الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 74، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناول المقطع الأول مسألة خلق القرآن وفتنة المعتزلة، حيث أقنع المعتزلة الولاة بأن القرآن مخلوق، مما أدى إلى حمل السيف لإلزام الناس بقول بخلق القرآن وتعذيب وقتل المخالفين. يُبين خطورة هذه المسألة وتأثيرها على أهل السنة.
يشرح هذا الفصل حقيقة القرآن بأنه كلام الله، ويفرق بين أفعال العباد في تلاوته وحفظه وسماعه وبين كلام الله نفسه. يُبين أن القول بأن القرآن مخلوق هو مذهب باطل وأهل السنة يعتقدون أن الله تكلم بالقرآن وأن جبريل سمعه من الله ثم أنزله على النبي.
من قال بأن القرآن مخلوق فهو كافر كفرا أكبر، وهذا قول أجمع عليه علماء أهل السنة لأن القرآن كلام الله تعالى. أهل السنة أضافوا عبارة أن القرآن كلام الله غير مخلوق لرد على الجهمية والمعتزلة، بينما السلف لم يستخدموا هذه العبارة لأن القرآن كان موجودا أصلا.
إن الحمد لله نحمده وتعالى ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال إمام الحافظ الحكمي رحمه الله تعالى في كتابه أعلام السنة: ما حكم من قال بخلق القرآن؟ هذا السؤال إخواننا، قلنا: إليه نحن في هذا أن يطرق مؤلف رحمه الله تعالى إلى المسائل المتعلقة بكتاب الله، وكان الكلام في أواخر المبحث أو الكلام عن القرآن إنه موضع ما يتخل الثالي، فأسفى أن يدخل المؤلف، وقال على هذه المسألة، وهو ما حكما قال بخلق القرآن، وهذه مسألة من المسائل التي وقعت فيها الفتنة في هذه الأمة كما سيأتي بيانه. قال رحمه الله تعالى: ما حكم من قال بخلق القرآن؟ قال: القرآن كلام الله عز وجل حقيقة، حروفه ومعانيه، ليس كلامه الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف، تكلم الله به قولا، وأنزله على نبيه وحيا، وآمن به المؤمنون حقا. إذن هذا هو القرآن، القرآن هو كلام الله جل في علاه. وحقيقة الأمر أن مسألة القرآن إنما هي تتفرع من مسألة كلام الله عز وجل، فما يقال في كلام الله يقال في القرآن، لكن لماذا المؤلف رحمه الله تعالى يتكلمون عن القرآن على حدة؟ فيثبتون مثلا في كتب الاعتقاد يتكلمون عن صفة الكلام، وأن الله جل في علا تكلم بكلام حقيقي ليس مجازي، ثم بعد ذلك يعرجون إلى مسألة القرآن يفصلونها، ما عند القرآن إنما هو فرع من مسألة الكلام الذي ألجأ العلماء إلى أن يتكلموا عن مسألة القرآن بعد كلامهم على مسألة الكلام، أي كلام الله عز وجل، لما حصل من فتنة وحصل من ضجة على مسألة القرآن. وهذه مسألة ما كانت تعرف أصلا، وهو ماذا تقولون في القرآن؟ الكل متفق من لدن سلفنا الصالح على أن القرآن هو كلام الله، الله جل وعلا تكلم، ومن كلام الله جل وعلا هذا الذي أنزله في كتابه، فما نقرأه في القرآن الكل يعرف هذا، لا يماري أحد لا الصغير ولا الكبير، ولا القاصي ولا الداني، ولا الذكر ولا الأنثى، ما أحد يكابر على أن هذا الذي يوجد في المصاحف هو كلام الله. فالمسلم عندما يقرأ القرآن يتمعن ويتأمل إلى عظمة ما تكلم به الباري، هذا لا إشكال فيه، هذا مما أوقعه الله في النفوس الزكية وفي الفطر السليمة، إلى أن شبت أو نبتت نابتة البدعة، فجاء من جاء من المبتدعة ونازعوا في هذه المسألة المؤصلة، وقالوا بأن القرآن ليس كلام الله، أعوذ بالله، القرآن ليس بكلام الله سبحانه وتعالى. وحينها كان أول من حمل مراية الفتنة المعتزلة، إذ أنهم استطاعوا الوصول إلى السلطة العليا من المأمون وهكذا الواثق والمعتصم، أقنعوهم بأن هذا القرآن ليس كلام الله، طبعا إخواني، فلا هذه الكلمة ستعظم، لو أن المبتدعة قالوا بأن الله ما يتكلم لقامت الناس عليهم، لكن ما الذي أتوا؟ أتوا بعبارة سيئة ذكرها، قالوا بأن هذا القرآن مخلوق، القرآن مخلوق، بمعنى أن الله ما تكلم به وإنما الله سبحانه وتعالى خلق هذا القرآن وما فيه خلقه في شيء، خلقه في شيء، وهذا الشيء سمع من عند الناس بعد هذا فكتب، فهو أصله أصل وجوده عبارة عن مخلوق خلق من خلق الله خلقه الله. ولهذا المبتدعة من الجهمية والمعتزلة يقولون بأن القرآن مخلوق، طبعا المعتزلة استطاعوا أن يتوصلوا إلى السلطة العليا وأقنعوهم بصحة مذهبهم، حينها قام الولاة في تلكم الأزمان بحمل السيف لإلزام الناس بقول بخلق القرآن. وهنا مسألة ننبه عليها، وهو الرد على بعض السذج من الكتاب من المعاصرين ممن لم يعرف حقيقة الأمر، فيجد أن أهل السنة إذا تكلموا عن مسألة خلق القرآن لربما بعضهم يقول: يا عباد الله لا تعكروا على الناس ولا تحجروا واسعا، من قال أن القرآن مخلوق فأمر سهل، ومن قال بعدم خلقه فالأمر هين، وأن الأمة في تلك الفترة الزمنية جلسوا في مسألة وتعاصروا عليها وتناظروا فيما بهذا أخذ عليهم جهد، لو أنه بذر في غير هذا لكان أهون. وأخذ بعض الكتاب من يمسك بزمام ملف خلق القرآن بأطراف أصابعه، وأنه من المسألة الهينة الذي ما ينبني عليها كبير خلاف، انظر يا عبد الله ما الذي فعلوه المعتزلة عندما استطاعوا أن يقنعوا الولاة بحقيقة ما هم عليه بأن القرآن ليس كلام الله بل القرآن مخلوق؟ قام الولاة وأخذوا بسيف في السلطة يأمرون الخلق جميعا، حتى أنه قتل من قتل من المسلمين لأجل هذه المسألة، قرر القرآن مخلوق والغير مخلوق، فمن أقر بأن القرآن مخلوق ترك، ومن قال بأن القرآن غير مخلوق عذب ونكل به وقتل. بل ربما كان يدار في المدن والأقاليم أن من لم يقل بخلق القرآن تقطع عنه الأرزاق، فمن كان قاضيا ينزع من منصبه، ومن كان أميرا أو واليا على ناحية يخلع من هذا المقام، ما يبقى، بل وصل الأمر إلى أحمد بن أبي دؤاد وهو الذي تولى كبر هذه المسألة، والذي أخذ يهيمن على أرجاء الدولة ويبث فيها ضرورة القول بخلق القرآن. كان ربما يكون هناك معارك بين المسلمين والروم، فتأتي مسألة تبادل الأسرى، تبادل الأسرى فيتفق الطرفان على أن يأخذ المسلمون أسراهم من عند النصارى، والنصارى يأخذون أسراهم من المسلمين، فتجد أن أحمد بن أبي دؤاد يأتي عند النصارى ويقول: يسألهم ويفاوضهم عن المسلمين الذين هم في أسر النصارى، سنبادلهم بما معنى من أسراكم، بشرط أن ما من مسلم عندكم امتحنوا، إن كان يقول بخلق القرآن حي هل إلينا؟ وأما يقول أن القرآن غير مخلوق يبقى عندكم، يبقى عندكم في الأسر، افعلوا به ما شئتم. هكذا وصل به الأمر، نهيك عما وقع إلى أئمة السنة من قتلهم ومن تعذيبهم، وما وقع للإمام أحمد رحمه الله تعالى، مسطر لتعلم عظم البلية التي امتحن بها المسلمون وخاص أهل السنة إزاء هذه المسألة. ثم يأتي من يأتي من السذج ويرى أن هذه المسألة مسألة هينة وأنه لا عتب فيها والأمر فيها سيان والأمر فيها سعة، لا يا عبد الله، بل مسألة كما سيأتي فيها إسلام وكفر. قال رحمه الله تعالى: تكلم الله به قولا وأنزله على نبيه وحيا، إذن هذا هو حقيقة القرآن هو كلام الله، تكلم الله بالقرآن وأسمعه جبريل، جبريل سمعه من الله، ثم قام جبريل بإنزاله على نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: فهو وإن خط بالبنان وتلي باللسان وحفظ بالجنان وسمع بالآذان وأبصرته العينان، لا يخرجه ذلك عن كونه كلام الرحمن، فالأنامل والمداد والأقلام والأوراق مخلوقة، والمكتوب بها غير مخلوق، والألسن والأصوات مخلوقة، والمتلو بها على اختلافها غير مخلوق، والصدور مخلوقة والمحفوظ فيها غير مخلوق، والأسماع مخلوقة والمسموع غير مخلوق. إذا نفرق بين فعل العبد وما كان من صفة الله عز وجل، فالقرآن الذي تتلوه الذي تتلوه هو كلام الله، وأما تلاوتك هي من فعلك من فعل العبد، ففرق يا عبد الله بين التلاوة والمتلو وبين القراءة والمقرو وبين الحفظ والمحفوظ وبين السماع والمسموع. فالذي تسمعه هو من فعلك، سماعك هو فعلك مخلوق، وأما المسموع فهو كلام الله، المقرو هو كلام الله، قراءتك هي فعلك مخلوق، فلهذا يقول العلماء: فرق بين السمع والمسموع والحفظ والمحفوظ، حفظك هذا فعل العبد وأفعال العباد مخلوق، والله خلاقكم وما تعملون، أفعال العباد مخلوق، ومن أفعال العباد التلاوة ومن أفعال العباد القراءة والسماع والحفظ كل والكتابة كل ذلك من أفعال العبد فهي مخلوقة. لكن فرق بين أفعال العبد وما كان من صفة الله وهي كلامه، فالمقروء والمسموع والمتلو والمحفوظ والمكتوب كل هذا من كلام الله، هذا لا يخرجه أبدا عن كونه كلام الله عز وجل. فقال رحمه الله تعالى: فالأنامل والمداد والأقلام والأوراق مخلوقة والمكتوب بها غير مخلوق، والألسن والأصوات مخلوقة والمتلو بها على اختلافها غير مخلوق، والصدور مخلوقة والمحفوظ فيها غير مخلوق، والأسماع مخلوقة والمسموع غير مخلوق. قال الله تعالى: ﴿ا، إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون ﴾، وقال تعالى: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون﴾، وقال تعالى: ﴿اتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته﴾، كلماته كلمات أضيفت إلى الله عز وجل، أي كلمات الله، فالقرآن هي من كلام الله ومن كلمات الرب سبحانه وتعالى، ليس من كلام غيره. قال: وقال تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾، مشرك أراد الأمان فاستجار بجوار أحد من المسلمين، فإنه يؤجر ويجار، يكون هذا في ضماني ويكون هذا في جواري، وللمسلم ولأي مسلم له حق الجوار أن يجير من يريد أن يجيره، قد أجرنا من أجرتي يا أمهانة، فإذا دخل كافر إلى جواري أبقيه، لكن في المقابل أسمعه كلام الله، يا ترى أي كلام الله الذي سأسمعه للكافر؟ قال: فأجره حتى يسمع كلام الله، فما الذي عندي يعد من كلام الله؟ لا شك ولا ريب أنه القرآن، فوصفه الله سبحانه وتعالى بأنه كلامه. قال: حتى يسمع كلام الله، وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أديم النظر في المصحف، والنصوص في ذلك لا تحصى، ومن قال: القرآن أو شيء من القرآن مخلوق، وهذا الذي يقول بأن القرآن مخلوق هم من أهل البدع، فأول من قال بهذا الجهم بن صفوان، قال: بأن القرآن مخلوق، ثم تبعه بعد ذلك المعتزلة. فجهم مثلا يقول: بأن الله سبحانه وتعالى خلق القرآن، أين خلق؟ يقول: خلقه في الهواء، ثم سمع، هذا قول جهمية، المعتزلة أدق، المعتزلة أدق من الجهمية، هم وافقوا المعتزلة، قالوا: نعم القرآن مخلوق، لكن ما نقول بأن الله خلقه هكذا، بل إنما خلقه الله في مواضع تناسبه، فالقرآن مثلا خلقه الله أين؟ خلقه الله في جبريل، خلقه الله في جبريل، فجبريل شعر بأن القرآن فيه، خلقه الله في جبريل، ثم قام جبريل وأنزله على محمد. قالوا: أما كلام الله مع موسى كيف كان؟ أين خلق الله الكلام حينها؟ قال: خلق الله الكلام حينها في الشجرة التي كانت بجوار موسى، فأوجد الله الكلام في الشجرة، وموسى سمع الكلام من الشجرة، فالمعتزلة في باب الخلق أدق، وإلا الكل يتفق بأن القرآن مخلوق. طب ما الذي جعل الضلال هؤلاء يذهبون إلى هذا المذهب الغريب إلى أن القرآن خلقه الله إما في الهواء وإما في جبريل أو خلقه الله في اللوح المحفوظ؟ طب لماذا لا يقولون كقول أهل السنة بأن الله تكلم بالقرآن وأن جبريل سمع القرآن من الله؟ الذي أوقعهم في هذه البلية إخوان في الله، وما يسمى على حد زعمهم التنزيه، قالوا: أننا ننزه الله من الكلام، وماذا في الكلام؟ قالوا: إذا قلنا بأن الله يتكلم إذا شابهنا الله بخلقه، شابهنا الله بخلقه، وحاش لله أن يشابه خلقه. فكل ما كان وظنه لتشبيه الله بخلقه فإن نقطع الأمر فلا نقول بأن الله يتكلم، لا نقول بهذا حتى لا أحد يظن بأن كلام الله ككلام البشر، وهل هذا حق؟ لهذا باطل، وهذا من أبطل الباطل، أولا لأن الله هو الذي أخبر عن نفسه بأنه يتكلم، إذا من لهذا الحق في أن يعقب على كلام الله أو يعقب على حكم الله؟ هذا الذي طباه ربنا لنفسه. فما كان لك وليل غيرك يا عبد الله أن تتنطع، وزد على ذلك أن الله سبحانه وتعالى أخبر بأن صفاته ليس كمثلها نظير، فقال سبحانه: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، فلا أحد بعد ذلك يدعي بأن صفات الله بصفات المخلوق، بل ها نحن عباد الله المخلوقات فيما بيننا البين نقر بأن الكائنات لها سمع وأن الكائنات لها بصر. لكن السؤال هو: هل جميع الكائنات تتشابه في أبصارها وفي أسماعها؟ البهائم تسمع وتبصر، الحشرات تسمع وتبصر، الطيور تسمع وتبصر، الأحياء البحرية من الأسماك تسمع وتبصر، فهذه الكائنات كلها مخلوقة تسمع وتبصر، السؤال هو: هل سمع وبصر الجمل يشبه الأسد يشبه الطير يشبه السمكة يشبه الحشرة؟ لقال القائل: لا، نقول: سبحان الله، إذا كان هذا التفاوت كان بين مخلوقات من خلق الله، وأنت تجد الضرورة على أن بينها فرق، بينها فرق، لا أحد يشبه شيء آخر. يذكرون الآن من الحديث أن الذبابة عندما تنظر تنظر من مئات العدسات، تنظر من مئات العدسات، لها بصر لكن بصر ليس كبصر البشر، ليس كبصر البشر، لها بصر وهو الخاص الذي خلقه الله يلق به، فإذا كان هذا التفاوت في حق المخلوق، الصقر يقولون أن الصقر أو النسر أو ظن الصقر يقولون أن لو كان في الطابق الخمسين هكذا قالوا، العلم عند الله، لو أنه في طابق خمسين، أنظر العلو الشاهد، ووجدت جريدة مفتوحة، لا استطاع أن يقرأها من شدة حدة بصره، من حدة بصر هذا الطائر الجارح. إذن هذه مخلوقات عندها أبصار، لكن بصرها يختلف، فيقول العلماء: إذا كان هذا مما يوجد ضرورة الاختلاف بين المخلوقات، فما ظنك برؤية الله مع رؤية خلقه؟ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهكذا قس يا عبد الله باقي الصفات. فلو أن أهل البدع أعملوا هذه الآية حق الإعمال لما وقعوا في هذا الاضطراب، وزعموا أن صفات الله تشبه بصفات خلقه، وإنما نقول: الله عز وجل يتكلم كيف شاء بما شاء بكلام حقيقي، وأن كلامه يليق بجلاله ويليق بعظمته وقدرته. فإذن ما يدعيه المبتدعة عندما ذهبوا إلى أن القرآن مخلوق هروبا منهم من أن يقول بأن الله يتكلم، فإن هذا ليس بصحيح. قال رحمه الله تعالى: ومن قال القرآن أو شيء من القرآن مخلوق فهو كافر كفرا أكبر يخرجهم من الإسلام بالكلية، ومن اعتقد بأن هذا القرآن الذي بين أيدينا هو مخلوق وليس هذا من كلام الله، هذا كافر، وهذا القول إخوان في الله أجمع عليه العلماء من أهل السنة. وليس هذا من ابتكار الحنابلة كما يقول بعض، بل هذا مما اتفقت عليه الأئمة، نقل عن إمام أحمد، نقل عن إمام الشافعي، نقل عن أبي حنيفة، نقل عن إمام مالك أنهم ذهبوا إلى أن من قال القرآن مخلوق فهو كافر، وهو الزنديق كما قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، قال: من قال القرآن مخلوق فهو زنديق. وقال إمام أحمد: من قال القرآن مخلوق فهو عندنا كافر، وهو عندنا كافر، ولهذا يرون أنه لا يصلى خلفه لا جمعة ولا جماعة، لأنه أتى ببدعة كفرية، أتى ببدعة كفرية، ولا زالت كتب الاعتقاد قديما وحديثا تسطر هذه العقيدة، وهذا كما قلنا فيه إشارة إلى من تساهل إلى هذه الباب، وقال أن مسألة خلق القرآن الناس فيها بالخيار، من قال كذا وإلا قال كذا، لا يا عبد الله، المسألة فيها إسلام وكفر. فمن قال بأن القرآن مخلوق فقد كفر، ولماذا يكفر؟ ما الذي يجعل الذي يقول بأن القرآن مخلوق كافر؟ أوجه كفره من عدة أمور، أولا المصادمة لنص القرآن والسنة، القرآن مليء بأن الله حكى بأن القرآن هو كلامه، فأجره حتى يسمع كلام الله، قال عليه الصلاة والسلام: إن قومي منعوني أن أبلغ كلام الله، وما هو كلام الله الذي منع عنه نبينا بتبليغه هو القرآن. فسمى ربنا كلامه سمى ربنا قرآنه بأنه كلامه، وسمى نبينا كلام قرآن الله بأنه كلامه، فمن رد هذا فهو رمى ذا عين المشاق لله ورسوله، وأيضا من قال بأن القرآن مخلوق فقد رمى بأن الله لا يتكلم، وهذا عين المنقصة وعين المذمة، وهذا والتنقص بعينه في حق الجبار جل فعلا، إذا أن الله لا يتكلم، سبحان الله، أهذا مدح أم هذا ذنب؟ لو قيل لك ولله المثل الأعلى أن فلانا يتكلم وفلان لا يتكلم، من هو الذي له المثل الأعلى الذي يتكلم والذي لا يتكلم وهو أبكم؟ هذا عوار وهذا مرقص في حقه، ولله المثل الأعلى، زد على ذلك إذا قالوا بأن الله لا يتكلم، إذن كيف يأمر؟ كيف ينهى؟ كيف نعلم أن هذا هو أمر الله؟ إذ أن الله ما يتكلم، وأن هذا مما حرمه الله، إذ أن الله لا يتكلم، وهكذا ذكر العلماء أمورا عظيمة إذا اعتقدها من قال بأن القرآن مخلوق فإنما آله الكفر. فإنما آله الكفر، وخاصة في حق من يعلم بخطورة هذه العبارة، قال: وأن قال القرآن أو شيء من القرآن مخلوق فهو كافر كفرا أكبر يخرجه من الإسلام بالكلية، سئل إمام أحمد عن رجل يصلي بالناس وهو شارب للخمر، أيصلى خلفه؟ قال: لا، لا يصلى خلفه فقط، فرجل يقول بأن القرآن مخلوق أن نصلي خلفه؟ قال: سبحان الله، قاله الإمام أحمد، قال: سبحان أنهاك عن عاصي وتسألني عن كافر. يعني شارب الخمر عاصي فلا يصلى خلفه، لا يكون أسوة ولا قدوة، ثم تسألني عن كافر، بمعنى أن الذي يقول بخلق القرآن فقد كفر، وهكذا الإمام الشافعي صرح بهذا، ونقل كذلك عن أبي حنيفة بأن من قال القرآن مخلوق فهو كافر، وهكذا الإمام مالك رمى من قال بخلق القرآن بالزندقة. فهذا مما تواتر عند سلفنا الصالح وأجمع عليه علماء السنة، قال: لأن القرآن كلام الله تعالى منه بدأ وإليه يعود، وكلامه صفته، وكلام الله صفة من صفاته، صفة من صفات الله سبحانه وتعالى، قال: وكلامه صفاته، وصفات الله غير مخلوقة، ومن قال بأن صفات الله مخلوقة فقد كفر، ومن صفات الله كلام الله، ومن كلام الله القرآن. قال: منه بدأ وإليه يعود، وكلامه صفته، ومن قال شيء من صفات الله مخلوق فهو كافر مرتد، هذا إخواني في الله خلاصة هذا المبحث حول ما يتعلق بالقرآن، وسأتي كذلك مساء قريبة من هذا المبحث حول اللفظ بالقرآن وحول التوقف في مسألة القرآن، سيأتي ذكرها في حينها. لكن يهمنا في هذا الباب إخواني في الله أن نعلم بأن القرآن هو من كلام الله، وأن الله تكلم بالقرآن حقيقة بكلام له صوت وبكلام حرف، فالقرآن كلام الله حروفه ومعانيه، فالحروف من الله ومعانيه من الله، لا أنه معاني دون الحروف، ولا أنه الحروف دون المعاني، وأنه لا يقال بأنه مخلوق. ولهذا ما كان السلف يعبرون عنه بأنه غير مخلوق، لأن هذا ما كان موجود أصلا، ما احتيج لهذه العبارة إلا أن أتى الخلف من أمثال الجهمية ومن تابعهم من المعتزلة، اضطر أهل السنة والجماعة إلى إضافة هذه العبارة أن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.