شرح السنة للإمام البربهاري 146

شرح السنة للإمام البربهاري 146

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 146، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير السلف من تعظيم أهل البدع

يتناول هذا الفصل خطورة تعظيم أصحاب البدع وتأثير ذلك على الإسلام، حيث يرى الفضيل بن عياض أن تعظيم صاحب البدعة يعد إعانة على هدم الإسلام. يُوضح أن التعظيم ليس مجرد محبة بل هو زيادة في المحبة والغلو.

ضوابط التعامل مع أهل البدع

ينصح هذا الفصل بإتباع نهج السلف الصالح في التعامل مع أهل البدع، حيث يحذر من إكرامهم ومخالطتهم وتزويجهم إذا كانت بدعتهم مكفرة، مشددًا على أهمية التمييز بين المبتدع المكفر وغير المكفر.

فتاوى العلماء في تزويج المبتدع

يتناول هذا الفصل آراء العلماء في حكم تزويج المبتدع، حيث يفرق بين المبتدع المكفر وغير المكفر، مشيرًا إلى آراء بعض العلماء بعدم جواز التزويج للمبتدع المكفر أو غير المكفر، بينما يرى آخرون جواز التزويج مع الكراهة الشديدة للمبتدع غير المكفر.

ختام الدرس والدعاء للاستفادة

يحذر هذا الفصل من أن الإثم ليس فقط على صاحبه بل يتجاوزه إلى أهله، ثم ينتهي بالدعاء للاستفادة من الدرس وتعظيم الله تعالى.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال الفضيل بن عياض: من عظم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام، ومن تبسم في وجه مبتدع فقد استخف بما أنزل الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم، ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها، ومن تبع جنازة مبتدع لم يزل في سخط الله حتى يرجع. في هذه الفقرة، أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الأثر المروي عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى، وقد تناول عدة مسائل. في أولها، قال رحمه الله: من عظم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام. وهذا ظاهر؛ لأن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، فمن يهدم السنة ففي الحقيقة يهدم الإسلام، ولا شك ولا ريب في ذلك. من تأمل وتتبع أحوال المبتدعة، فإنهم ساهموا في تطويق الدين، وفي المضر على الشريعة، وفي التعدي على دين الله عز وجل، فساهموا أيما مساهمة مع أعداء الدين في محاربة شريعة الله عز وجل بالتعدي والتحريف والتأويل والتعطيل لكثير من أحكامه، والذهاب بجمال شريعته. قول المؤلف رحمه الله تعالى: من عظم صاحب بدعة، التعظيم ليس فقط محبة، بل زيادة في المحبة وزيادة في الغلو وفي الحفاوة والكرامة. من عظم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام؛ لأن بحفاوتك وبترحيبك للمبتدعة يا عبد الله، كأنه فيه تأييد لما هم عليه من مذهب أو من منهج، وهذا مما يشد في عضدهم في أن يستمروا فيما هم عليه من باطل. تعظيم المبتدعة هو الذي يمهد لهم الطريق، بل لا أقول يمهد، بل هو الذي يدفعهم دفعًا إلى المضي على ما هم عليه من باطل. ولهذا لما تفطن أهل السنة لهذا الباب، ومن علمهم لمقاصد الشريعة، عاملوا المبتدعة على خلاف ما أرادوا، جعلوهم الهوان وجعلوهم المذلة، ولم يعطوهم حقهم؛ ليس لهم حق، بل لم يعطوهم شيء من المحبة