الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 83، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش أهمية الكف عن الخوض في الفتن بين الصحابة وإحسان الظن بهم، مع التأكيد على عدالتهم واجتهادهم في أفعالهم. يُشدد على أن الطعن فيهم أو سبهم من الأمور المنهي عنها.
يتناول اختلاف علي ومعاوية في التعامل مع قتلة عثمان، حيث كان الخلاف اجتهادياً في الأولويات وليس في الخلافة. يُظهر أن الصحابة اجتهدوا في أفعالهم ولم يصدر منهم إلا الخير.
ينصح بالاعتماد على الروايات الصحيحة والكتب المعتمدة في دراسة السيرة النبوية، ويحذر من الاعتماد على كتب الوضاعين والقصص والسمر لتجنب الأخطاء والمعلومات غير الدقيقة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال والكف عن حرب علي ومعاوية وعائشة وطلحة والزبير رحمهم الله أجمعين ومن كان معهم، ولا تخاصم فيهم، وكل أمرهم إلى الله تبارك وتعالى، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم وذكر أصحابي وأصحاري وأختاني»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك وتعالى نظر إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم». هذه الفقرة، إخواني في الله، النظر فيها يرى أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر ما تعلق وما شجر بين أصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام، وهي الوقائع المشهورة بمعركة صفين ووقعة الجمل، وما وقع بين أصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام، فلخص هذه المسألة وتلك الحروب والمقتلة التي وقعت بين أصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام، وقال بقوله: «والكف عن حرب علي ومعاوية وعائشة وطلحة والزبير رحمهم الله أجمعين ومن كان معهم، ولا تخاصم فيهم، وكل أمرهم إلى الله تبارك وتعالى». إخواني في الله، لهذه المسألة الحساسة التي للأسف دخل الكثير من الناس، لا أقول من عوامهم بل بعض من ينتسب إلى الفكر وينتسب إلى العلم من أهل الكتابات والكتاب، دخلوا في هذا الباب ولم يحسنوا الدخول فيه، فهنا إخواني في الله من باب اللزوم علينا أن نتفقد ونتفقه لقواعد ينبغي أن تكون في نصب أعيننا إذا أردنا أن نخوض في مثل هذه المسائل، وهي المسائل التي وقعت بين أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. فمن هذه القواعد العامة، إخواني في الله، ينبغي أولا أن يعترف الجميع بعدالة الصحابة، وأن الصحابة كلهم عدول، والقرآن والسنة وإجماع الأمة قد استقر على هذا المذهب وعلى هذا المعتقد. وللدلالة على ذلك من القرآن كثيرة، كما في قوله تعالى: ﴿لا يستوي من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى﴾، أي الذي أنفق من قبل الفتح والذي أنفق من بعد الفتح، فالصحابة كلهم وعدهم الله الحسنى. قال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس قرني، خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أنا أتى أصحاب ما توعد، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون». بل نهى نبينا عن الطعن فيهم والغمز فيهم، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي». «هم ليسوا محل للسخرية أو التهكم أو السب، بل ثبت كذلك في بعض كتب السنة: «من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». فبهذا نعلم، إخواني في الله، وبيّض أجمع العلماء، كما صرح بذلك ابن عبدالبر، وهكذا الحاكم ابن حجر، وابن كثير، وابن صلاح، وجماعة من أهل العلم، اتفقوا على أن الصحابة كلهم عدول. فإذا استقر هذا، يا عبدالله، في ذهنك واستقر في قلبك على أن الصحابة لهم هذه المنزلة المرضية عند الله وعند رسوله وعند الأمة، فليأت بعد ذلك آت ويغمز في ذا ويطعن في ذاك، فضلا على أن يرفع السلاح عليهم كما فعلت الخوارج، أخذهم الله، أنهم رفعوا السلاح على أصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام. فمن رفع