التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 143

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 143

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 143، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم البناء على المقابر المسبلة واتخاذها مساجد ومشاهد

يحرم البناء على المقابر العامة كالمساجد والقباب لتعدي على حق العامة ونبش القبور، ونهى النبي ﷺ عن البناء والتجصيص عليها. كما يُمنع بناء دورات المياه وإيقاد المصابيح والنذر للقبور، والصلاة عندها لاتخاذها مساجد مشابهة لأهل الكتاب.

حكم الصلاة في المقابر وعلة النهي عنها

الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام لنهي النبي ﷺ، والصحيح أن علة المنع هي سد ذريعة الشرك واتخاذ القبور مساجد لا النجاسة. لذلك تحرم الصلاة في المقابر مطلقاً سواء كانت جديدة أو عتيقة، مسبلة أو غير مسبلة.

النهي عن اتخاذ القبور مساجد وأصل الشرك بتعظيم الصالحين

أصل عبادة الأوثان كان تعظيم قبور الصالحين وتصوير تماثيلهم، والغلو في الأولياء يؤدي إلى الشرك الأكبر أو الأصغر. الصلاة في المقابر أو المساجد المبنية عليها باطلة عند الإمام أحمد سداً للذريعة، قياساً على النهي عن الصلاة في أوقات النهي.

النهي عن الصلاة عند القبور وبيان وسطية الأمة في تعظيم الأنبياء

الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين بقصد التبرك محادة لله ورسوله وابتداع، ولعن النبي ﷺ من اتخذ القبور مساجد. الأمة وسط بين غلو النصارى وجفاء اليهود، ومفسدة الصلاة عند القبور تغلب مصلحتها فتكون سبباً للعذاب لا للرحمة.

  • 21 جمادى الآخرة 1446هـ - 22/12/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. فأخذنا النوع الثاني من الأمكنة، وهو ما جاء تخصيصه أو ما له خصيصة، لكن لا يقضي اتخاذه عيداً. ثم ذكر المؤلف أحاديث كثيرة في هذا الباب. طيب، وقفنا أن المقبرة المسبلة فبني عليها قبر، أنه لا يجوز. ثم ذكر أن هذا مجتمل على أنواع من المحرمات: الذي يبني على قبره مسجداً أو مدرسة أو رباطاً أو مشهداً، أو يبنى عليه ويجعل فيه مثلاً مطهرة أو لم يجعل، فإن هذا مجتمل على أنواع من المحرمات. أحدها: أن المقبرة المسبلة لا يجوز الانتفاع بها في غير الدفن من غير تعويض بالاتفاق، فبناء المسجد أو المدرسة أو الرباط فيها كدفن الميت في المسجد، أو كبناء القناطر ونحوها في المقبرة، أو كبناء المسجد في الطريق الذي يحتاج الناس إلى المشي فيه. معنى المقبرة المسبلة: هي المقبرة العامة التي ليس لها خاصية لأحد، فمثل هذا لا يجوز لأحد أن يختص بها في شيء، لا في بناء ولا في غيره. معنى ما يخص نفسه أو يخص مقبوره بشيء ليس له، أو يضايق الناس. فلذلك هذا الذي يجعل له مشهداً، من أين له هذا المكان حتى يضايق المقبرة؟حياناً تجد مقبرة صغيرة، وتجد قبر هذا الشخص مبني عليه قبة كبيرة، فهي تسع أكثر من عشر قبور، مكان عشر قبور. يقول الشيخ: أن هذا لا يجوز له، لا يجوز له الانتفاع بها في غير الدفن، فلذلك فهذا الذي يفعل مثل هذا، بناء مسجد وغيره، فهو يتعدى على حقوق العامة، أو الحقوق العامة التي ليس له أن يتعدى فيها. الثاني: اجتمال غالب ذلك على نبش قبور المسلمين وإخراج عظام موتاهم، كما قد علم ذلك في كثير من هذه المواضع. معنى: تنبش هذه القبور غالباً لضيق المقبرة بسبب هؤلاء الذين يبنون. الثالث: أنه قد روى مسلم في صحيحه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يبنى على القبور، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه. هكذا لفظه في صحيح مسلم. فنهى عن البناء، لعل الشيخ ذكروه بالمعنى: نهى عن البناء