والإعظام، وإنما أهانوهم في مجتمعاتهم حتى يعرفوا قدر أنفسهم، ويعلم أن ما هم عليه ليس بخير، وإنما هو شر. ويقول: إلى شر. ومن هنا نعلم فائدة أن ليس يا عبد الله ليس من اللازم أن تكون عونًا للمبتدعة في أنك تكون معهم وتأخذ معولًا من المعاول تهدم معهم؛ لا، ليس هذا باللازم. بل ربما، ولو أنت في بيتك، ولو لم تعتنق شيء من بدعتهم، فإنك ستعين على هدم الدين إذا ظهر لك شيء من المحبة والتعظيم، ولو لم تعمل شيئًا، فقط التعظيم، وأنك تكون لهم الاحترام والتوقير، هذا مما يساهم على هدم الدين. والواجب إخواني في الله أن نلتزم بما التزمه السلف الصالح، وهو أنك لا تجعل لهم حفاوة ولا كرامة، خاصة بعد معرفتك عنهم بأنهم قوم إنما نصبوا أنفسهم أن يكونوا أعداءً لدين الله عز وجل، وأعداءً للشريعة وأعداءً للسنة، وأمرهم لا يخفى على أحد. قال رحمه الله تعالى: من عظم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام، ومن تبسم في وجه مبتدع فقد استخف بما أنزل الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا واضح؛ فتأتي عند مبتدع وأنت تعلم أن هذا المبتدع ما سمي مبتدعًا إلا لإحداثه وابتداعه، وأن يديه قد تلطخت بالتعدي على سنة الرسول عليه الصلاة والسلام. تأتيه بالآثار يرمي بها، يأتيه بالأحاديث يستهزئ بها، تأتيه الأخبار عن رسول الله فيؤولها ويعطلها، ثم يأتي بأفكاره ويأتي بآرائه ويأتي بأهوائه ويجعلها الحاكمة والمشرعة من أقوال ومن أعمال. فهذا الرجل بهذه المثابة، ثم تأتي أنت بكل بساطة تبتسم في وجهه وتضحك له وتلاطفه، ماذا معنى؟ معنى أن الذي فعله في جناب السنة ليس بشيء، هذا الذي فعله أمام السنة ليس بشيء. فكأن ذلك استخفاف منك في حق هذا المبتدع بما عملته يده الأثيمة من سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فالمبتدع إخواني في الله، من عرف شرهم علم أن هؤلاء لا ليس لهم حق في المضاحكة ولا في الملاطفة، وإنما هؤلاء يمنعوا ويحجر عليهم. قال رحمه الله تعالى: ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها. هذه مسألة وهي مسألة التزويج. التزويج للمبتدعة، جاءك رجل وهو مبتدع أراد يتزوج أحد من قرابتك، إن كنت ولي أمر عندك بنت أو تزوج أو أراد يتقدم لأختك أو لأحد محارمك وقرابتك، هل لك أن تزوجه أم لا؟ قال الفضيل رحمه الله تعالى: ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها، أي هذا من قطع الرحم الذي أمر الله بإيصالها. فإنك بهذا التزويج قد قطعت رحمها. والعلماء إخواني في الله في مسألة التزويج لأهل البدع لهم في هذا تفصيل. يقسم العلماء أولًا المبتدعة إلى قسمين: بدع مكفرة وبدع غير مكفرة. فإذا كان المبتدع الذي يتقدم وهذا المبتدع ممن يبتلي بشيء من البدع المكفرة، فهذا لا يزوج، فهذا لا يزوج، بل يرد ولا يجوز ولا يحل أنك ترضى به زوجًا لأحد من قرابتك. جاءت أقوال العلماء وفتاوى أهل العلم في حق المبتدع إن كان ببدعته كفرية فإنه لا يرضى به. ومن ذلك ما قاله طلحة بن مصرف رحمه الله تعالى: الرافضة لا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم لأنهم أهل ردة. وقال سهل التستري رحمه الله تعالى: وقد سئل عن الصلاة خلف المعتزلة والنكاح منهم، فقال رحمه الله تعالى: لا، ولا كرامة، هم كفار. قلنا: وهذا تنزل على هذه الصورة؛ لأنه عنده قد كفر المعتزلة. فمن يرى أن هذه الفرقة أو تلك الفرقة من الفرق الكافرة التي قد ارتدت لانغماسها بهذه البدعة الكفرية، فإنه لا يحل النكاح والتزويج منهم. وسئل سفيان الثوري رحمه الله تعالى أن رجلًا قال له: يا إمام، لي نسيب قدري قريب، نسيب لي قدري، قال: أو زوجه؟ قال: لا، ولا كرامة. فدل ذلك على أن المبتدع إذا كان بدعته كفرية فإنه لا يتزوج، أي لا يزوج، ولن تتزوج من نسائهم، وتدخل في هذه البدعة الكفرية الكثير من الفرق الضالة ممن ارتدت عن دين الله جل وعلا، مثل الدروز والنصيرية والرافضة وهكذا غلاة القدرية وهكذا الإسماعيلية والباطنية والقديانية والبهائية والمكارمة وغير هؤلاء من الفرق التي اعتنقت البدع المكفرة وخرجت عن دائرة الأمة. فمن جاءك من أمثال هؤلاء يريد أن يتقدم إليك فإنه يرد، فإنه يرد، ولا يجوز ولا يحل أنك ترضى به زوجًا. وهكذا أنت بالعكس، لا أنك تأتي إلى نسائهم ولا أن تأتي كذلك إلى فتياتهم فتتقدم إليهم، فهذا كذلك لا يجوز ولا يحل. أما الصنف الثاني من المبتدع، ومن يبتلي ببدعة غير مكفرة، فكيف العمل معهم؟ كذلك اختلف العلماء في أمثال هؤلاء. من كان مبتدعًا وإن لم يكفر، لكنه أحدث في دين الله جل وعلا وتعدى على شرع الله بفكره وآرائه وأهوائه، فمن أهل العلم من يرى كذلك أن من أمثال هؤلاء لا يمكنون ولا تتزوج منهم ولهم يتزوجون منك، أي من أهلك ولا من قرابتك، يقطعون وذلك من باب ما يسميه العلماء بالكفاءة في الدين. ذهب من ذهب من أهل العلم إلى أن لا تصح ولا يجد لمبتدع أن يمكن من سنية لعدم الكفاءة في الدين. فلا يرى جواز التزويج. أو ذهب من أهل العلم من رأى جواز ذلك، وأن هذا لا بأس به، إلا أنه يكره كراهة شديدة، يجوز ذلك إليه، إلا أنه يكره كراهة شديدة. والكراهة واضحة؛ لأن الشرع إنما أذن بأنك ترضى لمن يرضى دينه وخلقه. والمبتدع ليس له دين يرتضى، وليس له خلق كذلك يرتضى. قال عليه الصلاة والسلام: من جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوا له. دين وخلق. وأن المبتدع من دين يتمسكون به وهم يهدمون دين الله جل وعلا. المبتدع كما قلنا: قد كرر ذلك أن من آثارهم ومن أفعالهم ومن جرائمهم على دين الله جل وعلا أنهم قوضوا معالم الدين، تركوا الكثير من أحكام الشريعة، استهزأوا وتطاولوا على شرع الله عز وجل. فهؤلاء ليس لهم دين يرتضى، وهكذا الخلق، وهذا من باب أولى، من ذهب دينه ذهب خلقه. فالمبتدع عندهم ما عندهم من الكذب، وعندهم ما عندهم من الظلم، وعندهم ما عندهم من الهوان، واستهانة بدين الله وشرع الله. وهذا لا يقف على من تتبع أحوالهم. فعلى قول الثاني من أهل العلم من أجاز، وأن العقد صحيح إلا أنه يكره كراهة شديدة، وهذا هو الواجب إخواني في الله. فإن المثل يتقي الله جل وعلا فيما يتقدم إليه من أراد أن يتقدم إلى أخته، يتقدم إلى بنته، أن يسأل عن دينه، أو ما يسأل عن استقامته، وكذلك عن مذهبه، هل هو على مذهب السنة أم أنه رجل وقد ابتلاه الله بالبدع والأفكار؟ فإن هذا عبد الله ليس إثمه على نفسه، بل هذا سينجر حتى على أهله. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.