الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 142، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المحور تحريم اتخاذ القبور أعياداً أو مواضع للعبادة مستدلاً بأحاديث وآثار السلف كإنكار الحسن بن الحسن، ويؤكد أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تبلغه أينما كان المصلي فلا يختص بذلك مكان دون آخر، ويرد على من حرّف النهي ليجيز الزيارة اليومية، مع التنبيه على إحياء البيوت بالصلاة وقراءة القرآن.
يوضح المحور مشروعية زيارة القبور للسلام على الأموات والدعاء لهم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لا بقصد التعبد بالمكان أو اتخاذه عيداً، وينقل عن أهل البيت والمدينة كراهة قصد القبر للسلام عند دخول المسجد لئلا يُتخذ عيداً، محذراً من البدع المخالفة لهدي السلف الصالح.
يستعرض المحور جواز زيارة قبور المسلمين والكفار للتذكير بالموت والدار الآخرة مع النهي عن دعاء الموتى أو طلب الحاجات منهم، وينقل خلاف العلماء في جواز السفر بقصد زيارة القبور فمنهم من منعه قياساً على النهي عن شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة ومنهم من أجازه.
يتناول المحور تحريم السفر إلى قبور الصالحين بقصد العبادة والتبرك، ويناقش أقوال العلماء في جواز السفر لطلب العلم أو زيارة الأحياء، ويؤكد النهي النبوي المتواتر عن اتخاذ القبور مساجد سواء بالصلاة إليها أو عندها أو البناء عليها، مستدلاً بأحاديث صحيحة ولعن من يفعل ذلك، وينقل فتاوى علماء المغرب بتحريم كتاب إحياء علوم الدين.
يذكر المحور مصادر الحديث النبوي الوارد في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، موضحاً أنه رواه أبو حاتم في صحيحه، ورواه أيضاً أبو حاتم بن حبان، كما ورد في مسند أحمد.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد ذكر المؤلف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من الأعياد الأمكنة، وهي ثلاثة أنواع، ذكر النوع الأول الذي ليس له خصيصة في الشريعة، فضلاً أن يتخذ له عيداً وعبادة. والنوع الثاني من الأمكنة ما له خصيصة، لكن لا يقتضي اتخاذه عيداً ولا الصلاة ونحوه من العبادات عنده. فمن هذه الأمكنة قبور الأنبياء والصالحين. ثم ذكر الشيخ الأحاديث التي فيها النهي عن اتخاذها عيداً. ثم قال: وروى سعيد في سننه. سعيد بن منصور، أبو عثمان الخرساني، حافظ الحفاظ. الحديث: قال حدثنا حبان بن علي، وحبان بن علي العنزي الكوفي، وفيه ضعف. قال حدثني محمد بن عجلان، ومحمد بن عجلان مدني قرشي، وجالس في الكوفة فترة. قال عن أبي سعيد مولى المهري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا بيتي عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». وهذا الحديث مرسل؛ لأن أبا سعيد بن المهري أو مولى المهري تابعي، ليس صحابياً، فهو حديث مرسل. وقال سعيد -أي سعيد بن منصور أبو عثمان الخرساني-: حدثنا عبد العزيز بن محمد، وهو الدراوردي. قال أخبرني سهيل بن أبي سهيل، قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر. قال رآني الحسن بن الحسن، يقول سهيل بن أبي سهيل، وهو من أهل المدينة، قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى، فقال: «أهلاً إلى العشاء». فقلت: لا أريده. فقال: «ما لي رأيتك عند القبر؟» قال فقلت: سلمت على النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا الحسن من أبناء فاطمة، الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ينكر على سهيل بن أبي سهيل أنه يجلس عند القبر. فقال: «ما لي رأيتك عند القبر؟» قال فقلت: سلمت على النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: «إذا دخلت المسجد فسلم». فعن جاء وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا دخل المسجد يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وليس هو خاص بالمدينة، ليس هو خاص بمسجد المدينة، بل هو عام. يقول: «بسم الله، اللهم صل على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك». أما «اغفر لي ذنوبي» فهي غير صحيحة. فقال: «إذا دخلت المسجد فسلم». ثم قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا بيتي عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر. لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم». قال: «ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء». معنى بعدما روى هذا الحديث، وإن كان الحديث أيضاً مرسلاً، فالحسن من التابعين، لكنه له شواهد تقوى بها. معنى عباراته كلها له شواهد. فقال: «ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء». معنى: لو كان الإنسان في الأندلس صلى على النبي صلى الله عليه وسلم مثل الذي يصلي في المدينة. لو صلى إنسان وهو في أمريكا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم مثل الذي يصلي وهو عند المسجد، بل في المسجد، بل عند القبر. معنى سواء، ليس له خصيصة؛ لأن كل صلاة تبلغ النبي عليه الصلاة والسلام. «وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم». وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم وكل ملكاً يبلغ النبي عليه الصلاة والسلام سلام أمته. قال شيخ الإسلام: فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث، لا سيما وقد احتج من أرسله به. وقوله هنا يدل من هذين الوجهين المختلفين، يريد أن أحدهما رواته من أهل الكوفة، والآخر رواته مدنيين، أو من التابعين. فيقول: من وجهين مختلفين يدلان على ثبوت الحديث، لا سيما وقد احتج من أرسله به، أي الحسن بن الحسن، وكذلك أبو سعيد مولى المهري. قال: ولم يكن روى من وجوه مسندة غير هذين. فكيف وقد تقدم مسند الحديث؟ قد تقدم مسنده. لكن نأخذ من هذا الحديث إنكار الحسن بن الحسن على سهيل بن أبي سهيل جلوسه عند القبر. هذا ما يقوله أهل السنة: أن الذي يجلس عند القبر لا يستفيد شيئاً، إلا إذا كان يريد أن يسلم ويمر. أما الجلوس عند القبر فلم يكن هدي الصحابة رضي الله عنهم، وهم في المدينة. بل قال كثير من العلماء، ومنهم عبيد الله بن عمر العمري: لم يكن أحد يأتي إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام من الصحابة إلا ابن عمر، كان إذا جاء من الحج مر على القبر فسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، وسلم على أبي بكر وعمر ومضى. ما كان يجلس ولا يتأخر ولا كذا. وأما الصحابة، أما بقية الصحابة فلم يكن أحد منهم يفعل هذا. لم يكن أحد منهم يأتي إلى القبر، وهم زيادة على عشرة آلاف صحابي، كل هؤلاء ما يأتي أحد منهم إلى القبر. ما ثبت عن أحد أنه كان يأتي إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه مثلاً حتى يسلم. فهذا ليس في شريعة الإسلام أنه يأتي إلى القبور لأجل مثلاً الدعاء عندها. الذي جاء في القبور أنه يسلم عليها. وأما القبور الخاصة فلم يأت شيء يدل على أن الإنسان يزور قبراً خاصاً، وخاصة أن يجعله عيداً، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. قال: وجه الدلالة أن قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل قبر على وجه الأرض، ممنون من ناحية أنه عليه الصلاة والسلام أفضل، أفضل من يمشي عليها، من مشى على هذه الأرض فهو سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام. قال: وقد نهى عن اتخاذه عيداً، فقبر غيره أولى بالنهي، كائناً من كان. يعني: إذا ما دام أن قبره لا يتخذ عيداً، فمن باب أولى قبر غيره. وسبحان الله تجد أن العلماء يفهمون هذا الحديث، وهي واضحة، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ القبر عيداً، فجاء ناس الآن ويفهمون هذا الحديث بالمعكوس. حتى قرأت عن بعضهم أنه قال، ويظن نفسه أنه فقيه، جاء يفسر هذا، معنى هذا الحديث فقال: «لا تتخذوا قبراً عيداً»، أي لا تجعلوه كعيد من أسبوع، من شهر، لا تجعلوه كل يوم. أنا هكذا فسر: لا تجعلوا عيداً، اجعلوه دائماً، أنا دائماً أزوركم. هكذا فسر الحديث. وهذا تفسير عجيب للحديث. من ظاهره أنه يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهى عن هذه الزيارة، ولا يكون فيها أن يتخذ هذا القبر عيداً، حتى لو كان كل يوم تعتبر عيداً؛ لأن العيد من الاعتياد. لو كان مثلاً الإنسان يقول: أنا سأزور هذا القبر عصراً، يعتبر عيداً. ولو كل يوم يعتبر عيداً، يعاوده. فهذا قال: أي لا تتخذوا عيداً، وإنما زوروني