يا أبا عبد الله، وما البدع؟ قال: «أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون بإحسان». الحاصل أن إمام مالك، وعلى هذا جرى السلف، رحمه الله تعالى، أنهم يلمزون بالبدعة ويرمون بالضلالة في حق هذا الصنف من خاض في أسماء الله، ومن تكلم في ذات الله، في علمه، في قدرته. ثم قال رحمه الله تعالى: ولا يتكلم في الرب إلا بما وصف به نفسه عز وجل في القرآن، وما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه. أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يبين لنا ما هي الوجهة الصحيحة، وما هو الواجب في هذا الباب، وهو باب الأسماء والصفات. ذكر رحمه الله تعالى منهج أهل السنة والجماعة، ومنهج السلف الصالح، وخلاصة هذا المنهج، وخلاصة معتقد أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، هو ما صرح به هنا: إثبات كل اسم أو صفة أثبتها الله لنفسه، وإثبات كل اسم أو صفة أثبتها نبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. بهذا القول، يا عبد الله، تعلم أنك على منهج سلفك الصالح. ويجرنا هذا الباب، إخواني في الله، إلى أن نسرد سردًا سريعًا حتى نعرف ما وجهات نظر المخالفين لأهل السنة في هذا المعتقد. اختلف أهل القبلة في باب الأسماء والصفات على عدة تيارات، وعلى عدة جهات، وهي تختصر على خمسة مذاهب. المذهب الأول: مذهب من قال أن المسلم عليه أن يأخذ بظاهر النصوص على وجه يليق بالله جل وعلا. وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة. كل نص في باب الأسماء والصفات فإنهم يقرون به، ويصفون به الباري جل وعلا، لكن بقيد: على وصف يليق بالله سبحانه وتعالى. ودليل هذا الباب هذه الآية: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. إثبات السمع والبصر لله، لكن بهذا القيد: ليس كمثله شيء. فأهل السنة والجماعة يثبتون جميع الأسماء والصفات لله جل وعلا على وجه يليق بالله، من غير تكيف، من غير تحريف، من غير تعطيل، من غير تمثيل. إنما يثبتون الإسم والصفة على كمال الله جل وعلا. المذهب الثاني: وهم قالوا كذلك أن نجري النصوص على ظاهرها، إلا أنها من جنس المخلوقين. وهم رادوا بهذا أن يأتوا لأي اسم وصفة لله جل وعلا فيثبتونها لله جل وعلا ويشبهونها بصفات المخلوقين. يقولون مثلًا أن يد الله كأيدينا، تعالى الله عن هذا القول علوًا كبيرًا. يجعلون النصوص على ظاهرها ويشبهون الله بخلقه، وهذا قول باطل، قول منكر. المذهب الثالث: قول من قال بإجراء النصوص على خلاف ظاهرها. قالوا: لأن ظاهر النص ممتنع عن الله. فأدخلوا عقولهم في هذا الباب، يأتون إلى صفة من صفات الله جل وعلا، قالوا: لا يمكن ولا يعقل أن يتصف الله بهذه الصفة. فما الذي فعلوا؟ فابتكروا أقوال يؤولون فيها هذه الصفة، فسموا حينها بالمؤولة. المذهب الرابع: المذهب الرابع هم قوم سكتوا عن هذا الباب مطلقًا في باب الأسماء والصفات. قالوا: ما نتكلم فيه. قالوا: الله أعلم. نكل علمه إلى الله جل وعلا. فسموا بالمفوضة؛ فوضوا باب الأسماء والصفات لله. وهذا قول خبيث، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وقول المفوضة من شر أقوال أهل البدع والإلحاد». المذهب الخامس: وهو مذهب المعطلة، وهو من أنكر باب الأسماء والصفات، جحد هذا الباب وعطل هذا الباب، وأنكر هذا الباب. وسموا بالمعطلة لأنهم قد عطلوا باب الأسماء والصفات. وهؤلاء درجات، منهم من أنكر الباب جملة وتفصيلًا، كالجهمية، ومنهم من أثبت الأسماء وأنكر الصفات، كالمعتزلة. فهذه، إخواني، خلاصة المذاهب الخمسة التي عليها الناس في باب الأسماء وصفات. وعلمنا أن المذهب الأول هو المذهب الأسلم والأعلم والأحكم. ثم المؤلف رحمه الله تعالى هنا مثل بماذا؟ باستواء الله جل وعلا، قال: على عرشه استوى، وعلمه بكل مكان، لا يخلو من علمه مكان. وأراد المؤلف رحمه الله تعالى الاستدلال بإثبات صفة الاستواء لله جل وعلا، وهذا قوله مقتبس من قوله جل وعلا: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾. ننطبق الآن الطوائف الخمسة كيف تعاملوا مع هذه الصفة؟ ربنا يقول: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.