الدرس في كتاب الحدود 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستهل الشيخ كتاب الحدود بتعريف الحد لغةً وشرعاً مبيناً أنه عقوبات مقدرة لجرائم محددة، ويوضح الحكمة من إقامتها كونها حياة للمجتمعات وطهارة للمرتكبين ورادعاً لغيرهم. يستدل بالآيات والأحاديث النبوية مؤكداً وجوب إقامتها على الجميع سواسية دون محاباة.
يبيّن المقطع أن إقامة الحدود حق لله يجب تنفيذه فور رفعه للإمام ويمنع الشفاعة فيها كما في قصة المرأة المخزومية، وأن الحدود كفارة لأصحابها ولا يقيمها إلا الإمام أو نائبه. كما يحث على ستر المسلم ونصيحته سراً ما لم يجاهر بالمعصية، ويذكر بداية قصة وفد عكل وعرينة.
يستعرض المقطع قصة العرنيين الذين قتلوا الراعي وسرقوا الإبل بعد استشفائهم، مبيناً أنها سبب لنزول آية الحرابة، ويوضح تعريف الحرابة لغةً وشرعاً. يذكر الشروط الأربعة التي اشترطها الجمهور لإقامتها وهي الخلاء والسلاح وأخذ المال مجاهرة والمنعة، ويناقش خلاف العلماء في عقوبات الآية.
يستعرض المقطع أقوال العلماء في عقوبة المحارب القاتل مؤكداً الإجماع على وجوب قتله سواء توفر التكافؤ أم لا، وأن العفو لا يسقط حد الحرابة. يبين أن الحد يقام على المباشر والمعين ويستثنى الصبي والمجنون، ويوضح أن التوبة قبل القدرة تسقط حد الحرابة فقط دون باقي الحدود.
يشرح المقطع تفصيل عقوبات المحاربين حسب فعلهم: من قتل وأخذ المال يُقتل ويُصلب، ومن أخذ المال فقط تُقطع يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبيل فقط يُعاقب بالنفي. يذكر خلاف العلماء في اشتراط النصاب في المال المأخوذ، ويختم بذكر اقتصار الدرس على حديث أنس بن مالك.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: مر معنا في الدرس الماضي الكلام حول خاتمة كتاب القصاص من "عمدة الأحكام" للإمام الحافظ أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي رحمه الله تعالى، وكم هي أهمية معرفة هذه الأحكام والمسائل المتعلقة بمثل هذه الجوانب: جانب القصاص والديات، وهكذا الحدود والجنايات وغيرها من الأبواب التي قلّما تدرس. تجد الطالب يدرس كتاب الطهارة، ثم يأتي على كتاب الصلاة، ثم الزكاة، فالصوم، فقد ينقطع عند الحج، قد ينقطع عند الحج، والبعض يكمل العبادات ولا يدخل في المعاملات، والبعض لربما يكمل المعاملات لكن يتوقف عند ما يتعلق به الحدود والديات والقضاء والجنايات وغيرها. ودائما نكرر أن من بركة الكتاب أن يكمله صاحبه؛ تشعر إذا أكملت بالفائدة والحصيلة والنفع من هذه الدراسة، من هذه الدراسة. ولهذا أيها الأحبة في الله ينبغي علينا جميعا أن نهتم وأن نحرص على التعرف على مثل هذه الأحكام. ذكر رحمه الله تعالى بعد كتاب القصاص ذكر كتاب الحدود، فقال رحمه الله تعالى: "قال: كتاب الحدود". كتاب الحدود، ومعنى كتاب الحدود: أي هذا مكتوب في بيان أحاديث تتعلق بأحكام ومسائل في الحدود. والحدود جمع حد، والحدود جمع حد، وأصل الحد هو المنع. الحد أصله المنع، وهو عبارة عن الشيء الذي يحجز بين شيئين، ما يحجز بين شيئين فيمنع اختلاطهما يسمى حدا. ومنه الحدود التي تحد للبيوت والمزارع والعقارات وغيرها لكي يمنع من تداخل إحداها في الأخرى. ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [البقرة: 229]، هكذا يقول الله تبارك وتعالى. وعرف العلماء الحدود شرعا أنها عبارة عن عقوبات مقدرة شرعا، عبارة عن عقوبات مقدرة شرعا، أي أن الشرع هو الذي قدرها وحددها لتمنع من الوقوع في هذه المعاصي، في هذه المعاصي، وهكذا أيضا لتكون مكفرة لصاحبها، لصاحبها. وهذا مما يدل على الحكم العظيمة التي جعلها الله عز وجل في هذه الشريعة، وجاء في الكتاب والسنة تعيين وتحديد عقوبات لجرائم معينة، هذه الجرائم تسمى جرائم الحدود: مثل الزنا، السرقة، القذف، شرب الخمر، وهكذا الحرابة يعني قطع الطريق وإخافة الآمنين، وهكذا البغي والردة وغيرها من الجرائم التي يترتب عليها إقامة الحدود على أهلها، على أهلها. وما أعظم الخير الذي ينال الناس إذا أقيمت هذه الحدود، إذا أقيمت هذه الحدود. سبق معنا في القصاص قول الله عز وجل: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾ [البقرة: 179]. لاحظوا قال: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾ مع أن القصاص يتضمن ماذا؟ الموت والقتل. لكن في قتل الجاني يكون حياة للآخرين، يكون حياة للآخرين، يكون أمانا للخائفين، يكون به حقن الدماء وحفظها. ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 179]، ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾. وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند النسائي وابن ماجه، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في "السلسلة الصحيحة" وغيرها: «حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا، من أن يمطروا أربعين صباحا». فهذا يدل على الفائدة العظيمة والخير الكثير الذي جعله الله عز وجل في ماذا؟ في إقامة هذه الحدود. زد على ذلك ما سبق الإشارة إليه أن في هذه الحدود طهارة لمرتكبي المعاصي، وآذاما. وهكذا أيضا يعتبر كفارة عن العقاب الأخروي الذي توعد الله عز وجل به هؤلاء المخالفين وهؤلاء الجناة، وهي كذلك أيضا تعتبر رادعة للآخرين: إذا قتل القاتل عمدا، إذا قطعت يد السارق، إذا جلد كذلكم أيضا شارب الخمر، أو جلد الزاني البكر، ورجم الزاني المحصن. هذا يا إخوان يكون رادعا وزاجرا للآخرين في أن يقعوا في مثل هذه المعاصي، وعندها لا تنتشر الشرور ولا يعظم الفساد في الأرض، وإنما يكون فيه طهارة ويكون فيه صلاح للمجتمعات. والعكس بالعكس، بالعكس: إذا فعل الجاني جنايته وارتكب العاصي معصيته ولم يعاقب، فهذا يجعل غيره يتجرأ على ارتكاب المعاصي وفعل الجرائم لأنه يعلم أنه لن يحاسب ولن يعاقب ويؤاخذ على هذه الجرائم التي يفعلها المجرمون، التي يفعلها المجرمون. ومما ينبغي أن يعلم أن الحدود ثابتة بالكتاب والسنة، وهكذا بإجماع العلماء، ويقتضيها القياس الصحيح، فهي تعتبر جزاء لما انتهكه المجرم وفعله العاصي من محارم الله تبارك وتعالى، من محارم الله تبارك وتعالى. واهتم العلماء ببيان هذه الحدود، فتقرأ في كتب الحديث وغيرها يعقدون أبوابا للحدود ويبينون الأحكام المتعلقة بذلك، يبينون الأحكام المتعلقة بذلك. ويجب يا إخوان إقامة الحدود على الجميع، على الجميع، سواء كان غنيا أو فقيرا، شريفا أو وضيعا، قريبا كان أم بعيدا. وقد جاء في حديث عبادة بن الصامت عند الإمام ابن ماجه، وحسنه غير واحد من أهل العلم ومنهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم، ولا تأخذكم في الله لومة لائم». وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة تلك المرأة المخزومية التي سرقت، قيل أنها كانت تأخذ المتاع وتجحده، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإقامة حد السرقة عليها. ما هو حد السرقة يا أبا محمد؟ حد السرقة ما هو؟ أه، حدّ الإشارة، أرى يدك تتقدم وتتأخر، أين الإشارة؟ أولا ما الذي يقطع اليد؟ من أين؟ نعم، من الرسغ، من الرسغ. ما هو الدليل؟ ما هو الدليل؟ أه، طيب يا أبا سعيد، ما هو الدليل أن السارق تقطع يده؟ لماذا لا يجلد أو يرجم؟ الجواب: لأن الشرع حدد العقوبة، وهي أن حده أن تقطع اليد. ما الدليل؟ طيب، أحسنت. نعم: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ﴾ [المائدة: 38]. طيب، ﴿ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾، كم تقطع؟ واحدة أو اثنتين؟ ﴿ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ واحدة. ولماذا التثني هنا؟ «أيديهما»؟ نعم، الرجل والمرأة. ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾، أي يد كل واحد منهما. وإذا أطلق اليد فيراد بها ماذا يا أبا جعفر؟ إذا أطلق اليد فيراد بها الكف إلى الرسغ، وإذا أريد الزيادة على هذا تقيد، كما في الوضوء: ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ [المائدة: 6]، لكن في التيمم أطلقت، وفي القطع في حد السرقة كذلك أطلقت، فدل ذلك على أنها إلى الرسغ. وهذا الذي دل عليه فعل النبي صلى الله عليه وسلم. تلك المرأة المخزومية من بني مخزوم، يعني بطن من بطون قريش، فنظروا من يراجع النبي صلى الله عليه وسلم فيها، فقالوا: ليس إلا من... إلا أسامة بن زيد، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه. فأتى أسامة يكلم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أمر المخزومية، فغضب عليه الصلاة والسلام، وهذا من المواضع التي اشتد فيها غضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «يا أسامة، يا أسامة، أتشفع في حد من حدود الله؟» وأي ما الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، وحاشاها يا إخوان، لكن قال: سرقت، لقطعت يدها. «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الوضيع أقاموا عليه الحد، وإذا سرق فيهم الشريف تركوه». هذا من أسباب هلاك من كان قبلنا. وهذا يدل على أن الحدود موجودة في من قبلنا من الأمم السابقة، من الأمم السابقة. وإذا رفع الحد والأمر إلى السلطان فلا يجوز الشفاعة. الشفاعة قبل أن ترفع القضايا إلى القاضي، إلى الإمام العام، وأما إذا كانت القضايا لا تزال بين الناس: قتل شخص آخر، أو حادث سرقة، جريمة زنا، إلى غير ذلك، فممكن شفاعات بين الناس تقوم، لكن متى ما رفع الأمر إلى السلطان وجب إقامة الحد ولا يجوز الشفاعة عندها. ويستحب يا إخوان يستحب الستر على المؤمن، فمن ستر مؤمنا ستره الله في الدنيا والآخرة. رأيت شخصا يزني، رأيت شخصا يزني، فما هو الحل؟ تذهب تبلغ، تشيع به وتنشر خبره بين الناس؟ الجواب: لا. تنصحه، تعظه وتخوفه، ثم تستره، ثم تستره. إلا فإذا كان الستر لا يليق بمثله، كأن يكون جريئا على الجرائم ولا يسمع ولا يستجيب للمواعظ، فمثل هذا إذا استطاع الإنسان أن يكف شره ويمنع جرائمه فليفعل، وإلا فالأصل أن الستر هو المطلوب. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين». المجاهرة يا إخوان هذه بلية، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث: «وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عليه، يكشف ستر الله عليه». وهذا للأسف الشديد هو حال البعض من الناس، هدان الله وإياهم. الحدود كما سبق تعتبر كفارة لأصحابها. جاء في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس، فقال: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا»، وقرأ الآية كلها، قال: «فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا» يعني سرق، زنا، إلى غيره، «ومن أصاب... ومن أصاب من ذلك شيئا» أي من الذنوب والمعاصي التي يترتب عليها إقامة الحد، قال: «فعوقب به فهو... فهو كفارته». سرق فقطعت يده، هذه كفارة له. زنا أقيم عليه حد الزنا، شرب الخمر أقيم عليه حد الخمر، إلى آخرها. قال: «ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه، لم يطلع عليه أحد ولم يرفع أمره إلى السلطان، قال: فستره الله عليه، قال: فهو إلى الله» أي تحت مشيئة الله، «قال: إن شاء غفر له وإن شاء عاقبه، وإن شاء عاقبه». أكد يقول النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث عبادة متفق عليه. وهنا أمر هام جدا، ألا وهو: من الذي يقيم هذه الحدود؟ إذا وجدنا شخصا يسرق، أو وجدنا شخصين يزنيان، اجتمعنا أربعة: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، ورأينا الحادثة واضحة، رأينا الزنا عيانا. طيب، هل نأخذ البكر فنجلده والثيب فنرجمه؟ الجواب: لا. إقامة الحدود هذه تكون للإمام، ليس إمام المسجد، وإنما إمام المسلمين: الحاكم أو نائبه، محافظ، وزير، يعني من وكل بهذا الأمر، آماذا قاضي وحيل له الأمر، فهم الذين يقيمون الحدود، هم الذين يقيمون الحدود. لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو الذي يقيم الحدود، وهكذا بعد وفاته كان الخلفاء الراشدون يقيمونها. وأناب النبي صلى الله عليه وسلم غيره في إقامة الحدود كما سيأتي معنا: قال: «اغدُ يا أنيس لرجل من أسلم إلى امرأة هذا، فإن أقرت فأقم عليها الحد، إن أقرت فأقم عليها الحد». وذكروا أنه يجوز للسيد أن يقيم الحد على مملوكه، على مملوكه. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا زنت الأمة، يعني المرأة المملوكة، فتبين زناها، فليجلدها الحد، أي سيدها، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها»، أي لا يعنف عليها. قال: «ثم إن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فليبعها، ولو بحبل من شعر، ولو بحبل من شعر». والحديث متفق عليه، وسيأتي معنا كذلك ضمن أحاديث كتاب الحدود. قال رحمه الله تعالى: قال عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم ناس من عكل أو عرينة، وهما من القبائل المعروفة، من قبائل العرب المعروفة المشهورة. فعكل قبيلة عدنانية، والعرب في الجزيرة العربية إما أن يكونوا من بني عدنان، وإما أن يكونوا من بني قحطان. بنو عدنان هم من كانوا في وسط الجزيرة العربية وشمالها، وشمالها، وبنو قحطان هم من كانوا في جنوب الجزيرة العربية: اليمن، عمان، وأنحاء إلى ما يقرب من الحجاز. فهؤلاء من بني قحطان، من بني قحطان، وبنو عدنان من مكة فالشمال، الحجاز، وهكذا أيضا نجد ونواحي من تهامة، شمال تهامة، فهؤلاء من بني عدنان. النبي صلى الله عليه وسلم كان من بني عدنان أو من بني قحطان؟ طيب، بالإجابة: النبي صلى الله عليه وسلم كان من بني عدنان أو من بني قحطان؟ ها، نعم، نعم، من بني عدنان، عليه الصلاة والسلام. فعكل هذه قبيلة عدنانية، وهم من ولد عوف بن إياس بن خيس بن عوف بن عبد مناة، وغلب عليهم، غلب عليهم هذا اللقب: عكل، غلب عليهم هذا اللقب عكل، وهو نسب إلى امرأة حضنت أحد أجدادهم يقال لها عكل، فنسبوا إليها. وأما عرينة فهي بطن من قبيلة بجيلة، من قبيلة بجيلة، ومن بجيلة جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه. قال: قدم ناس من عكل أو عرينة، فاجتووا المدينة. ومعنى اجتووا المدينة: أي أن جوها لم يناسبهم، وأنه ماذا؟ انتشر فيهم المرض، وهو داء يسمى الجوى، وهو يكون في الجوف. وهذا المرض قيل هو نفسه الذي يسمى بالاستسقاء. ومعنى ذلك أنهم أصابهم مرض لعدم توافقهم لطبيعة المدينة، كرهوا البقاء فيها، كرهوا البقاء فيها. وابن القيم رحمه الله تعالى في "زاد المعاد" بيّن أن هذا المرض كان الاستسقاء، وأنهم قالوا: إنا اجتوينا المدينة، فعظمت بطوننا وارتهشت أعضاؤنا. الاستسقاء يجعل البطن كبيرة بسبب المياه التي فيها، ويجعل الأعضاء كذلك أيضا يصيبها شيء من الضعف. ولهذا ذكر ابن القيم رحمه الله أن الاستسقاء مرض عادي سببه مادة غريبة باردة تتخلل الأعضاء فتربو لها الأعضاء، تتضخم. سبب هذه المادة: قال: إما الأعضاء الظاهرة كلها، وإما المواضع الخالية من النواحي التي فيها تدبير الغذاء والأخلاق. قال: وأقسامه ثلاثة، أي الاستسقاء: قال: لحمي، وهو أصعبها، وزرقي، وطبلي، إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى في المجلد الرابع من "زاد المعاد". فقد توسع في ذكر ما يتعلق بالطب