كل يوم وفي كل وقت. طيب. قال: «ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً»، أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور. فأمر بتحري العبادة في البيوت. وهذا أيضاً يدلنا على أن القراءة والصلاة عند القبور لا تصلح، حتى نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون البيوت كالمقابر. فالمقابر لا يصلح فيها الصلاة ولا القراءة. «لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وصلوا فيها». وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث زيد بن ثابت: «أفضل الصلاة في البيوت إلا المكتوبة، ولا تجعلوا بيوتكم كالمقابر أو كالمقابر، وصلوا فيها». ولا حديث في هذا الباب كثيرة في أن النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يجعل العبد من صلاته في بيته: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم»، كما في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين، «ولا تتخذوها قبوراً». قال: ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله مشركون من النصارى، ومن تشبه بهم، عن تحري العبادة. وهؤلاء يتحرونها عند القبور. قالوا: في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً». وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ينفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه». ينفر من البيت، يبتعد ويهرب. «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة». الذي يقرأ فيه سورة البقرة. هنا ذكر الشيخ: «الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه»، ولفظ الحديث: «الذي تقرأ فيه سورة البقرة». «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة». قالوا في الحديث: الآن قال ثم إنه صلى الله عليه وعليه وسلم أعقب النهي عن اتخاذه أيضاً بقوله: «صلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم». وفي الحديث الآخر: «فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم». يشير بذلك صلى الله عليه وعليه وسلم إلى أن ما ينال منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم منه، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيداً. أنا لا حاجة لكم أن تأتوا إلى القبر، صلوا علي في أي مكان، إن كنتم تريدون الصلاة والسلام فجعلوها في أي مكان، فإنها تبلغني. والشيخ أيضاً يريد هنا أن يؤيد هذا الحديث أو هذه الأحاديث بحديث التي صحت، أي بالشواهد التي صحت مثلها. قال: أولاً حديث عنه بأن صلاتنا وسلامنا تعرض عليه، كثيرة، مثل ما روى أبو داود من حديث أبي صخر حميد بن زياد، وحميد بن زياد من أهل المدينة، وحديثه حسن. قال عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، وهو أيضاً من أهل المدينة، أبو عبد الله المدني، وهو ثقة. قال عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم قال: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام». وهذا الحديث صحيح. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام». ومثل ما روى أبو داود أيضاً عن أوس بن أوس رضي الله عنه، فأوس بن أوس صحابي ثقفي، عدادهم في الشاميين، أنا من أهل الشام. قال أوس بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم قال: «أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي». قالوا: يا رسول الله، كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ معنى بليت، معنى بليت عظامك. فقال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء». حرم على الأرض، فالذي يأكل اللحوم والجلود هي الأرض، ويفتت العظام هي الأرض، وليس الدود. أن كثيراً من الناس يعتقدون أن هناك دوداً يأكل الجسم في القبر، فقد يكون هناك دود يأكل، لكن ليس أن الدود هو الذي يأكل اللحم دائماً. الأرض هي التي تأكل، الأرض تأكل أجساد الناس، وأيضاً تتفتت العظام فيها. قال: فقالوا: كيف تعرض صلاتك عليك وقد أرمت؟ قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء». وهذا إسناده حسن. قال: «أرمت» أي صار رميماً، أي عظماً بالياً. فإذا اتصلت به تاء الضمير فأصح اللغتين أن يكسر الإضغام فيقول: «أرمت». وفيه لغة أخرى كما في الرواية: «أرمت» للتشديد الميم، وقد يخفف فيقال: «أرمت». قال في مسندي ابن أبي شيبة: ابن أبي شيبة له المصنف وله المسند، والمصنف أكبر من المسند. معنى الموجود قد يكون المسند أكبر، لكن كأنه ضاع منه أشياء، والمسند أيضاً طبع قريباً، وإلا ما كان معروفاً أو ما كان مطبوعاً إلا المصنف. قال في مسند أبي هريرة: قال قال رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم: «من صلى عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائياً بلغته». رواه الدارقطني. بمعنى: بمعنى بلغ هذا، الصلاة والسلام. «من صلى عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائياً بلغته» أو بلغته. وهذا من الشواهد، وإلا فيه ضعف. قالوا: في النسائي وغيره. قالوا: في النسائي وغيره عنه صلى الله عليه وعليه وسلم أنه قال: «إن الله وكل بقبر ملائكة يبلغون عن أمتي السلام». وهذا جاء من حديث عبد الله بن مسعود، وهو إسناد حسن. قال: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغون عن أمتي السلام». هكذا جاء لفظه عند النسائي.حياناً الشيخ يذكر الحديث على ما يحفظه، على حفظه، أو يذكر بعض الروايات. لكن في النسائي: «إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغون عن أمتي السلام». قال: ثم إن أفضل التابعين من أهل بيتي، علي بن الحسين رضي الله عنه، رضي الله عنه، نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره صلى الله عليه وعلى وسلم، واستدل بالحديث، وهو راوي الحديث الذي سمعه من أبيه الحسين عن جده علي، وأعلم بمعناه من غيره، فبين أن قصده للدعاء ونحوه اتخاذ له عيداً. عن الحديث الذي تقدم، قبل حديث الذي تقدم، عن علي بن الحسين أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه. فقال: «لا أحدثكم حديثاً». يقول علي بن الحسين، الذي قال له زين العابدين: «فلا أحدثكم حديثاً سمعته عن أبي، وهو الحسين بن علي، عن جده، عن رسول الله، عن جده علي بن أبي طالب». وفي بعض النسخ أو في بعض الأحاديث أو الروايات عدم ذكر علي بن أبي طالب. فقال: عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبراً عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم». وتقدم معنا أن عبد الواحد المقدسي رواه، وإسناده لا بأس به، إلا أن فيه جعفر بن إبراهيم، وفيه ضعف، لكن يشهد له ما ذكره المؤلف. قال: وكذلك ابن عمه، حسن بن حسن، شيخ أهل بيته، كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند دخول المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيداً. فانظر هذه سنة، يقول الشيخ رحمه الله: فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت، ليس فقط من أهل المدينة بل من أهل البيت. هذه السنة خرجت من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. أنا حتى حتى تكون حجة على الشيعة، وعلى أهل التصوف الذين ينتسبون إلى آل بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. قال: فانظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت، الذين لهم من رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم قرب النسب وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم، فكانوا لها أضبط. قالوا: العيد جعل اسماً للمكان، فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة عنده أو لغير العبادة. كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة جعلها الله عز وجل عيداً، اجتمع فيه الناس، مثابة للناس، أي مرجع للناس يجتمعون فيه، يعني يأتون إليه، مثابة للناس وأمن، يأتون إليه من كل مكان ويجتمعون فيه. وينتابونها للدعاء والذكر والنسك. وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع عندها، فلما جاء الإسلام محى الله ذلك كله. قالوا: هذا النوع من الأمكنة يدخل فيه قبور الأنبياء والصالحين. عن الأمكنة التي لها خصيصة في الشريعة لكن لم يأت أنها تتخذ عيداً أو يعبد فيها الله عز وجل. قالوا: القبور التي يجوز أن تكون قبوراً لهم بتقدير كونها قبوراً لهم، بل وسائر القبور أيضاً داخل في هذا. فإن قبر المسلم له من الحرمة ما جاءت به السنة. أنا أقول: الخصيصة