السلاح فهذا في ضلال، ومن مد عليهم اللسان كذلك هو في ضلال. فينبغي، يا عبدالله، أن نستشعر بهذه القاعدة العامة التي ينبغي أن تكون تزرع في قلوب الصغار والكبار، على أن الصحابة كلهم عدول، ولا يجوز لأحد بحال من الأحوال أن يرفع عليهم السلاح أو أن يستسيغ هذا الفعل، أو كذلك أن يمد عليهم لسانا كما فعلت الخوارج وكما تفعل الروافض وكما عليه كثير أو جماعات من المعتزلة، أن مد ألسنتهم على أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. فلا يجوز أبدا، يا عبدالله، وإنما الصحابة حقهم أن تترحم عليهم وأن تترضى عنهم، رضي الله عنهم كما ترضى عنهم ربنا جل في علاه. القاعدة الثانية، إخواني في الله، في مثل هذه المسائل التي ينبغي أن تتخذ، فأنت القاعدة الأولى أنك إذا دخلت في هذه المسائل تكون هذه القاعدة في ذهنك، أنهم كلهم عدول، أنهم كلهم عدول، فلا تطعن في هذا ولا تطعن في ذاك. الأمر الثاني كذلك، أنك عليك أن تحسن الظن بهم، أن تحسن الظن بهم. إن كان إحسان الظن من الأخلاق العظيمة التي ينبغي أن يتخلق بها المسلم مع عامة المسلمين، عامة المسلمين ينبغي أن تعاملهم على محاسن الأخلاق، وذلك بأن تحسن الظن بهم. فلا تسوغ الزريّة في أحد من المسلمين، هذا الأصل. فإن كان هذا حكم عام في جميع المسلمين، فكيف بأصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام؟ لا شك ولا ريب أنهم أولى وأولى وأجدر وأحق أن يحسن بهم الظن في كل مقام. فلا تسوّن نفسك، يا عبدالله، على أنك تفسر شيئا مما وقع ومما صدر منهم، أنك تحمل على المحامل السيئة. وهناك قواعد كثيرة، وليس هذا مقام ذكرها، أن العلماء من سلافنا الصالح سطروا في كتب الاعتقاد، كما فعل ذلك أبو زيد القيرواني، وهكذا أبو الحسن الأشعري في رسالته لأهل الثغر، وجماعات من أئمة السنة، سطروا أن من اعتقادات أهل السنة والجماعة أنهم يحملون ما عليه الصحابة على أحسن الوجوه. يجب أنك تحمل ما يقع منهم تحمله على أحسن الوجوه. فمثاله ما صدر من الصحابة من القتال، وهذا قد ينقطع في كثير من الناس عندما تصله الأخبار والأنباء أن ذا رفع السلاح على ذا، وأن ذا قتل ذا، كيف يقع؟ فعليك، يا عبدالله، أن تحسن الظن، ومن أعظم إحسان الظن أنك تعلم أن الذي وقع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما أراد منه إلا الخير، ما أراد منه إلا الخير، وأن الذي صدر منهم كان اجتهادا، كان اجتهادا، ما كان تشفيا، ما كان إخراج الضغائن في نفوسهم، حاشهم من ذلك، ترفعوا وزكاهم الله عن هذه المسائل. لكنهم إنما دخلوا فيما دخلوا به إنما كان ذلك اجتهادا. فمثاله ما وقع بين علي رضي الله تعالى عنه وبين معاوية رضي الله تعالى عنه، إنما كان اختلاف الأولويات، مسائل طويلة، لكن ينبغي أن نعرف مصدر هذه الفتنة التي وقعت، ما كان من مقتلة عثمان رضي الله تعالى عنه. عثمان حصر وحوصر في داره، فقام أولئك القتلة من المجرمين وتسلقوا على داره فقتلوا عثمان، هؤلاء القتلة جنحوا إلى صف علي رضي الله تعالى عنه، جنحوا إلى صف علي رضي الله تعالى عنه، فأحتموا بين صفوفه، هنا عثمان قتل هدرا، فقام معاوية ورضي الله تعالى عنه ورأى أنه من الواجب أن ينتقم لعثمان وأن يأخذ بثأر عثمان، لماذا؟ لأنه من أقرب الناس إليه، وقد قال ربنا جل وعلا: ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسر في القتل إنه كان منصورا﴾. فاحتج من احتج مع معاوية على أنه لهم الحق في القصاص، لأن معاوية أصبح ولي من أولياء عثمان، فأراد يطالب بالقصاص. وطالب علي أن يؤتى إليه بالقتلة الذين هم قد تمكنوا واستمكنوا في بلاده وفي صف علي. علي رضي الله تعالى عنه يرى أن الوقت الآن ليس مناسبا، ليس ملائما لتسليم قتلة عثمان لك يا معاوية، قتلة عثمان رؤوس، ليسوا أفرادا، ليسوا عواما والأشباه عوام، رؤوس لهم عشائر لهم قبائل لهم نفوذ، فيرى علي أن التسليم القتلة في هذا الزمان أنهم سيستعصون عليه ويثيرون فتنة، هنا فتنة