في القبور. الرابع: أنه بناء، وهذا الذي يبني المسجد أو يبني المشهد أو غيره فهو قد بنى، فقد خالف النبي عليه الصلاة والسلام. الخامس: أنه بناء المطاهر التي هي محل النجاسات. مطاهر: بمعنى الأماكن المعدة للطهور والوضوء وقضاء الحاجات، عن قضاء الحاجة هذه تسمى مطاهر، من باب التفاؤل هي أصل النجاسات لكن سميت مطاهر. الرابع: أن بناء المطاهر التي هي محل النجاسات بين مقابر المسلمين من أقبح ما تجوز به المجاوزة ما تجاور به القبور، ولا سيما إن كان محل المطهر قبر رجل مسلم، لأن هذا الذي يبني على قبور المسلمين يبني مسجداً لا بد أن يقع في هذا، خاصة من من من يبني في وسط القبور يبني مسجداً لأجل هذا القبر، فيحتاج إلى مواضع، يحتاج إلى أماكن لقضاء الحاجة، فيجد أنه يفعل ذلك في هذه المقبرة. السادس: اتخاذ القبور مساجد، وقد تقدم بعض النصوص المحرمة لذلك. السابع: الإسراج على القبور، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من يفعل ذلك، وأتقدم الحديث أنه لا يصح. وهذا كله معنى يدل على أن هذه الأشياء محرمة، خاصة في المقبرة المسبلة. الثامن: مشابهة أهل الكتاب في كثير من الأقوال والأفعال والسنن بهذا السبب، كما هو الواقع، إلى غير ذلك من الوجوه. فعن هؤلاء هذه طريقة النصارى واليهود، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، لما في الصحيحين أن عائشة وأم سلمة، أقصد أم حبيبة وأم سلمة، حكتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتاها في الحبشة. أم حبيبة ذهبت إلى الحبشة، وكذلك أم سلمة، أم سلمة ذهبت مع زوجها، وأم حبيبة أيضاً ذهبت مع زوجها عبد الله بن جحش، ورأى هذه الكنيسة، رأت أم حبيبة هذه الكنيسة، ورأت أم سلمة هذه الكنيسة. فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر اتخاذ القبور مساجد، فذكرتا له أنهما رأتا كنيسة بالحبشة تسمى مارية، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، وفي رواية: النبي الصالح أو الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجداً وصوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله، أولئك شرار الخلق عند الله. أولئك الذين يتخذون القبور مساجد، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود: شرار الخلق عند الله من تدركهم الساعة وهم أحياء، الذين يتخذون القبور مساجد. قالوا: قد كانت البنية التي على قبر إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مسدودة لا يدخل إليها إلى حدود المائة الرابعة، وقيل أن بعض النسوة المتصلات بالخلفاء رأت في ذلك مناماً فنقبت لذلك، وقيل أن النصارى لما استولوا على هذه النواحي نقبوا ذلك، ثم ترك ذلك مسجداً بعد الفتوح المتأخرة، وكان أهل الفضل من شيوخنا لا يصلون في مجموع تلك البنية، وينهون أصحابهم عن الصلاة فيها، لأنها فيها قبر الخليل، اتباعاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتقاءً لمعصيته كما تقدم. وكذلك إيقاد المصابيح في هذه المشاهد مطلقاً لا يجوز بلا خلاف أعلمه، وذكر ذلك أيضاً نوي غيره، على أن إيقاد المصابيح في القبور أو في المساجد ليس لأجل الضيعة، وإنما لأجل التبرك أو كذا، فهذا من البدع، للنهي الوارد. ولا يجوز الوفاء بما ينذر لها من دهن وغيره، أي بهذه القبور، بل موجبه موجب نذر المعصية. قالوا: من ذلك الصلاة عندها، وإن لم يبني هناك مسجد، على الصلاة عند القبر، فاعتبر من اتخاذ القبور مساجد. قالوا: فإن ذلك أيضاً اتخاذها مسجداً، كما قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن خشيت، وقرأت: خشية، أي النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن خشيت أن يتخذ مسجداً. قالوا: لم تقصد عائشة رضي الله عنها مجرد بناء مسجد، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً، وإنما قصدت أنهم خشوا أن الناس يصلون عند قبره. أنا لو كان قبر النبي صلى الله عليه وسلم ظاهراً لجاء الناس وصلوا. انظر الآن قبر النبي عليه الصلاة والسلام في حجرة خاصة، في هذه الأيام أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم في حجرة، وأيضاً عند الحجرة جدار، وفوق هذا إلا أنك ترى من يصلي عند القبر، لكن تجد الحكومة، حكومة الحرمين، يمنعون من يصلي خلف القبر، ولهذا جعلوه مكاناً مفتوحاً، جعلوه مكاناً مفتوحاً حتى لا يصلي أحد في ذلك المكان، مع أنه لو صلى كان بعيداً من القبر، لكن سد هذه الذرائع. قال: وإنما قصدت أنهم أخشوا أن الناس يصلون عند قبره، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً، لأن المسجد من السجود، وكل مكان يسجد فيه لأجل ذلك المكان فهو يتخذ مسجداً. قال: بل كل موضع يصلى فيه فإنه يسمى مسجداً، وإن لم يكن هناك بناء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وقال أيضاً كذلك: فعنده مسجده وطهوراً، أينما أدركت رجل من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوراً، على المكان يصلي في أي مكان فهو مسجد له، فخالف الذين كانوا من قبل من الأمم، يصلون في البيع والكنائس ولا يصلون في غيرها. وقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبزار وغيره، بأسانيد جيدة، وهذا الحديث صحيح، قد ذكره شيخنا في الصحيح المسند، والشيخ الألباني أيضاً في الصحيحة. قال: ومن تكلم فيه فما استوفى طرقه، لأن بعض أهل العلم أعله، لكن في بعض طرقه أسانيد صحيحة. واعلم أن من الفقهاء من اعتقد أن سبب كراهة الصلاة في المقبرة ليس إلا كونها مظنة النجاسة، كما ذكر غير واحد من الشافعية، وكذلك المالكية. قال: لما يختلط بالتراب من صديد الموتى، وبنى على هذا الاعتقاد الفرق بين المقبرة الجديدة والعتيقة، وبين أن يكون بينه وبين التراب حائل أو لا يكون. وبعضهم أيضاً يفرق بين المقبرة المسبلة والمقبرة غير المسبلة، المقبرة التي تكون حقاً لشخص، مثلاً معه أرضية جعل هذه الأرضية أنه يقبر فيها هو وأهل بيته، هذه الأرضية يجعلها مقبرة له وأهله بيته، فهذا أيضاً هل يجوز له أن يبني على قبره؟ فبعض العلماء من الشافعية قالوا: يجوز، لماذا؟ قال: لأن هذه الأرض له، أن يفعل ما يشاء. لكن الشرع قد جاء بالنهي عن اتخاذ القبر مسجداً، سواء كان في أرضه أو في غير أرضه، وسواء كانت هذه الأرض مسبلة أو غير مسبلة، فهذا الفرق بعيد. أيضاً ما ذكره الشيخ: الفرق بين العتيقة والجديدة، أن بعضهم يقول: يجوز أن يصلى في المقبرة الجديدة لأنها ليس فيها نجاسة، وهم يجعلون عظام الموتى نجسة، وهذا كلام غير صحيح. أولاً: لأن العظام، عظام الموتى، ليست نجسة، بل جثة الآدمي طاهرة، جثة الآدمي طاهرة بالإجماع، فكيف يجعل هذه العظام نجاسة؟ هم يقولون: لأن هذه العظام تختلط بصديد الموتى، وكل هذا ليس صحيحاً، فلذلك لا يجوز أن يصلى في المقبرة، ولا عند قبر، لأن الصلاة عند القبر، القبر الواحد المدفون يسمى مقبرة، له حرمته كحرمة المقبرة. قال: الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام. عنا: لا يصلى فيها. وعلم أن من الفقهاء من اعتقد أن سبب كراهة الصلاة في المقبرة ليس إلا كونها مظنة النجاسة، لما يختلط بالتراب من صديد الموتى، وبنى على هذا الاعتقاد الفرق بين المقبرة الجديدة والعتيقة، وبين أن يكون بينه وبين التراب حائل أو لا يكون. هذا أيضاً فرق لا دليل عليه، معناه: يقولون إذا وضع شيئاً حائلاً، مثلاً وضع مثلاً سجادة وصلوا عليها، يقولون: عادي جائز، لماذا؟ لأنه يأمن النجاسة، قالوا: نجاسة من الصلاة عليها، سواء كانت مقبرة أو لم تكن. لكن المقصود الأكبر بالنهي عن الصلاة عند القبور ليس هو هذا، فإنه قد بينا أن اليهود والنصارى كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وقال: لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا. هذه العلة، واتخاذ القبور مساجد، هذه العلة ليست علة النجاسة، وهذا يدلنا على أنه لا يجوز مطلقاً الصلاة في المقبرة، سواء كانت مقبرة جديدة أو قديمة، وسواء كانت مقبرة مسبلة أو غير مسبلة، فكل المقابر لا يجوز الصلاة فيها. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وهذا الحديث جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم موصولاً ومرسلاً، وهو صحيح عن أبي هريرة، أي الموصول قد رواه أحمد وغيره موصولاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قالت عائشة: لولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كرهت أن يتخذ مسجداً. وقال: إن من كان قبلكم كان يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم، أنهى عن ذلك. وهذا حديث جابر أو جندب، حديث جندب: قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يموت بخمس، أي بخمس ليال، يقول: ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك. قال: فهذا كله، فهذا كله يبين لك أن السبب ليس هو مظنة النجاسة، مظنة أي موضع النجاسة، ليس السبب أن المقبرة موضع نجس، هذا ليس سبباً أبداً، لم يأت في النصوص أن هذا هو السبب، وإنما الذي جاء في النصوص أنه حتى لا يتخذ القبر مسجداً. قال: وإنما هو مظنة اتخاذها أوثاناً، كما قال الشافعي رضي الله عنه: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجداً، مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس. سبحان الله، انظر إلى نص الشافعي، ومع أن الشافعية يخالفون من الذي يقول أن العلة النجاسة، هم الشافعية، والإمام الشافعي هنا ذكر أن العلة هي الفتنة، مخافة الفتنة، وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجداً. وأكره: الكراهة عند الشافعي المراد بها التحريم، على ما جاء في القرآن: وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان. قال: مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس. قال: وقد ذكر هذا المعنى أبو بكر الأثرم في ناسخ الحديث ومنسوخه، وغيره من أصحاب أحمد وسائر العلماء. فإن قبر النبي عليه الصلاة والسلام أو الرجل الصالح لم يكن ينبش، والقبر الواحد لا نجاسة عليه، إذا كان كما يقولون القصد هو النجاسة، وهناك قبر لا تنبش أصلاً، لأنها في مكان قوي أن تمر عليه آلاف السنين وهو لا يتحرك، يمر عليه مثلاً سنوات كثيرة، مئات السنين أقصد، وهو نفسه لا يتحرك، خاصة إذا كان في جبل، فلذلك فهذا مثل هذا غالباً ما ينبش، فمن أين تأتي النجاسة؟ قال: وقد نبه هو صلى الله عليه وسلم على العلة بقول: اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، وبقول: إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، فلا تتخذوها مساجد، وأولئك إنما كانوا يتخذون قبوراً لا نجاسة عندها. ولأنه قد روى أيضاً هذه علة أخرى أو سبب آخر لعدم الصلاة، ولأنه قد روى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها. أبو مرثد الغنوي، يقال اسمه كناز بن الحصين، يذكر أبو مرثد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها، الحديث في صحيح مسلم كما قلنا، فهذا أيضاً يدل على أنه لا يجوز الصلاة عند القبور، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنها. قالوا: لأنه صلى الله عليه وسلم قال: كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة، فجمع بين التماثيل والقبور. أنا تصوير هذه الصور أي بالتماثيل، صوروا تلك الصور أي تماثيل، وعكفوا عند القبور، عند هذه التماثيل، فلذلك خشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ قبره مسجداً فيمثل له صورة ثم يعكف عند هذه الصورة. قالوا أيضاً: فإن اللات كان سبب عبادتها تعظيم قبر رجل صالح كان هناك، كما جاء عن مجاهد، وعن ابن عباس كذلك. قالوا: قد ذكروا أن وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسر، أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح عليهم السلام، فروى محمد بن جرير بإسناده إلى الثوري عن موسى عن محمد بن قيس، وموسى بن عبيدة الربذي، قال: عن محمد بن قيس: ويعوق ونسر، قال: كانوا قوماً صالحين بين آدم ونوح عليهم السلام، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء قرون، دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر. معنى: إبليس زين لهم هذا، وأن آباءهم كانوا يعبدون هذه الأوثان، قال: فعبدوهم. قال قتادة وغيره: كانت هذه الأصنام يعبدها قوم نوح، ثم اتخذها العرب بعد ذلك. وهذا أيضاً في كلام ابن عباس الذي ذكره البخاري، واختلفوا في هذا الأثر الذي ذكره البخاري، هل هو من طريق عطاء بن أبي رباح أو عطاء بن أبي مسلم الخرساني؟ فعطاء بن أبي مسلم الخرساني لم يسمع من ابن عباس، وقد رواه عبد الرزاق من طريقه، لكن تؤيد هذا الأثر هذه الآثار عن جماعة من التابعين والصحابة. قال: وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي وقعت كثيراً من الأمم إما في الشرك الأكبر أو في ما دون الشرك، هذه العلة وهي اتخاذ القبور مساجد والغلو في هؤلاء، ولهذا قال بعض العلماء كالمعلم وغيره، وأيضاً الشيخ محمد بن عبد الوهاب: من أوسع أودية الباطل الغلو في الأفاضل، من أوسع أودية الباطل الغلو في الأفاضل، فيغلون في الصالحين حتى يجعلونهم أوثاناً تعبد من دون الله. قال: فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وبتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب ونحو ذلك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحاً أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله. يعني يقول: أنه قد يشرك بالقبر وهو أشد وأدعى إلى أن يشرك بتمثال. قالوا: لهذا تجد قوماً كثيرين يتضرعون عندها، أي عند القبور، ويخشعون، ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في المسجد، بل ولا في السحر، ومنهم من يسجد لها. أن تجد سبحان الله البكاء عليهم، وهذا شاهدناه، شاهدناه في بعض المقابر التي لهؤلاء القبورية، لنا مقبرة يسمونها مقبرة الفريط، وكذا في تريم، فإذا بعض الناس يجلس عند القبر وهو حزين ويبكي ويبكي لهذا صاحب القبر، هذا ويتخشع له، وهذا هو الذي خشيه النبي عليه الصلاة والسلام أن تجعل هذه القبور أوثاناً تعبد، ولهذا قال: اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، وحفظ الله عز وجل قبر نبيه، قال: اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. قال: فإن قال: فأن يشرك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله، ولهذا نجد أقواماً كثيرين يتضرعون عندها ويخشعون، ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في المسجد، بل ولا في السحر، يعبدون ويخشعون، وإذا جئت إلى وقت السحر هم نائمون، وفي المسجد لا يهون، لكن عند القبور تجد أنهم يخضعون لهذه القبور. قالوا: منهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال، بل يصرح بعضهم، بعض القبورية وبعض من تأثر بهم يصرح بأن الصلاة عند المسجد، عند