هذه أنه له حرمة، القبر له حرمة عظيمة، سواء كان هذا القبر لقبر صالح أو لغيره، أو لغيره من المسلمين. حتى جاء: كسر عظم الميت ككسره حياً. كسر عظم الميت ككسره حياً. قال: إذ هو بيت المسلم لميت، فلا يترك عليه شيء من النجاسات بالاتفاق، وقد تقدم النهي عن ذلك. ولا يوطأ ولا يداس. أي ظنه النبي صلى الله عليه وسلم أن يوطأ القبر ولا يتكأ عليه. عندنا يريد عندنا، أي مذهب الحنابلة، وعند جمهور العلماء. ولا يجاور بما يؤذي الأموات من الأقوال والأفعال الخبيثة، لأن هذا ليس فيه تعظيم لهذه الأموات. فلهم حرمة كحرمة الحي. قال: يستحب عند أتيانه السلام على صاحبه والدعاء له. وكلما كان الميت أفضل كان حقه أوكد. قال: بريد بن الحصيب رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: «السلام على أهل الديار». وفي لفظ: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية». رواه مسلم. قال: وروي أيضاً عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم خرج إلى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». أنا يريد بهذه الأدلة أن القبر له حرمة وله عظمة، حتى أنه يسلم عليه. قال: وروي أيضاً عن عائشة في حديث طويل عن النبي صلى الله وسلم أنه قال: «إن جبريل أتاني فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم». قالت: قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». حديث أيضاً في صحيح المسلم. لما خرج في آخر الليل وذهب إلى البقيع، ثم قال: «إن جبريل أتاني، قال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم». قال: وروى ابن ماجه عن عائشة قالت: فقدته فإذا هو بالبقيع، فقال: «السلام عليكم دار قوم المؤمنين، أنتم لنا فرط، فرط معنا مقدم، ونحن بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم». وهذا الحديث فيه ضعف، لكنه في الشواهد. قال: وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر». رواه أحمد والترمذي، وقال: حديث حسن غريب. وهذا الحديث صحيح. وهذا الحديث يشهد بعضها لبعض. قال: وقد ثبت عنه أنه بعد أحد بثمان سنين خرج إلى الشهداء فصل عليهم كصلاة على الميت. وهذا الحديث في الصحيحين من حديث جابر. وروى أبو داود عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم، وسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل». وهذا الحديث حسن، بل هو صحيح لغيره بسنن صحيح. قال: وقد روى حديث صححه ابن عبد البر أنه قال: «ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام». وهذا الحديث لا يصح. صحيح أن الأحاديث التي فيها رد الميت السلام لا تصح. قال: ورؤية في تلقين الميت بعد الدفن حديث فيه نظر، لكن عمل به رجال من أهل الشام الأولين مع روايتهم له، فلذلك استحبه أكثر أصحابنا وغيرهم. ولكن الصحيح أنه لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، أي التلقين. تلقين الميت لم يثبت حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأفعله بعض التابعين من أهل الشام. قال: فهذا ونحوه مما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعله ويأمر به أمته عند قبور المسلمين عقب الدفن وعند زيارتهم والمرور بهم، إنما هو تحية للميت كما يحيي الحي، ودعاء له كما يدعى له إذا صلى عليه قبل الدفن أو بعد. وفي ضمن الدعاء للميت دعاء الحي لنفسه ولسائر المسلمين، مثل ما قال: «اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم». كما أن الصلاة على الجنازة فيها الدعاء للمصلي ولسائر المسلمين. وتخصيص الميت بالدعاء له، فهذا كله وما كان مثله من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، وما كان عليه السابقون الأولون، هو المشروع للمسلمين في ذلك، وهو الذي كانوا يفعلونه عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، أن تكون زيارة شرعية. زيارة شرعية يأتي إلى المقابر ويسلم عليه: «السلام عليكم زوار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»، أو بما ثبت عن نبي صلى الله سلم من السلام كما ذكر المؤلف، مثل حديث ابن عباس: «السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر». وأيضاً ما جاء في حديث عبد الله