خارجية وتلك فتنة داخلية. فرأى علي أن من الحكمة ومن الفقه أن تؤخر هذه المسألة، وأن الأمور ينبغي أن الجهود توحد إلى تنظيم صف المسلمين، كما فعل الصحابة في الأمر الأول، مات نبينا عليه الصلاة والسلام، بعد موته اجتمعت جهود الصحابة على نصب خليفة، لابد خلافة تستمر، تستقر بها تصفى الأمور. فرأى علي أن هذه الأولوية الأولية، بايع يا معاوية وادخل من معك من عسكر الشام إلي، وبعد ذلك سنتفاوض حول القتلة. معاوية يرى لا، يرى العكس، أنك تسلم القتلة وأنا سأبايع علي، يرى العكس أنك بايع ثم سأسلم القتلة، نتفاوض عن القتلة. فما ترون، يا عباد الله؟ هل ترى أن معاوية نازع علي في الخلافة؟ حاشا، ما حيق بهذا، فلا نقول، الظن أن معاوية أراد أن ينازع عليا بالخلافة، فليس هناك خلافة أصلا، وليس هناك معاوية طالب بالخلافة، وما نازع علي في الخلافة، وإنما كان الخلاف في هذه المسألة، وهي من اختلاف الأولويات. يرى معاوية أن الأولى الآن أن تسلم القتلة حتى لا يستعصي أمرهم على أحد، ولا يذهب دم عثمان الخليفة الراشد هدرا، وأن وجود هؤلاء قد يؤدي إلى الفتن. ويرى علي لا، أن القتلة يؤخرون حالهم، لأن إخراجهم من صف علي سيأتي لي بمزيد مشاكل وتزعزع الأمن في بلاده، وهذا أنال الخليفة، وأرى المصلحة في ترك هؤلاء. فكما ترون، إخواني في الله، من تمعنا في هذا، وتحسن الظن، فليس هناك نزاع على خلافة، وليس هناك انتقام لأحد، وإنما كانت اختلافا في الأولويات، فهي مسألة اجتهادية محضة، اجتهادية محضة. فلا تذهب النفوس ولا تذهب العقول كما يذهب الكثير من الكتاب من روافض ومن دار خلف سلك الروافض، على أن عليا هضم، وأن عليا قد ظلم من قبل الصحابة، وأنه نازعوا في خلافته، لا، يا عبدالله، ما أحد طالب حتى أصحاب الجمل، أصحاب الجمل عائشة رضي الله تعالى عنها وطلحة والزبير، ما خرجوا لعلي منازع لخلافته، بل هم أرشدوا الناس إلى علي، هم أنفسهم أرشدوا الناس إلى علي، وإنما أرادوا نفس المطلب، أرادوا تسليم قتلة عثمان. فكان أمر الصحابة رضي الله تعالى عنهم يحمل على المحمل الحسن، ما أرادوا انتقاما، ما أرادوا سفك الدماء، بل أرادوا الإصلاح، وأرادوا من الإصلاح في إقامة حد الله جل وعلا في أرضه، على هذا كان طبعا صواب في هذه المسألة، كما يقول العلماء: علي رضي الله تعالى عنه فهو الخليفة وهو أدرى بمصالح البلاد وأدرى بمصالح العباد، وكانت الأمور بيده، وأن تأخير القتلة مما ينتفع به الأمة، فلا بأس أن تؤخر قضايا مقابل قضايا كلية ينبغي أن يستقر بها نظم البلاد والعباد. القاعدة الثالثة، إخواني في الله، مما ينبغي أن يأخذه المسلم إذا نظر فيما دب بين الصحابة، أنك عليك، يا عبدالله، أن تكف عما شجر بينهم، لا تخوض، لا تخوض، ولا تتوسع في الكلام عليهم، ولهذا جعلت هذه المسألة من صميم اعتقاد أهل السنة والجماعة. والسنة دلت على ذلك، ما في قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا». ذكر لك شيئا من الصحابة، كيف تقول: عائشة قاتلت مع علي، وكيف طلحة والزبير قاتلوا بعضهم بعضا؟ تقول: الأخيار، كف، كف، هذه مسألة اجتهادية خاضوا بها، فما في داعي أن ندخل فيها، هذا فعل هذا، وهذا لما فعل هذا، وكيف رفع السلاح على هذا؟ فلا. القاعدة الرابعة في هذا الباب، إخواني في الله، في حق من أراد أن يتكلم فيما وقع من الصحابة، أنك، يا عبدالله، لا تتكل في مثل هذه المقامات على المصادر المشبوهة والمصادر الضعيفة والمبوءة. فينبغي لمن أراد أن يخوض في مثل هذا الباب، أنه يعتمد على الروايات الصحيحة وعلى الكتب المعتمدة، كتاريخ الطبري، البداية والنهاية، كتب السنة، روايات الصحيحة في كتب السيرة، في البخاري، وفي مسلم، والإمام أحمد، يرجع عليها. أما أن تأتي على كتب الوضاعين والقصص والسمر، لا، يا عبدالله، فلا تتكئ عليها. ومن خاض في هذا الباب وكان اعتماده على مثل هذه المسائل، فإخواني فيه. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.