النبوي، ومن يقرأ الطب النبوي من "زاد المعاد" يشعر أنه في جامعة طبية، وهكذا يخرج بفوائد علاجية وغيرها من هذه الفوائد العظيمة. فـ"زاد المعاد" يعتبر موسوعة عظيمة، أحسن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في تصنيفه. قال: فاجتووا المدينة، قال: فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بلقاح، واللقاح هي الحلوب من الإبل، الحلوب من الإبل. قال: وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها. وهذا علاج نافع، بول الإبل، وهكذا لبن الإبل علاج نافع، وقد يخلط اللبن بالبول، اللبن بالبول. ولبن الإبل يا إخوان له فوائد عظيمة، حتى أن بعضهم يسميه آماذا: الذهب الأبيض، الذهب الأبيض، لنفاسته وفائدته. قال: فانطلقوا، فلما صحوا خرجوا إلى لقاح، وإبل الصدقة، وجعلوا يشربون من ألبانها وأبوالها، فصحت أبدانهم. قال: فلما صحوا قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا النعم، يعني الإبل، أخذوها. قال: فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جئ بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف. إيش معنى تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف؟ قال: تقطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، أو اليد اليسرى مع الرجل اليمنى. هذا معنى قولهم: من خلاف. تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف. قال: فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمرت أعينهم، أتي بالحديد فأحمي على النار ثم وضع في أعينهم. قال: وسمرت أعينهم، وتركوا في الحرة يستسقون فلا يسقون. والحرة هي الأرض التي يكون فيها حجارة سوداء، وبالمدينة حرة: حرة شرقية وأخرى غربية. قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله. قال: أخرجه الجماعة. قال: اجتويت البلاد إذا كرهتها وإن كانت موافقة، واستوبأتها إذا لم توافقك. وهذا الحديث يتعلق ببيان حد من الحدود الشرعية، ألا وهو حد الحرابة وقطع الطريق وإخافة الآمنين من المارين وغيرهم. فهذا الحديث يتحدث عن هذا الحد الذي بيّنه هذا الحديث، وهكذا أدلته من الكتاب العزيز. والحرابة وهي قطع الطريق، كما بيّنها أهل العلم، أنها تعتبر من الجرائم التي توعد ربنا عز وجل أهلها بأشد الوعيد، فقال ربنا عز وجل: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [المائدة: 33-34]. أكد يقول الله تبارك وتعالى. والحرابة هي خروج طائفة، مسلمة كانت أو غير مسلمة، في دار الإسلام لإحداث الفوضى وسفك الدماء وسلب الأموال وانتهاك الأعراض وإهلاك الحرث والنسل، متحدية بذلك الدين الإسلامي والأخلاق والأنظمة والقوانين وغيرها، فهي تعتبر من أعظم الجرائم التي توعد ربنا عز وجل، وهكذا نبينا صلى الله عليه وسلم أهلها بأشد العقوبات. وأكثر أهل العلم على أن قطع الطريق وإقامة الحد على أهله يشمل المسلمين وغير المسلمين، وهذا هو قول ابن عباس وغيره، وهكذا قال به أصحاب المذاهب الأربعة، لعموم الآية، لعموم الآية، ويدخل فيها الكفار، فيقبل منهم التوبة قبل القدرة عليهم. وهكذا أيضا ذكروا بعدها، وهكذا ذكروا بعدها، ونقل عن ابن عمر والحسن وعطاء أنها نزلت في المرتدين، فسبب نزولها في العرانيين، أي الذين ذكروا في الحديث السابق، وكانوا قد ارتدوا بعد إسلامهم، بعد إسلامهم. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو القاعدة عند أهل العلم. وذكر العلماء ضابطا لهؤلاء المحاربين الذين يقام عليهم حد الحرابة، فذكروا العلماء لهم شروطا، فمن هذه الشروط: قالوا أن يكونوا في الخلاء، يعني خارج البلاد، خارج القرية، خارج المدينة، فيكون خارج المصر، لأنهم في المصر فماذا؟ غالبا لا تكون لهم تلك القوة، وكذلك أيضا لا تكون لهم تلك المنعة، سرعان ما يقضى عليهم، لكن هم يستغفلون الناس خارج البلدان، خارج البلدان. وهذا شرط اشترطه جماعة من أهل العلم، ولم يرتض ذلك بعض العلماء كالأوزاعي والليث والشافعي وأحمد في رواية عنه، وهكذا غيرهم من أهل العلم، وهكذا غيرهم من أهل العلم. الشرط الثاني: قالوا أن يكون معهم سلاح، أن يكون معهم سلاح. فإذا لم يكن معهم سلاح فليسوا بمحاربين. لو قطعوا الطريق بالأيدي يضربون ويلكمون ونحو ذلك، فليسوا بمحاربين. وذكر الإمام ابن قدامة قال: ولا نعلم في هذا خلافا، أي بين أهل العلم، أنهم لا يعتبرون محاربين. وإذا كان معهم عصي وحجارة فقطعوا بها الطريق، خرجوا وليس معهم أسلحة، معهم عصي، معهم حجارة، وغيرها غير السلاح، فذهب أحمد والشافعي وأبو ثور إلى أنهم يعتبرون كذلكم أيضا محاربين، إذا كان معهم عصي، حجارة، إلى غيرها. فمذهب جماعة من أهل العلم أنهم محاربون. الشرط الثالث: قالوا أن يأخذوا المال مجاهرة وقهرا، أي غصبا، أي غصبا. فهؤلاء يعتبرون محاربين، يعتبرون قطاع طريق، يقام عليهم حد الحرابة. وأما إذا أخذوا الأموال خفية وخلسة، فهؤلاء يسمون سراق، هؤلاء سراق. وهكذا أيضا إذا اختطفوا الأموال وهربوا فهم مختلسون ومنتهبون. أما الذي يقام عليه حد الحرابة فأن يأخذ المال مجاهرة، وهكذا قهرا من صاحبه. شرط رابع ذكره جماعة من أهل العلم، منهم ابن قدامة في "المغني" وغيره: أن تكون لهم منعة، أن تكون عندهم منعة وقوة. فهنا، هنا يعتبرون محاربين، قطاع طريق، يقام عليهم حد الحرابة، حد الحرابة. وماذا جاء في العقوبات التي يعاقب بها هؤلاء المحاربون؟ كما في قوله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ﴾. اختلف العلماء في هذه العقوبات المذكورة في الآية: هل هي للتنوع أم أنها للتخير؟ وسبب هذا الاختلاف اختلافهم في "أو" وما تفيده ها هنا. فمن قال أنها للتخير، قالوا: الإمام يجتهد في فعل ما يستحقه قاطع الطريق من هذه العقوبات. قالوا: الإمام يجتهد، إما أن يقتلهم، أو يصلبهم، أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفيهم من الأرض، فهو يجتهد في ذلك. وهذا رجحه أبو محمد بن حزم، وهكذا الشوكاني اليماني، وغيرهما. والذي عليه الجمهور من أهل العلم أن "أو" ها هنا إنما هي للتنوع، وليست للتخير. الجمهور من أهل العلم على أنها للتنوع، وليست للتخير. فمن قتل يقتل، ومن قتل وأخذ المال، قال: يقتل، وهكذا يصلب، يقتل، وهكذا أيضا يصلب. ومن أخذ المال فقط ولم يقتل، فهذا تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، يعني تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، هذا معنى قولهم: من خلاف. وإن... وإن أخاف السبيل ولم يأخذ مالا ولم يقتل أحدا، فهؤلاء ينفون في الأرض. هذا الذي روي عن ابن عباس. وماذا الإسناد إلى ابن عباس؟ ذكر بعض العلماء أنه لا يصح، كما في "الإرواء" للعلامة الألباني رحمه الله تعالى. لكن هذا قول الجمهور، هو قول الشافعي وأحمد وإسحاق والليث وقتادة وغيرهم. قالوا: لأن الله تعالى رتب العقوبات بالأغلب فالأغلب، فدل على عدم إرادة التخير، على عدم إرادة التخير. وكون من قتل يقتل، هذا يا إخوان فيه إجماع أهل العلم أن من قتل يقتل. هذا نقل عليه الإجماع، نقله ابن المنذر رحمه الله تعالى، وعنه نقله كذلك أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في كتابه "السياسة الشرعية". من قتل لا يقتل... لكن انتبهوا: لو عفى أهل المقتول عن القاتل، قالوا: لا يقبل العفو، وإنما يقتل الذي قطع الطريق وقتل. هذا يقتل، ولو عفى أولياء الدم عن القصاص وقبل الدية، فهنا ماذا؟ يقام عليه حد القتل، لأنه ماذا؟ قطع طريقا وقتل معصوما، وقتل معصوما. أيضا ذكروا أنه لو كان القتل مع عدم وجود التكافؤ، نحن مرة معنا شروط القصاص، فلو لم يتوفر شروط القصاص، مثلا: قتل حر عبدا، يقتل. قتل مسلم ذميا أو مستأمنا، والذمي والمستأمن كافر، ولا يقتل مسلم بكافر. لكن هنا في باب قطع الطريق وحدود الحرابة، يقتل المسلم إذا قتل معاهدا أو مستأمنا إلى غيره، قتل. والد ولده، الأصل أنه لا يقتل، لكن هنا يقام عليه الحد، حد الحرابة، ألا وهو هنا القتل. وهذا رجحه جماعة من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، كما في "السياسة الشرعية"، كما في "السياسة الشرعية". وذكر العلماء أن عقوبة المحاربين تشمل المحارب نفسه، وتشمل من يعينه في ذلك. لو أن مجموعة تقتل، ومجموعة تحرس وتحمي المقاتلين وتساعدهم وتعينهم، قال العلماء: يقتل الجميع، الذي باشر القتل، والذي ساعد وحمى، والذي ساعد وحمى، فكلهم يقتلون. وهذا هو قول الجمهور، خلافا للإمام الشافعي رحمه الله تعالى الذي قال: يقتل المباشر، ويعزر الآخرون، كما في القتل الأخرى. الآن لو أتى رجلان، أمسك أحدهما شخصا، وأتى الثاني بسكين وطعنه. حد القتل يقام على القاتل المباشر، والمساعد له هذا يعزر، هذا يعزر. الشافعي يقول: القاتل يقتل، أي المباشر، وغير المباشر يعزر، كما في صور القتل الأخرى. والصحيح هو ما ذهب إليه الجمهور من أهل العلم، وهذا رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكر أنه المأثور عن الخلفاء الراشدين. ولأن المباشر إنما تمكن، إنما تمكن من القتل بقوة من، بقوة ذلكم المعين والمحامي، والمحامي. فلهذا قالوا: في حد الحرابة يقام الحد على المباشر، وعلى المحامي له، والمعين له، كلهم يقتلون. وهذا قول الجمهور من أهل العلم. طيب، مرة معنا في القتل، في أن النفس بالنفس في القصاص، أن القاتل إذا كان مجنونا أو صبيا، ماذا يفعل به؟ مجنون قتل شخصا، أخذ سكين وطعنه حتى مات. صبي دون البلوغ قتل آخر، ماذا يفعل به؟ يا أبا جعفر: لا يقام عليه حد القتل. طيب، لو كان في هؤلاء المحاربين صبي أو مجنون، هل نقيم عليهم الحد مع المجموعة كلها؟ يا أبا جابر: نعم، يقام عليهم الحد، حد الحرابة. طيب، ورفع القلم عن ثلاثة، ما هو؟ صاحي حد الحرابة يستثنى. طيب، أحسنت. لكن هنا يا إخوان، آه، ماذا؟ لا يختل... الصبي والمجنون لا يقام عليهم الحد، وإنما يقام على الآخرين من العقلاء والبالغين، يقام على المكلفين. أما مجنون، صبي، فلا يقام عليهم الحد. وهذا أيضا هو قول الجمهور من أهل العلم، خلافا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى الذي قال بماذا؟ قال: لا يقام الحد على الباقين، وإنما يصير أمرهم إلى أولياء الدم، فيخيرون بين القصاص وبين العفو. أبو... أبو حنيفة ماذا يقول؟ لا يقول أن المجنون والصبي يقتلون مع البقية، لا يقول البقية من العقلاء والبالغين لا يقتلون، لا يقتلون، وإنما الأمر يرجع إلى أولياء الدم، فيخيرون بين القصاص وبين العفو، وبين العفو. ولا شك أن قول الجمهور هو الصواب، والله تعالى أعلم. وأن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة هؤلاء العرانيين الذين قتلوا الراعي ونهبوا الإبل وارتدوا بعد إسلامهم، لم يخير أولياء الدم في إقامة الحد عليهم. طيب، لو كان في المحاربين امرأة، امرأة خرجت مع القوم تقطع الطريق، وماذا؟ وألقي القبض عليها معهم، فأيضا يقام عليها الحد، يقام عليها الحد. فإذا ماذا؟ فالحد يقام عليهم. وذكر العلماء أن من تاب قبل أن يلقى القبض عليه، كما في قوله عز وجل: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾، هنا إذا تاب أحدهم قبل أن يقبض عليه، فلا يقام عليه حد الحرابة، وإنما يسقط عنهم، ويبقى عليهم حد القصاص في النفس، وهكذا الجراح، وهكذا غرامة المال، وأدية فيما لا قصاص فيه، هذا يبقى. أما حد الحرابة الذي سبق، يسقط عنهم إذا ماذا؟ إذا تابوا قبل أن يلقى القبض عليهم. بقي الحدود الأخرى، مثلا: زنوا بالنساء، وسرقوا الأموال. إذا تابوا من ذلك، قالوا: نتوب إلى الله، كم من امرأة اغتصبناها، وكم من مال نهبناه؟ طيب، هل يبقى عليهم شيء؟ يقام عليهم حد الزنا، أو يقام عليهم حد السرقة؟ خلاف بين العلماء. فمن أسقط، فمنهم من أسقط، كالحربة، كما أسقط حد الحرابة، وهذا هو قول الشافعي، ورواية عن أحمد. والأكثرون على عدم سقوطه بذلك: زنوا، قالوا: يقام عليه حد الزنا. سرقوا، يقام عليه حد السرقة. وهذا قول الأكثرين من أهل العلم: مالك، وأبي حنيفة، وهكذا أيضا هو الأشهر في مذهب أحمد، وهو كذلك أيضا قول للشافعي رحمه الله تعالى. وسدل على ذلك بعدم الدليل على إسقاط هذه الحدود، هذه الحدود، وأن الأدلة عامة، الأدلة الواردة في إقامة الحد عامة، تشملهم وتشمل غيرهم. وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام الحد على بعض الصحابة بعد أن اعترفوا وتابوا، مثل ماعز رضي الله عنه، سيأتي معنا حديثه، تاب، ومع ذلك أقام عليه الحد، ما قال: أنك حين تبت فمعفو عنك في الحد. وهكذا فيما يتعلق بالمرأة الغامدية، أقام النبي صلى الله عليه وسلم عليها الحد. إذن، من تاب قبل أن يقدر عليه، يسقط عنه حد الحرابة، ويبقى ما إذا كان هناك أمور أخرى: كزنا، واقتصاب، كسرقة ونهب، كأيضا قتل لأنفس بريئة. فهنا ماذا؟ فهنا يقام عليه تلك الحدود، تلك الحدود. ويتلخص لنا مما سبق في العقوبات التي يستحقها قطاع الطريق ما يلي: أولا: إذا قتل، ماذا يفعل به؟ يقتل. وهذا بالإجماع كما سبق معنا، نقله ابن المنذر، وهكذا أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية، رحم الله الجميع. الأمر الثاني: أن إذا قتل وأخذ المال، فالجمهور من أهل العلم على أنهم يصلبون مع القتل، يصلبون مع القتل. كيف يصلبون؟ يصلب أحدهم ثم يقتل، ثم يقتل مصلوبا، ثم يقتل مصلوبا. وماذا؟ اختلف العلماء: هل يصلب ثم يقتل، أو يقتل ثم يصلب؟ قال العلامة العثيمين رحمه الله تعالى: قال: وينبغي أن ينظر القاضي إلى المصلحة، فإن رأى القاضي أن المصلحة أن المصلحة أن يصلب قبل أن يقتل، فعلا أن يصلب قبل أن يقتل، فعلا.كذا ذكر رحمه الله تعالى. إذا إذا قتل وأخذ المال، فهذا يصلب ويقتل. الحالة الثالثة: أن يأخذ المال ولا يقتل أحدا، يأخذ المال فقط ويطلق سراح الناس. فهنا ماذا يفعل بهم؟ أحسنت: تقطع اليد والرجل، تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. يا أبا النعمان، ما معنى "من خلاف"؟ تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى. فهنا ماذا؟ إذا أخذوا المال ولم يقتلوا، فتقطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، وهذا معنى قوله سبحانه: ﴿ مِنْ خِلَافٍ ﴾، من خلاف. واختلف العلم: هل يشترط أن يكون المال الذي أخذ يعني يبلغ النصاب أم لا؟ فاشترطه بعضهم قياسا على السرقة، وبعضهم لم يشترطه لعدم النص الذي يدل على تقييده بماذا؟ بنصاب حد السرقة. أخيرا: أنهم إذا لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا، وإنما أخافوا الناس، وإنما أخافوا الناس، فالجمهور من أهل العلم على أنهم ينفون، على أنهم ينفون. واختلفوا في نفيهم، ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم من أهل العلم أن ذلك يرجع إلى ما يراه الإمام والحاكم مناسبا. فهذه بعض المسائل وبعض الأحكام المتعلقة بهذا الحديث، وبهذا الحد الذي هو حد الحرابة. كم حديثا أخذنا يا أبا العباس؟ كم حديثا أخذنا؟ كم حديثا أخذنا؟ إياك أن تغالط. كم حديثا أخذنا؟ كم حديثا؟ حديثا واحدا. حمزة: واحدا. حديث من... حديث من... أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. يأتي معنا في الدرس القادم تتمة لما يتعلق بأحاديث الحدود. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.