بن عمر وغيره. حديث أيضاً أبي هريرة: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». وجاء كذلك في حديث عائشة. كل هذه ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم معلم السلام، ثم يدعو لأهل القبور، يدعو لهم. وليس أنه يدعى يطلب منهم الدعاء، أو يطلبهم في الدعاء. أن بعض الناس يأتي إلى القبر يطلب من صاحب القبر أن يدعو له: «ادعُ لي حتى أفعل كذا». هذا كلام باطل، لأن صاحب القبر لا يسمعه، وليس هناك دليل على أنه يسمع، وإنما يسمع في بعض الأحيان عن الأشياء التي خصها الدليل. قال: وروى ابن بطة في الإبانة بإسناد صحيح عن معاذ بن معاذ، وهو العنبري، معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري، أبو المثنى، ابنه أيضاً من أهل الحديث، المثنى بن معاذ. قال حدثنا ابن عون، هو عبد الله بن عون. قال سأل رجل نافعاً فقال: هل كان ابن عمر يسلم على القبر؟ فقال: نعم، لقد رأيته مائة أو أكثر من مائة مرة، كان يأتي القبر فيقوم عنده فيقول: «السلام على النبي، السلام على أبي بكر، السلام على أبي». وفي رواية أخرى ذكرها لأبي محمد محتجاً بها، ثم ينصرف. وهذا الأثر رواه مالك في الموطأ. أنا لا يجلس عند القبر، وإنما يسلم ويذهب. قال: وزيارة القبور جائزة في الجملة، حتى قبور الكفار. فإن في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلي وسلم: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي». وفي أيضاً في صحيح مسلم قال: زار النبي عليه الصلاة والسلام قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: «استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي». فزوروا القبور فإنها تذكر الموت. وهذا في صحيح مسلم كذلك. قالوا: في صحيح مسلم عن بريدة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». وفي رواية الأحمد: «فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هجر». الحديث عند أحمد والنسائي أيضاً، إسناد صحيح، فيه زيادة: «ولا تقولوا هجر». أنا رواها الشافعي في الأم عن مالك عن ربيع بن عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري، لكن الربيع لم يسمع من أبي سعيد. قال: لعل هناك سقط في الإسناد. فالمهم الحديث صحيح. قال رحمه الله: وروى أحمد عن علي بن طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى عليه سلم قال: «إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة». وقول: «ولا تقولوا هجر». الهجر هو الكلام الفحش، أو الكلام البذيء، أو الكلام الذي لا يلي، يسمى هجر. على كلام قبيح. وأراد كما ذكر الشافعي رحمه الله، وذلك مثل الدعاء بالويل والثبور والنياح. فكل ما جاء من هذا النوع لا يجوز أن يقال عند القبور. قال: فقد أذن النبي عليه الصلاة والسلام في زيارتها بعد النهي، وعلل ذلك بأنها تذكر الموت والدار الآخرة. وأذن إذناً عاماً في زيارة قبر المسلم والكافر. قال: والسبب الذي ورد عليه هذا اللفظ يوجب دخول الكافر، والعلة هي تذكر الموت الآخرة. عن العلة أنه يتذكر الموت، فلذا لا فرق بين قبر مسلم أو كافر، لأن العلة موجودة. قال: وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يأتي قبور أهل البقيع والشهداء للدعاء لهم والاستغفار، فهذا المعنى يختص بالمسلمين دون الكافرين. معنى الاستغفار والدعاء هذا للمؤمنين، وأما الاعتبار فلكل أحد. لأن حتى النبي صلى الله سلم كان يقوم لجنازة اليهود ويقول: «إن للموت لفزعاً». قال: فهذه الزيارة هي زيارة القبور لتذكر الآخرة أو لتحيتهم والدعاء لهم، وهو الذي جاء بسنة كما تقدم. قال رحمه الله: والأصل إن شاء الله حتى نتركها قرب الصلاة. قال: وقد اختلف أصحابنا وغيرهم هل يجوز السفر لزيارتها على قولين. أنا زيارة القبور جائز أن تزور القبور، لكن هل يجوز لك أن تسافر حتى تزور القبر؟ فقال: أن هذه المسألة فيها قولان. القول الأول: لا يجوز، والمسافرة لزيارتها معصية، ولا يجوز قصر الصلاة فيها. هذه مسألة أخرى، لا يجوز قصر الصلاة فيها. وهذا قول ابن بطة وابن عقيل وغيرهما. لأن هذا السفر بدعة، لم يكن في عصر السلف، وهو مجتمل على ما سيأتي من معاني النهي. ولأن في الصحيحين عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي». هذا قد مر هذا الحديث، الحديث بسعيد وأبي هريرة. قالوا: هذا النهي يعم السفر إلى المساجد والمشاهد. تقدم معنا الكلام في هذا على أن هذا النهي يعم المساجد والمشاهد، لأنه ما دام أنه نهي عن المساجد، وهم بأول نهي، أيضاً عن المشاهد. المشاهد معناها القبر الذي فيه مشهد، قبة، سمى مشهد. وغالباً المشاهد هي التي اشتهرت، وغالباً ليس فيها أحد، كما قد ذكرنا قبل. قالوا: كل مكان يقصد للسفر إلى عينه للتقرب. بدليل بصرة بن عبي، بصرة الغفاري، لما رأى أبا هريرة راجعاً من الطور الذي كلم الله عليه موسى، معنى الجبل، قال: «لو رأيتك قبل أن تأتيه لم تأته». لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». على نفض الحديث: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». فقال: «لو لقيتك قبل أن تخرج لما خرجت»، أو قال: «لو لقيتك قبل أن تأتيه ما لم تأته». لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». فهذا فهم أبي بصرة، وفهم أيضاً وأقره على هذا الفهم أبو هريرة. فأقر أبا بصرة على هذا الفهم. فهذا فهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال: فقد فهم الصحابة الذي روى الحديث أن الطور وأمثاله من مقامات الأنبياء مندرجة في العموم، ولو لم يكن هناك مسجد. قالوا: أنه لا يجوز السفر إليها، كما لا يجوز السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة. وأيضاً فإذا كان السفر إلى بيت من بيوت الله غير الثلاثة لا يجوز، مع أن قصده لأهل مصر يجب تارة ويستحب أخرى، عن قصد المسجد لأهل بلده، أي الموجود فيهم عن صلاتهم الجماعة. وقد جاء في قصد المساجد من الفضل ما لا يحصى، فالسفر إلى بيوت عبادة أولى أن لا يجوز. معنى: أنه إذا قلنا عدم جواز الذهاب إلى القبر أو السفر إلى القبر كان أولى من أن نقول عدم الذهاب إلى المسجد. قال: الوجه الثاني، معنى الوجه الأول أنه لا يجوز. والوجه الثاني أنه يجوز السفر إليها. قاله طائفة من المتأخرين، منهم أبو حامد الغزالي من الشافعية، صاحب كتاب الإحياء، إحياء علوم الدين. وفيه شيء من الفقه الشافعي، وفيه أيضاً من الأسرار، وفيه معنى أسرار العبادات، وفيه أيضاً أشياء كثيرة، ومنها أشياء في المنطق والفلسفة، ومنها أشياء كفرية، منها أشياء كفرية. حتى لم معنى ذكر قصة لو أن الإنسان كافر ما سيدكرها، أن القصة ما كان ينبغي أن تذكر في مثل هذا الكتاب الذي يقال فيه إحياء علوم الدين. وهي قصة أبي يزيد البستامي. لما قال رجل لعبي: «تراب، تراب النخش به». هذا الصوفي قال له: «قد رأيت، قد رأيت الله». قال له: «كيف؟ لو رأيت أبا يزيد البستامي». قال: «قد رأيت الله، فأغناني عن أبي يزيد». قال: «ويحك، لو رأيت الله، لو رأيت أبا يزيد البستامي خير لك من أن ترى الله سبع مرة». ننظر إلى هذا الإلحاد، وهذا معنى الاستهانة. وأيضاً كذلك تعظيم الولي. أنا يقول: لو رأيت هذا أبا يزيد البستامي أفضل من أن ترى الله. فمثل هذه القصة تذكر في كتاب يقال له إحياء علوم الدين. وذكر أشياء كثيرة من الشرك. ولهذا سماه بعض أهل المغرب إماتة علوم الدين. بل أفتى كثير من أهل المغرب، أي من علماء المغرب، كابن القطان الفاسي وغيره، على أنه يحرق، على أن هذا الكتاب يحرق، ولا يصلح أن يكون مع الناس. لكن العجيب أن هذا الكتاب انتشر انتشاراً كبيراً. انتشر هذا الكتاب حتى تجده كان قديماً تجده في كل مسجد. طيب. قال: والوجه الثاني أنه يجوز السفر إليها، قاله طائفة من المتأخرين، منهم أبو حامد الغزالي، وأبو الحسن بن عبدوس الحراني. وهذا أبو الحسن الحراني هو معناه فقيه واعظ من علماء الحنابلة. والشيخ أبو محمد المقدسي، الشيخ أبو محمد، الظاهر أنه ما يقصد عبد الغني، وهناك من يسمى بأبي محمد أيضاً، عبد الله بن أحمد بن قدامة، صاحب كتاب المغني، وعبد الغني يعتبر بن خالته، والله أعلم من يقصد منهما، لأن الغالب شيخ الإسلام إذا ذكر ابن قدامة يكنيه بأبي محمد. قال: وما علمته منقولاً عن أحد من المتقدمين. بناء على أن الحديث لم يتناول النهي عن ذلك، كما لم يتناول النهي عن السفر إلى الأمكنة التي فيها الوالدان والعلماء والمشايخ والإخوان، أو بعض المقاصد الأمور الدنيوية المباحة. فالمراد