القبر، أفضل من كذا وكذا مسجد، بل بعض تجرأ وقال: الصلاة عند القبر الفلاني، أي من أوليائه، يقول: أفضل من الصلاة في المسجد الحرام، أفضل من الصلاة في المسجد الحرام. وبعض يقول: أن بقعة النبي صلى الله عليه وسلم وقبر النبي أفضل البقاع في العالم وأعظم البقاع، فلذلك فهي أعظم من الحرم، فلذلك الصلاة عندها أعظم من أن يصلى في الحرم. انظر إلى هذا القياس المخدول، قياس باطل، يظن أنه يعظم النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه يخالف الشرع، فليس تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم في مخالفة الشرع. النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أن المسجد الحرام الصلاة فيه بألف صلاة، في المسجد النبوي الصلاة في المسجد الحرام بألف صلاة في المسجد النبوي، كيف تكون الصلاة عند القبر أفضل؟ القبر عند المسجد، فما دام أن المسجد النبوي يفضله المسجد الحرام، فمن باب أولى غيره. وأيضاً أن القبر ليس مكان محل للصلاة حتى يقال أن الصلاة عنده كذا وكذا. لكن هذه الجهل العظيمة التي جعلت هؤلاء تتعلق قلوبهم بالمقبورين، تعلق قلوبهم متعلقة بالمقبورين لا بخالقهم جل وعلا. طيب، قال: طيب، قال: قال: فهذه المفسدة التي هي مفسدة الشرك، كبيرة وصغيرة، هي التي حسم النبي عليه الصلاة والسلام مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقاً، على أن لا تكون ذريعة للشرك أو وسيلة للشرك. قال: وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، أنا لا يقال: إذا كان يقصد البركة فهذا لا يجوز، إذا كان لا يقصد البركة هذا يجوز، لا، بل منهي عنه الصلاة عند القبر، الصلاة إلى القبر، أو الصلاة في المقبرة منهي عنه، لا يجوز، بل ذهب جماعة من أهل العلم كأحمد على أنها باطلة، على أن الصلاة باطلة، الذي يصلي عند القبر صلاته باطلة، والذي يصلي في المسجد الذي فيه قبر صلاته باطلة، لأنه اتخذ هذا المسجد القبر مسجداً. قال: قال: وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد الثلاثة ونحو ذلك، يعني المساجد الثلاثة: الحرم المكي، والمدني، وكذلك الأقصى، مسجد الأقصى. قال: ونحو ذلك، ما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس واستوائها وغروبها، لأنها لو قاتل التي يقصد المشركون بركة الصلاة للشمس فيها، فينهى المسلم عن الصلاة حينئذ، وإن لم يقصد ذلك، سداً للذريعة. أنا يقول: لو قال الإنسان: ما أقصد أن أصلي عند غروب الشمس ركعتين، وإنما صليت بدون قصد، نقول: أيضاً حتى لو كان بدون قصد لا يجوز، لا يجوز أن تصلي عند طلوع الشمس وعند غروبها أو عند استوائها. قال: لأنها كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس واستوائها وغروبها، لأنها لو قاتل التي يقصد المشركون بركة الصلاة للشمس فيها، فينهى المسلم عن الصلاة حينئذ، وإن لم يقصد ذلك، سداً للذريعة. قال: فأما إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الأنبياء والصالحين متبركاً بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادة لله ورسوله، إذا تعمد هذا فهذا محادة، لماذا؟ لأن الله عز وجل حرم هذا وهو يراه أنه أفضل العبادات، فهذه محادة، والمحادة معنى المشاقة أو المعارضة. قال: فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالف لدينه، وابتداء دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أن الصلاة عند القبر، أي قبر كان، لا فضل فيها لذلك، ولا للصلاة في تلك البقعة مزية خير أصلاً، بل مزية شر، أن ليس فيها خير، ولو كان قبر النبي عليه الصلاة والسلام، لماذا؟ لأنه لم يأتَ خصيصة، بل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند القبور. واعلم أن تلك البقعة وإن كانت قد تنزل، تنزل عند الملائكة والرحمة، ولها شرف وفضل، لكن دين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي عنه، فإن النصارى عظموا الأنبياء حتى عبدوهم، وعبدوا تماثيلهم، واليهود استخفوا بهم حتى قتلوهم، والأمة الوسط عرفوا مقاديرهم. أنا هؤلاء وسط في اعتقاد في الأنبياء، النصارى عظموا الأنبياء حتى عبدوهم، اليهود قتلوا الأنبياء، وأما أهل السنة، وأما أهل الإسلام فهم أمة وسط، يعظمون الأنبياء بما لا يكون فيه غلو في منزلتهم. قال: عرفوا مقاديرهم، فلم يغلوا فيهم غلو النصارى، ولم يجفوا عنهم جفاء اليهود. أن كل غلو عند النصارى لا بد أن يجتنبه أهل الإسلام، ليس فقط أن يقال أنه أن عيسى ولد الله، كما قال البصير، زعم ادعته النصارى في نبيهم، واحكم في نبينا، واحتكم بأي شيء، أنك لا تقول: ابن الله، قل أي شيء، قل: أن الله أنه قياس أنه كذا، أنه كذا، أنه يستجيب المضطر، لكن لا تقول: أنه ولد الله. زعم ادعته النصارى في نبيهم، واحتكموا في نبينا، واحتكموا بأي شيء، تمدح النبي صلى الله عليه وسلم فيجوز، وسبحان الله هذا الأمر عند أرباب القبور جميعاً، أنا يجوز أن يمدح النبي صلى الله عليه وسلم بأي مدح، لكن لا تقول: أنه ابن الله مثل النصارى، فلذلك أن النهي الذي جاء على دين النصارى إنما فقط أن تقول: ابن الله، وأما عبادتهم وتعظيمهم، تعظيم العبادة، فهذا ما يعترفون به، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. قال: فإن النصارى عظموا الأنبياء حتى عبدوهم، وعبدوا تماثيلهم، واليهود استخفوا فيهم حتى قتلوهم، والأمة الوسط عرفوا مقاديرهم، فلم يغلوا فيهم غلو النصارى، ولم يجفوا عنهم جفاء اليهود. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله. قال: فإذا قدر أن الصلاة هناك توجب من الرحمة أكثر من الصلاة في غير تلك البقعة، كانت المفسدة الناشئة من الصلاة هناك تربو على هذه المصلحة، أو تزيد عليها حتى تغمرها، أو تزيد عليها بحيث تصير الصلاة هناك مذهبة لتلك الرحمة، ومثبتة لما يوجب العذاب. ومن لم تكن له بصيرة يدرك بها الفساد الناشئ من الصلاة عندها، فيكفيه أن يقلد الرسول صلى الله عليه وسلم، نبي صلى الله عليه وسلم ما ذهب إلى قبر أحد من الأنبياء. وأما بعض أرباب القبورية يأتون بكلام عندهم، يقولون: ما من نبي أرسله الله إلا وقلبه يحن لقبور الأولياء. انظر إلى هذه الفرية، أين الدليل على هذا؟ أين دليل على هذا الأمر؟ ليس هناك دليل أبداً. طالب: ولم يجف عنهم جفاء يهود. لهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله. فإذا قدر أن الصلاة هناك توجب من الرحمة أكثر من الصلاة إلى ما ذكر. قال: ومن لم تكن له بصيرة يدرك بها الفساد الناشئ من الصلاة عندها، فيكفيه أن يقلد النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه لو لا أن الصلاة عندها مما غلبت مفسدته على مصلحته، لما نهى عنه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما ينهى إلا عن ما كانت مفسدته خالصة أو راجحة. قال: كما نهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، وعن صوم يوم العيدين، بل كما حرم الخمر، فإنه لو لا أن فسادها غالب على ما فيها من المنفعة، لما حرمها، وكذلك تحريم القمار، ولولا غلبت الفساد فيها على المصلحة، لما حرمها. طيب، هذا بيّن الشيخ رحمه الله أن التعلق بالقبور هو دين اليهود والنصارى، واليهود مع أنهم يتعلقون بعزير وغيره، يقولون: ابن الله، إلا أنهم يقتلون الأنبياء، وأمة الإسلام أمة وسط، لا غلو ولا جفاء، فهذا ما يذكر الله تعالى على المؤمن. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر