الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 101، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
نقل الإمام البربهاري عن عبد الله بن المبارك تحذيرًا من الأخذ بأقوال أهل البدع في بعض الأقاليم، مثل أهل الكوفة في الرفض وأهل الشام في الخروج. يُبين أسباب تخصيص هذه الأقاليم بهذه البدع.
يُنبه إلى انتشار الأقوال الشاذة في مختلف المناطق مثل خراسان ومكة والمدينة، ويشير إلى أهمية تحذير أهل السنة والجماعة منها. يُوضح أن هذه الظاهرة موجودة حتى في العصر الحالي.
يُنبه على خطورة تتبع الرخص في الدين واتخاذها كمنهج، ويحذر من جمع آراء مختلفة لتبرير أفعال مخالفة للصواب. يشدد على أهمية الاعتماد على الدليل الصحيح في الدين.
المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مع التأكيد على علم الله تعالى المطلع.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال إمام البربهاري رحمه الله تعالى: قال عبد الله بن المبارك: لا تأخذوا عن أهل الكوفة في الرفض شيئًا، ولا عن أهل الشام في السيف شيئًا، ولا عن أهل البصرة في القدر شيئًا، ولا عن أهل خراسان في الإرجاء شيئًا، ولا عن أهل مكة في الصرف، ولا عن أهل المدينة في الغناء، لا تأخذوا عنهم في هذه الأشياء شيئًا. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه المسألة، وهي في ذكر بعض الأقوال والعبارات التي ظهرت في بعض النواحي من بلاد الإسلام، وأشار إلى بعض هذه الأقوال لبعض هذه الأقاليم. فقال رحمه الله تعالى، ونقل ذلك عن عبد الله بن المبارك رحمه الله: قال لا تأخذوا عن أهل الكوفة في الرفض شيئًا. والسر في تخصيص أهل الكوفة بهذا لأن الكوفة كانت هي منشأ الشيعة، فشيعة علي رضي الله تعالى عنهم نشأوا وظهروا في أرض الكوفة، ومن ثم نشأ ذلك المذهب، إما كان بداية على اعتدال ثم طرأ وظهر فيه الغلو، فكان كثرة في تلك النواحي وفي تلك الأنحاء ظهر منهم التنقص والطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ولا عن أهل الشام في السيف شيئًا، هذه العبارة فيما يتعلق بالقتال والخروج. هنا عين وصرح بأهل الشام، وهنا الشراح استشكل مثل هذه العبارة، ما الذي عناه المؤلف رحمه الله تعالى بالسيف؟ هل أراد بذلك ما كان من الخروج على علي بن أبي طالب؟ فما كان ذلك يعد خروجا على القول الصحيح من قول العلماء. قال ولا عن أهل البصرة في القدر شيئًا، أهل البصرة لا يأخذ عنهم في مسائل القدر، لأن الاعتزال كمذهب نشأ في البصرة، فأنى يأتيك الحق منهم؟ فستجد هناك المغالطة والبدعة فاشية، والأقوال المجانبة للصواب في باب القضاء والقدر. قال ولا عن أهل خراسان في الإرجاء شيئًا، أهل خراسان كذلك لا تأخذ عنهم شيئًا، لأن الإرجاء بل أعظم صور الإرجاء ظهر في تلك النواحي عن طريق جهم بن صفوان وغيره ممن بثوا وأظهروا مذهب المرجئة في الأمة. قال ولا عن أهل مكة في الصرف، وقصد بالصرف هنا رحمه الله تعالى أي ما يتعلق بإبدال النقد بنقد آخر من جنسه. وهذا كأن المؤلف أو كأن ابن المبارك رحمه الله تعالى يشير إلى مذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنه، ابن عباس ومفتي مكة، ونقل عن ابن عباس رحمه الله تعالى أنه كان يقول بجواز ربا الفضل. قال ولا عن أهل المدينة في الغناء، لأن الغناء في المدينة قد كثر وكثر من يبيحه ومن يجيزه من أهل المدينة، حتى فشى ذلك، بل حتى إمام مالك رحمه الله تعالى كان يقول: إنما يبيحه عندنا الفساق. إذن هي أقوال طرأت وظهرت وفشت وهي على خلاف الصواب، فالوجود مظنة مجانبة الصواب في أهل هذه القرى. فهذه الأشياء بعينها لا تأخذ عنها. وهذا موجود حتى في أزماننا، فربما تأتي فتوى فيأخذها أهل بلد معين فيعمل بها ويتكاثر عليها حتى تكون هي الحق الذي لا غبار عليه. التحذير من الأقوال الشاذة، نعم لأهل السنة والجماعة مساع مشكورة في تحذير الأمة من الكفر ومن الشرك ومن البدع، لكن هل اقتصر حكمهم على هذه المسائل فقط؟ لا، بل كان من صنيع أهل السنة والجماعة في حماية الدين وفي حماية المجتمعات أنهم كما نافحوا ودافعوا وردوا البدع والكفر والشرك، كذلك ردوا عن الأمة هذه الأقوال الشاذة. من طريقة أهل السنة والجماعة التحذير من الأقوال الشاذة، وهذه الأقوال موجودة، أقوال شاذة نبه العلماء على التحذير منها، وذلك حتى لا يظن الظان أن ذلك محسوب على دين الله. فإذا وجدت أمة أو دولة أو إقليم بأكمله قد تبنى هذه المسألة، إذن هذا من الحق، لا، فهنا أراد العلماء أن يبينوا أن هذه مسألة شاذة، ولو وجد من وجدها، ولو بكثرة تمالأوا على فعل هذا، العقيدة وهذه الشعيرة لكن على خلاف الصواب. التحذير من تتبع الرخص، قول العبارة للعلماء القدماء: من تتبع الرخص فقد تزندق. فما ظنك أن يأتي رجل فيأخذ قول أهل الرفض ويأخذ بحجة أن ذلك من دين الله، ويأخذ بقول في السيف ويأخذ بقول القدر ويأخذ بقول إرجاء، ويأخذ رخص من كل مكان ويسوق أن ذلك من دين الله جل وعلا؟ هل هذا يجوز شرعًا؟ لهذا لا يجوز، بل هذا من أضل الناس. قال ابن عيينة رحمه الله تعالى: من أخذ من أهل الكوفة بالنبيذ وبقول أهل مكة في الصرف وبقول أهل المدينة في الغناء فقد جمع الشر كله. يعني أن أحد الناس يبحث عن رخص، يبحث يعلم أن بعض فضلاء أهل المدينة أباح الغناء، يقول خلاص هذه فتوى رجل أخذها، ثم يذهب إلى الشام ويذهب إلى هنالك، يذهب إلى أهل الكوفة يرى أنه أجاز النبيذ وينتهي إلى السكر، يقول هذه فتوى أمة سأخذها. الواجب على المسلم أنه يأخذ في دين الله ما صح به الدليل، لا ما مالت إليه نفسه. يأخذ بما صح به الدليل. وذكر الذهبي رحمه الله تعالى في السير في قصة القاضي إسماعيل أنه دخل على بعض ولاة العباسية والمعتضد يحكي هذا الإسماعيل هذا القاضي، دخل على المعتضد فإذا بالمعتضد يعطي هذا القاضي كتابًا مصنفًا، فيقول هذا القاضي فتمعنت فيه فإذا به أن هذا المؤلف قد جمع فيه زلل العلماء. العلماء هم علماء من البشر، يقع منهم أقوال شاذة، تقع منهم آراء مخالفة، يقع منهم ما هو مجانب للصواب. طبعًا يعذرون في بعض الأشياء التي وقعوا فيها، هذا الخطأ موجود، لكن ما يتعلق بتصحيح الأخطاء لا يكن بإسقاطهم، وإنما يبين خطأه، ويبقى كل عالم على مكانته، مع تبيين الخطأ الذي فيه، هذا هو القول الوسط. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.