شرح أعلام السنة المنشورة  122

شرح أعلام السنة المنشورة 122

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 122، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في الإيمان بالقدر

الإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة، ويعني الإيمان بأن الله قضى على العباد ما هم عليه في الأزل. يستدل على ذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.

أثر الإيمان بالقدر في التعامل مع المصائب

يُناقش أهمية الرضا والصبر عند حلول المصائب، ويُشير إلى أن المؤمن يرضى بقضاء الله ويصبر على البلاء. التسخط على قضاء الله من أسوأ الأحوال ويُعتبر من كبائر الذنوب.

وجوب الإيمان بالقضاء والقدر وتأثيره

الإيمان بالقضاء والقدر واجب، ومن لم يؤمن به يعتبر منكرًا لقدرة الله. الإيمان بالقضاء والقدر يهون على المسلم المصائب والفتن، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعيد شديد لمن لم يؤمن به.

تمسك المسلمين بدينهم رغم المصائب

تمسك المسلمين بدينهم رغم المصائب يدل على قوة إيمانهم ورضاهم بقضاء الله. هذا الفهم يجعلهم يرون كل ما يحدث بتقدير الله، ونسأل الله أن ينفعنا بهذا الفهم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف الحافظ الحكمي رحمه الله تعالى: ما دليل الإيمان بالقدر جملة؟ هذا السؤال، إخواني في الله، ينبغي أن نعرف من أين أتى وما هي وجهته. ما دليل الإيمان بالقدر؟ إيراد المؤلف رحمه الله تعالى هذا السؤال إنما هو على ما جرى عليه، وذلك أنه في أوائل الرسالة بدأ أولا بشرح أركان الإسلام، بذكر الشهادتين، ثم الصلاة والزكاة والصيام والحج، ثم عرج بعد ذلك على الإيمان أو أركان الإيمان، فبدأ الإيمان بالله من حيث الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، ثم عرج على الإيمان بالكتب والإيمان بالرسل، ثم كان الإيمان باليوم الآخر، وتناول المؤلف رحمه الله تعالى عدة مسائل متعلقة بالإيمان باليوم الآخر، منها ما يتعلق بعذاب القبر، وما يتعلق بالبعث والنشور والحساب، وما يكون من أهوال القيامة من مسألة الدواوين والموازين والصراط والحوض، ثم تكلم عن مسائل الشفاعة، وبهذا انتهى المؤلف رحمه الله تعالى من الكلام عن الركن الخامس، وهو الإيمان باليوم الآخر، بقي الآن الركن الأخير من أركان الإيمان، ألا وهو الإيمان بالقدر. فهنا وصلنا إلى هذه المرحلة، فالمؤلف رحمه الله تعالى ينطلق من هذا المنطلق، بذكر شرح أركان الإيمان ركنا ركنا، فناسب أن يبدأ المؤلف رحمه الله تعالى أول سؤال متعلق بالإيمان بالقدر، هذا السؤال، فقال رحمه الله تعالى: ما دليل الإيمان بالقدر جملة؟ والإيمان بالقدر، إخواني في الله، هو من أركان الإيمان الستة، والذي لا يتم إيمان الواحد منا إلا إذا آمن بالقدر. قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، وقال تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. وعرف جماع من أهل العلم القدر بأنه هو ما قضى الله به في الأزل، ما قضى الله جل وعلا به في الأزل أن يكون في خلقه. هذا الإيمان بالقدر أن تؤمن أن الله جل وعلا قضى على العباد ما هم عليه، إنما قضاه عليهم في الأزل قبل خلقهم، كما سيأتي في الأدلة، كما جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر بن العاص، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة». إن الله قدر، هذا هو القدر، أن تؤمن أن مقادير الخلق، وأن الله قضاها في الأزل، قضاها في الأزل، تؤمن بهذا، وأن الناس إنما يمشون على ما جرى به القلم. قال وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، ما أصاب من مصيبة، نكر في سياق النفي، فتعم ما من مصيبة تصاب بها يا عبد الله، سواء كان في نفسك أو كان في أهلك أو في مالك وعيالك، من