من الحديث أنه أن يتخذ مكاناً يسافر إليه لأجل العبادة، لأجل العبادة والتبرك. وأما كان لغرض من أغراض الدنيا أو حتى الآخرة لكن ليس المراد العبادة، مثل العلم مثلاً، فهذا جائز بإجماع المسلمين أن الإنسان يسافر لأجل العلم. وقد سافر نبي الله موسى إلى الخضر لأجل العلم. وقد أجاز العلماء الرحلة وأثنوا على الرحلة، بل كان بعضها العلم يقول: لابد لطالب العلم الرحلة، لابد لطالب العلم الرحلة. وكان الإمام محمد يقول: لابد من اليمن، أو لابد من عبد الرزاق، ولو طال الزمن. قال: فعما ما سوى ذلك من المحدثات فأمور. على هناك محدثات. أما السفر فقد اختلفوا. وقد تكلم على هذه المسألة شيخ الإسلام في عدة مواضع من كتبه، بل ألف رسالة في هذه المسألة في السفر إلى قبور الصالحين. بل أنه سجن لأجل هذه المسألة، سجن وابتلي وأودي لأجل هذه المسألة، أنه يقول أنه لا يسافر إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يسافر إلى المسجد، يسافر إلى المسجد. لأن السفر إلى المسجد هو الذي جاء به الأحاديث، أما السفر إلى القبر فلم يأت به حديث. قال: فأما ما سوى ذلك من المحدثات فأمور. منها الصلاة عند القبر مطلقة. أنه سواء كان يصلي إلى القبر، أو يصلي لأجل صاحب القبر، أو يصلي لأن هذا المكان فيه بركة، أو يصلي لغير ذلك من هذه النوايا، فكل صلاة عند القبر لا تجوز. لا تجوز الصلاة عند القبر. قال: واتخاذها مساجد وبناء المساجد عليها، فقد تواثرت النصوص عن النبي عليه الصلاة والسلام بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه. فأما بناء المساجد على القبور فقد صرح عامة علماء الطوائف بالنهي عنه، متابعة للأحاديث. وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما بتحريمه. عن اتخاذ المسجد على القبر، يبنى المسجد على القبر. وسبحان الله، ابتل الله عز وجل كثيراً من المتأخرين، سواء كان من فقهاء الشافعية أو من فقهاء الحنفية أو حتى الحنابلة والمالكية، ابتلوا بتعظيم القبور، حتى أنهم أجازوا بناء المساجد عليها. قال: معنا أكثر العلماء، سواء كان من أهل المذاهب، يرون عدم جواز البناء، وكذلك بناء المسجد على القبر. قال: أمن العلماء من أطلق فيه لفظ الكراهة، فما أدري عنه، به التحريم والتنزيه. قال: ولا ريب في القطع بتحريمه، لما روى مسلم في صحيحه عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك». واتخاذ القبور مساجد كما تقدم، إما بالصلاة عندها، أو بالصلاة إليها، أو ببناء المسجد عليها. قال: وعن عائشة رضي الله عنها وعبد الله بن عباس، قال: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه. هذا الحديث عن عائشة فقط، لكن نحوه عن ابن عباس. وجاء عن عائشة وابن عباس: «قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». لكن هذا اللفظ جاء عن عائشة. قال: وهو كذلك: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا». أخرجه البخاري ومسلم. وأخرجا جميعاً عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم قال: «قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وفي رواية المسلم: «لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قال: فقد نهى، فقد نهى عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته، ثم أنه لعن، وهو في السياق، لعن في السياق، معنى سياق الموت، من فعل ذلك من أهل الكتاب، ليحذر أمته أن تفعل ذلك. لهذا قالت عائشة: «يحذر ما صنعوا». ولولا ذلك لأبرز قبره، خشية غير أنه خشية أن يتخذ مسجداً. قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشية أن يتخذ مسجداً». أنا تقرأ خشية وقرية خشية، والظهر أنها خشية، أي الصحابة، معنى الصحابة خشوا أن يتخذ مسجداً، ولأنه لم يعرف أحد بعينه، فصار أو جاءت به على المجهول. قال: رواه البخاري. وروى الإمام أحمد بمسند، بسناد جيد، وقد ذكر الشيخ الألباني هذه الحديث في كتابه الذي سماه «التحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد». قال: وروى الإمام أحمد بسناد جيد عن عبد الله بن مسعود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». رواه أبو حاتم في الصحة، أبو حاتم بن حبان، وهو أيضاً عند أحمد