الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 90، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل دليل الإيمان باليوم الآخر وأهميته كأحد أركان الإيمان، حيث استدل المؤلف بآيات قرآنية على وجوب الإيمان به. الإيمان باليوم الآخر شرط من شروط الإيمان والإسلام.
هذا الفصل يبرز ثمرات الإيمان باليوم الآخر، حيث يحث المسلم على طاعة الله والابتعاد عن المعاصي، ويكون مصدر تسلية للمؤمنين في مواجهة مشاكل الدنيا. الإيمان بهذا اليوم مرتبط بالإيمان بالله.
يُسلط هذا الفصل الضوء على أهمية الإيمان باليوم الآخر في التغلب على المصاعب، حيث يجد المسلمون في التسلية بما عند الله في الآخرة الصبر والراحة، ويكشف عن كمال عدل الله في الجزاء.
يختم هذا الفصل الحديث عن الإيمان باليوم الآخر بذكر أهم المسائل المتعلقة به، ويطلب النفع من الله تعالى بما قيل، ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل الإيمان باليوم الآخر؟ وبهذا السؤال يكون المؤلف رحمه الله تعالى أدخلنا إلى ركن من أركان الإيمان، حيث قد مر معنا من أركان الإيمان الإيمان بالله، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب، والإيمان بالرسل، وها نحن في هذا المبحث نشرع في فصل الإيمان باليوم الآخر. وسيذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بهذا المبحث من مسائل ومن تفريعات. فبدأ رحمه الله تعالى بهذا السؤال قال: ما دليل الإيمان باليوم الآخر؟ والمقصود باليوم الآخر هو يوم القيامة، وسمي يوم القيامة باليوم الآخر لأنه آخر الأيام، ويعبر عنه بأنه هو اليوم الذي لا يوم بعده، هو اليوم الذي لا يوم بعده فهو اليوم الآخر. قال مؤلف رحمه الله تعالى: قال الله ﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون﴾، بهذه الآية استدل المؤلف رحمه الله تعالى على أن الذي لا يرجو لقاء الله فلا يؤمن بالساعة ولا يؤمن بالقيامة، فأولئك مأواهم النار، توعدهم ربنا جل وعلا بالعذاب الشديد. وسئل عن معنى ما يتعلق بحكم الإيمان باليوم الآخر، قال: وقال تعالى ﴿إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع﴾، والدين هنا بمعنى الجزاء، الدين بمعنى الجزاء أي أن الجزاء واقع، بمعنى نازل، حيث أن الله سبحانه وتعالى يجازي العباد على أعمالهم، فإن من معاني الدين الجزاء، مالك يوم الدين أي مالك يوم الجزاء، فالدين يطلق على الجزاء والحساب ويكون ذلك في يوم القيامة، فأخبر ربنا سبحانه وتعالى أن هذا اليوم حق وسيأتي لا محالة، وإن الدين لواقع أي نازل. قال: وقال تعالى ﴿إن الساعة لآتية لا ريب فيها﴾ أي لا شك فيها، لا شك فيها بحصولها ووقوعها، قال إلى غير ذلك من الآيات، إذن هذه الآيات إخواني في الله ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى وأشار إلى غيرها، والآيات في هذا الباب كثيرة متكاثرة تدل على أن من شرط الإيمان الإيمان باليوم الآخر. والإيمان باليوم الآخر جعله الشرع الحكيم من أصول الإيمان، جعله شرعنا من أصول الإيمان كما في قوله تعالى ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر﴾، فهي من أصول الإيمان، وجاء كذلك في حديث جبريل الطويل عندما سئل عليه الصلاة والسلام عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر»، وجعل الإيمان باليوم الآخر من أصول الدين ومن أصول الإيمان. وعلى هذا أجمع العلماء قاطبة، وأجمع أهل الإسلام عامة بأن الإيمان باليوم الآخر شرط من شروط الإيمان والإسلام، بل أخبر ربنا سبحانه وتعالى أن من صفات المتقين أنهم يوقنون باليوم الآخر، وهذا في آيات كثيرة، قال سبحانه: ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾، هذا في حق من؟ هذا في حق صفات المتقين. فاستفاد من هذه الآية أن المسلم كلما زاد إيمانه بوقوع اليوم الآخر دل ذلك على كمال إيمانه، إذ أن المتقي هو الذي يتحقق عنده هذا الإيمان، فكلما زاد العبد في إيمانه وتحقق يقين وقوع يوم القيامة دل ذلك على كمال إيمانه وأنه سيصل إلى المرتبة العليا من دين الله ويكون في صفوف ومن سمات أهل التقوى. وأما من كفر وأنكر اليوم الآخر فهو كافر مرتد، إن كان مسلم خرج من الدين وخرج من الملة، لأنه أنكر شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة، أنكر شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة، فمن جحد اليوم الآخر قال: لا أدري أهناك بعث؟ الله لا في شك في هذا، أنكر جحد تردد عن الإيمان بهذا اليوم، لم يظهر التحقيق لهذه المسألة فهو كافر مرتد خرج عن الدين وخرج عن الملة. وهذا اليوم إخواني في الله وهو الإيمان باليوم الآخر ليس فقط يعتبر من المسلمات عند أهل الإسلام، بل هذا يعتبر من المسلمات عند جميع أهل الملل وعند جميع الرسالات، ما من أمة ما من رسالة إلا وكان في أصول شريعتها الإيمان باليوم الآخر، فاليهود وهم اليهود والنصارى كذلك هم يعتقدون باليوم الآخر يؤمنون بهذا. بل يؤمنون بالجنة وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، فاليهود يتمنون على الله جل وعلا على أنهم من أهل الجنة، وهكذا النصارى، بل يؤمنون كذلك بوجود النار، قالت اليهود: لن تمسن النار إلا أياماً معدودة، هذا إقرار عندهم على أن النار موجودة على أن الجنة موجودة وأنه لابد من حساب ولابد من عقاب، فهذا مما تقرر عند أهل الملل وأهل السماوات والرسالة. وهنا مسألة إخواني في الله ويستفادها المسلم ونحن في خضم هذا المبحث، وسنأتي إلى التفريعات، ما هي الثمرة؟ ما هي الثمرة التي يجنيها العبد إذا علم وعرف أن هناك قيامة ستقوم وأن هناك بعث بعد الموت وأن هناك اليوم الآخر؟ ما الذي يستفيده المسلم إخواني في الله من هذه العقيدة؟ الأفكار كثيرة وكثيرة جدا. حتى أن بعض العلماء قالوا: كثيراً ما يأتي ذكر اليوم الآخر مقروناً بالإيمان بالله، كثيراً ما يأتي بهذا وهذا بعد التتبع، يقول علماء أن اليوم الآخر كثيراً ما يقرن مع الإيمان بالله، إذ أن من لوازم الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر لا ينفكان لا ينفكان. وقد استفاد العلماء رحمهم الله تعالى بعض الفوائد التي يجنيها المسلم إذا كان محققاً مؤمناً مذعناً لهذا اليوم العظيم، فمن ذلكم قال علماء: الحرص على طاعة الله، الحرص على طاعة الله في هذه الدار حتى تجد يا عبد الله الثمرة من الجزاء، وهكذا هذا اليوم يا عبد الله يجعلك تبتعد عن المعاصي، فإن من أعظم ما يكون رادعاً عن فعل الذنوب والمعاصي ما تعتقد في ذلك اليوم أنك إن عملت معصية أو ذنباً فإنك تحت وعيد الله سبحانه وتعالى. تجد من ذلك ناراً تلظى، ولهذا من زاجر من العصاة بمثل زاجرهم باعتقادهم بهذا اليوم العظيم، بل وهذا أسلوب القرآن، قال سبحانه: ﴿ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر﴾، هذه عظة وعبرة لمن؟ لمن كان عنده تحقق لليوم الآخر. فالمسلم إخواني في الله إذا آمن بأن هناك يوم آخر يظهر هذا في عمله، يظهر ذلك في عمله، أنك تعمل الأعمال الصالحة عبادات نوافل قربات، علّ وعسى أن الله يؤجرك عليها متى؟ يوم القيامة، كما قال نبينا: «إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يُعطى بها في الدنيا ويُجاز بها في الآخرة»، حسنة تعمل عملاً صالحا يا عبد الله فإن الله يُجازيك بها يوم القيامة، هذا يجعلك تكثر من الأعمال الصالحة. وهكذا يقول يا عبد الله ما يتعلق بالذنوب والمعاصي والمخالفات، وأيضاً أخواناً في الله مما يستفيده المسلم من الإيمان باليوم الآخر كما يقول علماء هو التسلية، تسلية للمسلم لما يفوته من حظه من الدنيا، فانظر يا عبد الله إلى كثير من أهل الإسلام وهي من أكثر الشعوب التي تعيش تحت خط الفقر، يكثر فيهم الوباء يكثر فيهم الأمراض، يكثر فيهم الفقر الشدة في المعيشة والضعف في المؤونة. لكن تجد من الذي يتسل به المسلم إذا هذه البلاء الكفرة الكثير منهم من يلجأ إما يلجأ إلى الحرام واتخاذ الطرق الملتوية حتى يعيش كما يعيش باقي الناس، في أبها أو أنه ينتحر ينتحر، ما يتمالك نفسه لما يجد من ضعف الحياة الدنيوية لديه فيقوم بالانتحار شنقاً قتلاً حرقاً رمياً من فوق الزاهق من فوق شاهق، علّ وعسى أن يرتاح هكذا أهل الكفر. لكن انظر إلى أهل الإسلام كلما ضيقت عليهم الأمور تسلوا بما عند الله سبحانه وتعالى، الصبر يوم القيامة مدخر عند الله سبحانه وتعالى، فهكذا المسلمون ولا زالوا يتسلون بيوم الآخر أن الله يعوضهم عما فاتهم، ونعمة التسلية هي أن المؤمن يسلي نفسه ضاقت عليه الدنيا ضاقت عليه، يتسل أنظر لهذه المرأة الذي جاء في الصحيح عندما قال ابن عباس لعطاء بن أبي رباح ألا أدلك على امرأة من أهل الجنة؟ قال عطاء قلت بلى، فأشار ابن عباس رضي الله تعالى عنه إلى امرأة سوداء. قال: هذه، ثم ذكر من أمرها أنه مصاب بمرض الصرع تصرع، فجاءت فقالها نبينا: «إن شئتي صبرت ولك الجنة وإن شئتي دعوت الله لك»، أنت بالخيار بين أمرين، صبر تصبرين على هذا البلاء على هذا الوباء على هذا الصرع الذي ينتابك بين الفترة والأخرى، صبر على هذا مقابر جنة، وإما دعوت الله لك بالعافية، فما الذي فعلت؟ هنا التسرية قالت: يا رسول الله بل أصبر، بل أصبر على ماذا؟ على هذا الألم والآفات والعاهات والأوجاع والأمراض والصرع، لماذا تتسل بما سيأتيها في الجنة؟ وهكذا المؤمن يا عبد الله قد اعتريك المصاب الشديد في هذه الدنيا، لكن إذا تذكرت ما عند الله من اليوم الآخر وما عنده من حساب وجزاء فإن هذا يهون عليك يا عبد الله ما أنت بصدده من نقص ومن ضعف. كذلك في الإيمان باليوم الآخر يظهر في ذلك كمال كمال استشعار العبد لعبد الله سبحانه وتعالى، استشعار العبد كمال عبد الله سبحانه وتعالى، وهذا من حكم عظيمة في قيامة اليوم الآخر، حتى أن الله يجازي كلا بعمله، أنت في هذه الدنيا تنظر هذا الذي جعل الكفرة يستمرون في كفرهم، يقول الكافر الذي قد جحد اليوم الآخر مثلا يقول: أنا سأعمل صالحا مع هؤلاء كفر من أمثاله. قال: سأعاملهم بالحسنة أعاملهم بالخيرة أو عاملهم بطيب الأقوال والأفعال، ما الذي عندي بعد هذا؟ سأموت وأندثر، ولهذا فهو ما يؤمن نفسه بشيء اسمه بعث، ولأن الله سيجازه على أعماله، وإنما يقول سأفعل ما أفعل سأكون مع الناس أقتل وأسفك وأفعل الفواحش، إذ أنه لا حساب ولا عقاب بعد هذا. لكن من حكمة الله عز وجل أن الله يظهر كمال عدله بيوم القيامة، إذ أن هذه الدار يا عبد الله هي دار عمل لا جزاء، والقيامة ويوم الآخر هو دار جزاء لا عمل، دار جزاء لا عمل، فلو أن فلو أن الناس إخواني في الله يرونه لا قيامة ولا بعث ولا حساب، إذن كل يعمل على ما يشتهيه، كل يعمل بما يشتهيه. لكن لو تفطل الناس إلى أن هناك حساب وعقاب وأن هناك موازين موازين تنصب ويحاسب العباد كل على عمله، قل هذا العمل أو كثر، فحينها يا عبد الله تستشعر بكمال عدل الله سبحانه وتعالى، وأن الله يحاسب كلا بعمله، ما يظلمك ربك شيئا، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وهذا أخواني في الله من كمال عدل الله سبحانه وتعالى. هذا أخواني في الله خلاصة ما يذكر في هذا الباب، مسائل وسأئل إن شاء الله ما يتعلق من مسائل كثيرة متفرعة من الإيمان باليوم الآخر، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.