ضيق، من فقر، من شدة، من آفة، من علة، من مرض، إنما ذلك كله بتقدير الله، ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله، هو الذي أذن بها جل وعلا، ولولا إذنه بها لما وقعت، فلا إله إلا هو جل وعلا، لا إله إلا هو جل وعلا، هو المتصرف في الكون، يفعل ما يشاء، وهو على كل شيء قدير جل وعلا. فالمصائب التي تراها يا عبد الله إنما هو التي أذن الله بها سبحانه وتعالى، وما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله، ومن يؤمن بالله يهد قلبه. ثبث عن جماعة من السلف أثر هذا عن بعض الصحابة، وهو مشهور عن عكرمة وعن قتادة، أنهم فسروا هذه الآية، وهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، فيرضى ويسلم. طبقا هذه مرتبة عالية، مرتبة الرضا عالية وعالية جدا، الذي ينبغي على الخلق أمام المصائب أنك تصبر، اصبر يا عبد الله، هذا الذي أنت مأمور به، وهذا واجب، واجب أنك تصبر، عندما مر نبينا على تلك المرأة التي تبكي على صبي مات لها، قال لها نبينا: «اتق الله واصبري»، أمرها بالصبر، وآيات كثيرة يأمر فيها ربنا بالصبر. ما بعد الصبر تأتي مرتبة أعلى، وهي مرتبة الرضا، وهي مرتبة الرضا أنك ترضى، ترضى بهذا، وهذا لا يستطيع عليها الكثير من الخلق، ومن هنا اختلف العلماء: هل مرتبة الرضا على ما يبتليك الله جل وعلا به مرتبة واجبة أم مستحبة؟ على خلاف بين أهل العلم، والصحيح والذي عليه الكثير من أهل العلم، والذي رجحه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، أن مرتبة الرضا مستحبة، مستحبة، ولا يمكن أن يقال بوجوبها لصعوبتها على الأنفس، أن تصاب بمصيبة فترضى بها، هذا ما يتأتي إلا عند الخلص من عباد الله. فقول سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، يؤمن بالله أن يرضى، يرضى ويذعن لحكم الله، ويسلم بقدر الله، فهذا ما جزاؤه يهدي ربنا قلبه، يعطيه ربنا الهداية. وهكذا أحوال الناس، انظر يا عبد الله في حق الذي قد سلم أنفسهم وأحوالهم لله، هم راضون بما يبتليهم الله جل وعلا به، لا يفتأ الحمد يفارق شفاههم، ما يعرفون الجزع ولا الهلع ولا الفزع ولا الخوف، وإنما دائما هم في حمد. وهكذا المؤمن، كما قال عليه الصلاة والسلام: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، فإن أصيب بسراء شكر فكان خيرا له، وإن أصيب بضراء صبر فكان خيرا له». يبتلى بالصبر، يبتلى بالأذى، يبتلى بالفقر، ما له إلا الصبر، يصبر يحتسب الأجر عند الله، هذا نعم العبد، أعظم منه من يرضى، من يرضى عن قدر الله. لربما تجد الحمد دائما، وهذا حال نبينا عليه الصلاة والسلام، كان إذا ناله من ربه ما يسره كان يقول: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات»، وإذا وصله ما هو دون ذلك قال: «الحمد لله على كل حال»، الحمد لله على كل حال، فهو لا زال حامدا ذاكرا شاكرا لربه في السراء والضراء. وهكذا فلتكن يا عبد الله، إذا صرت بمصيبة اعلم أنها بقدر الله، فإن استطعت أنك ترضى وتسلم فذاك، وإلا فاصبر، اصبر يا عبد الله، فإن الله يحب الصابرين. قال وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، هؤلاء هم خيرة خلق الله، أصيب بمصائب، من مرض في نفسه وفي عياله، ربما يبتل هذا الولد فيذهب به للعلاجات إلى المستشفيات، ولا زال به يعالج إلى أن يشفيه الله، إلى أن يشفيه الله، لكن السرعان ما يسقط الثاني، ثم يسقط الثالث، ولا زال بهم من علاج إلى علاج، من علاج تتكالب عليه الابتلاءات بالمرض في نفسه أو في عياله، أو فقر، ضيق، لربما الناس فتح الله عليهم من خزائنه، من خزائن البر، أو من خزائن البحر، وطائفة من الناس أغلقت عليهم الأبواب، ابتلاء من الله، أغلقت عليهم الأبواب، ماذا كان من أمره؟ الصبر، لعلمه أن ذلك بقدر الله، اعلم أن ذلك الله هو الذي قدره، وهو الذي شاءه، وهو الذي أذن به، ولولا إذنه لما صار ما صار، حينها يا عبد الله كان من أمر هؤلاء الصبر، صبروا، فنعم أجر الصابرين. قال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، أهل الهداية، أين هذا من في حق من لم يرتضي، لا مقام الرضا، ولا مقام الصبر، إنما قفز إلى مقام التسخط، وهذا من أسوأ الطبقات وأسوأ الأحوال، أن تتسخط على قضاء الله وقدر، تتبرم، تتبرم، لربما يظهر هذا التذمر في لسانك: إيش وليش ومتى؟ أوه يا رب من عندك يا رب، يظهرها لا التجاء، وإنما يظهرها تسخطا، وكانوا ليس براض عن حكم الله فيه. والناس في هذا الباب أعاجيب، الناس في هذا الباب أعاجيب، ومن عاشر بعض الخلق يرى ذلك، يرى عظيم التسخط منهم، ما يكتفي بحركة اللسان، وإنما يظهر هذا بأفعاله، ومن ذلك شق الجيوب، ولطم الخدود، وهو لقد برئ منهم نبينا عليه الصلاة والسلام، بل ثبت أن الله قد برئ منهم، إن الله قد برئ من الحالقة والصالقة، الذي تحلق شعرها عند المصائب، والذي تشق ثوبها، كما يرى من بعض الناس من قليل الصبر، إذا مات عليهم قريب أو أصيبوا بنكب، لربما خرجوا وقد مزقوا ثيابهم، وضربوا رؤوسهم، ويدعون بالثبور والهلاك، ماذا؟ لا يحبه الله عز وجل، على من تتصخط؟ على فلان وفلان؟ هذا ليس من فعل البشر، هذا من فعل رب البشر، الله هو الذي قدر الموت، الله هو الذي قدر الفناء، الله الذي قدر الأمراض والآفات، كله بتقدير الله، لحكمة، لحكمها، أرادها الله، علمها من علمها، وجهلها من جهلها. فعندما يبتليك الله بهذه المصائب، فتقوم فتتصخط، سل نفسة: تتصخط على من؟ على ربك جل في علا؟ لهذا كان ذلك من كبائر الذنوب، أن الله توعدهم بالنار، كما سيأتي في الأحاديث. قال وغير ذلك من الآيات، والآيات كثيرة جدا، الآيات كثيرة جدا في بيان أن ما من شيء يقع في حياة الناس، وفي حياة الخلق خاصة، وما يقع في ملكوت الله جل في علا، إلا بإذنه، من مصائب ومن معايب، كل ذلك بإذن الله سبحانه وتعالى. قال وتقدم في حديث جبريل: «وتؤمن بالقدر خيره وشره»، ينبغي أن تؤمن، تؤمن بالقدر، بأن كل شيء من عند الله، ليس فقط يا عبد الله في باب البحبوحة والنعمة والسراء، تبش وتهش لربك، وما شاء الله، الحمد لله، ولازل تمدح ربك عز وجل، لأن الله قدر لك الخير، وإذا أصيب على خلاف ذلك، لربما تبرمت وتضجرت، لا، اعلم أن تؤمن أن القدر من الله في خيره وشره. وما هو الخير؟ قال العلماء: الخير هو ما يلائم طبيعة الإنسان، الخير هو ما يلائم طبيعة الإنسان، والشر هو الذي لا يلائم طبيعة الإنسان، الشر المقصود أن تؤمن بالقدر خيره وشره، الشر هنا هو الذي لا يلائم طبيعة الإنسان، لأن الإنسان يعتبره شر، ما الذي ما يلائم طبيعته؟ ما يلائم طبيعة الإنسان المرض، ما يلائم طبيعة الإنسان الأحزان، ما لا يلائم طبيعة الإنسان المصائب والمعايب، ما لا يلائم طبيعة الإنسان الضيق والشدة، هذا شر بالنسبة إليك، إذن تصبر، تؤمن أن هذا بقدر الله، وقدره سبحانه وتعالى. قال وكما قلنا، وهذا الأمر واجب، ولها ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار»، أحرقه الله بالنار، رواه الآجر في الشريعة، وابن أبي عاصم في السنة، وحسنه شيخ الألباني رحمه الله تعالى، من حديث عبادة، قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار»، لأنك يا عبد الله منكر لقدرة الرب سبحانه وتعالى، منكر لقدرة الرب سبحانه وتعالى. وقال عليه الصلاة والسلام: «واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك»، فقدر الله يدور بعلمه سبحانه وتعالى، ليس هناك شيء اسمه عشواء، ليس هناك شيء اسمه خبط عشواء، أو أن الأمور تسير هكذا سبهللا، لا يا عبد الله، هذا كله بتقدير الله. بعض الناس لربما ينظر في صحراء بعيدة قاحلة، ويرى فوقها سحاب، تنطر على هذه الأرض القاحلة، يقول: إيش هذا؟ وإيش جاب هذا عند هذا؟ لا يا عبد الله، لحكمة ما، أوصل الله هذه السماء لكي تنطر في هذه الأرض القاحلة، إلا لشيء، لسبب، فأفعال الله كلها تدور على الحكمة، وهو الحكيم جل في علا، وهو الحكيم في أفعاله. فما يقدره ربنا عز وجل لا تظن يا عبد الله أنها بعيدة عن علم الله، بل بعلم الله، فاعلم أن ما أصابك ما كان يخطئك، ما تظن أن الله أراد بهذا فلان فجاء فيك، فلحاشا، بل أراده الله فيك، فيك، ولا تظن أن الذي قدره الله في فلان كان ينبغي أن يكون هو الأصل فيك، لا، أراده الله لفلان، ما أراد الله فيك. واعلم أن ما أصابك لم يكن يخطئك، وما أخطأك ما كان يصيبه، هذا من تمام الإيمان بقدر الله سبحانه وتعالى. قال وقال عليه الصلاة والسلام: «وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل»، رواه مسلم، حديث أبي هريرة. قال وقال عليه الصلاة والسلام: «كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس»، كل شيء، كل من أقوى صيغ العموم، ما من شيء إلا وهو يجري بقدر الله، الذي قدره الله في الأزل، قال نبينا: حتى العجز والكيس، ما معنى العجز؟ العجز هو عدم القدرة، ومنه العاجز، فلان عاجز، ما عنده قدرة، ما عنده قدرة، وهنا المقصود بالعجز ما هو؟ على قولين، قيل العجز في باب الطاعات، وقيل العجز في أمور الدنيا والآخرة، عجزك، سواء كان في باب الطاعة، أو عجزك في أمور دنياك وأخراك، هذا بقدر الله، ذلك بقدر الله. قال والكيس، والكيس ضد العجز، والكيس هنا بمعنى النشاط والحذق، فهذا معنى الكيس ها هنا، فالتعلم أن ما عليه نشاطك وإقبالك على الذي ينفعك، سواء في أمور دينك أو دنياك، اعلم أن ذلك بقدر الله سبحانه وتعالى. عباد الله، وسأتي معنا والمؤلف قد أفاض واستفاض في ذكر المسائل متعلقة بالقضاء والقدر، وسأتي معنا المسائل الكثيرة في هذا الباب، ويهمنا يا عبد الله أن نعلم أن الإيمان بالقضاء والقدر من أركان الإيمان الذي يجب أن نؤمن بها، ويتفرع من ذلك أن تؤمن بالقدر خيره وشره. واعلم يا عبد الله أن ما من عبد تمسك بهذا الباب إلا فرج الله عنه الكثير، ولهذا ما تسل المسلمون إزاء الفتن والمصائب بمثل التمسك بالقضاء والقدر، مثل تمسكهم بالقضاء والقدر، كما قال ربنا سبحانه وتعالى في حق المؤمنين إذا ابتلاهم الله بالمصائب، في قوله سبحانه وتعالى في تلكم الآية التي تعتبر من أعظم الآيات التي يتمسك بها أهل الإيمان، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾، هذه الآية، إخواني في الله، متى ما رددها العبد المؤمن واعتقد بما فيها هانت عليه المصائب. قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هو مولانا، فتؤمن ويكون هذا ديدنك يا عبد الله في مآزقك وفي مشاكلك، فتجد أن الله يهون عليك من مصائبك. ويذكر كما أذكر في حال بعض المستشرقين عندما كانوا في رحلاتهم الغربية في بلاد الإسلام، فيذكر أحد الرحالة وهو كافر، يكذب مذكراته، فكان من أعظم ما استوقفه من حال أهل الإسلام موضوع التمسك بالقضاء والقدر، فيذكر هذا المستشرق في مذكراته أنه كان في رحلة مع ناس أضحى بوادي، ومعهم من العير، ومعهم الأكل والطبخ وأدواتهم، فبينما هم في الطريق، إجاءت بعاصفة فأخذت ما أخذت، قال: فأنظر في الناس، فإذا بأميرهم وسيدهم يقولوا: «قم، قموا، قموا، الحمد لله، قموا ومضوا»، قال: وما تخطوا، وما لأنه يقيس على أحوال أصحابه، هؤلاء لو صار الذي عند الكفار ما صار، لو ربما انتحروا، لو ربما بكوا، لو ما تحركوا، لكن المسلم لشدة اعتناقه بأن كل شيء بقدر الله تهون عليه المصائب، وكأن شيء ما صار. فذكر هذا المستشرق أن هذا ممن أعجب ما رأاه في بلاد الإسلام والمسلمين، شدة تمسكهم، وأنهم يهونون ما يمر عليهم من مصائب، بأن كل ذلك بتقدير الله. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.