الدرس في كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الشارح كتاب البيوع ببيان سبب تقديمه في المعاملات، ثم يشرح تعريف البيع لغةً بأنه مبادلة تأخذ وتعطي، وشرعاً بأنه مبادلة مال أو منفعة مباحة بعوض مثله على التأبيد. ويوضح أن المال يشمل كل ذي قيمة نقداً أو منقولاً، وأن العوض قد يكون حالاً أو في الذمة مع أمثلة على بيع الأعيان والمنافع.
يوضح المقطع أن البيع يشترط فيه التأبيد فيخرج الإجارة لكونها انتفاعاً مؤقتاً، كما يخرج الربا لمبادلة المال بمال بتفاضل محرم، ويخرج القرض لقصد الإحسان لا المعاوضة. فالبيع قوامه المعاوضة والتأبيد بخلاف القرض الذي يحرم فيه أي نفع زائد.
يشرح الشارح أقسام العقود الثلاثة: عقود المعاوضة كالبيع والإجارة التي تتضمن تبادل المنافع، وعقود التوثيق كالرهن والضمانة التي تهدف إلى ضمان الحقوق، وعقود التبرع كالقرض والهبة والوصية والصدقة التي لا يُرجى منها عوض. ويبين خصائص كل قسم والغرض منه.
يذكر المقطع أن أول أركان البيع هو وجود عاقدين اثنين هما البائع والمشتري، ولا يصح البيع إلا بهما، ولا يجوز أن يكون الشخص الواحد بائعاً ومشترياً في آن واحد. ويؤكد ضرورة وجود طرفين متميزين لصحة العقد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وبركاته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه "منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين": قال: "كتاب البيوع". بعدما انتهى من كتاب أو من كتب العبادات، شرع في الكلام على كتب المعاملات، وبدأ بأول كتاب في المعاملات بكتاب البيوع؛ لأن العابد يحتاج إلى الأكل والشرب ومنافعه الدنيوية، وهذا أول ما يكون بالبيع، فلذلك يبدأ العلماء في أول كتب المعاملات بكتاب البيوع. والكتاب بمعنى المكتوب، هذا المكتوب في أحكام البيوع. والبيوع هو جمع بيع، والبيع لغة: أخذ شيء وإعطاء شيء، وسمي في اللغة بيعا من الباع، الباع وهو: لأن كل من الآخذ والمعطي يمد يده، يمد يده، طيب، فمد اليد هو الباع، مد اليد هو الباع، فسمي باعا، وسمي بيوع من هذا الباب. والبيع شرعا: قال هنا الشارح: البيع شرعا هو مبادلة مال ولو في الذمة أو منفعة مباحة كما مر في دار، بمثل أحدهما على التأبيد غير ربا وقرض. ما معنى هذا التعريف؟ نشرح هذا التعريف كلمة كلمة. قوله هنا: "مبادلة مال"، فالمال هنا يطلق في هذا الموضع على كل شيء له قيمة، ليس المراد بالمال النقد فقط، لكن كل شيء له قيمة، سواء كان نقدا مثل الذهب والفضة والأوراق النقدية، أو كان منقولا كالكتب والأقلام والبهائم والأمتعة ونحو ذلك. فقد أنا أقول لك مثلا: أبيعك هذا الكتاب بهذا الكتاب، هذا يعتبر بيع. أنا معاي نسختين من هذا الكتاب، أريد نسخة من هذا، وأنت معاك نسختين ما تريد تهديلي وما أريد أهديلك، فأنا أشتري منك هذا الكتاب على أن تشتري مني هذا الكتاب، هذا يعتبر بيع، تمام، يعتبر بيع. فهو كما ذكر: مبادلة مال، فقد يكون البيع بنقد، وقد يكون بشيء منقول أو شيء كذلك غير نقد كما تقدم، فهذا معنى مبادلة مال. طيب، معاي مثلا ألف ريال أشتري به مثلا رز أو دقيق، هذا يسمى بيع، مبادلة مال بمال، مبادلة الدراهم بإيش؟ بالطعام، الدراهم بالطعام، هذا أيضا مبادلة مال بمال. قلنا الطعام يسمى مالا، طيب، فهذا هو مفهوم المال في هذا التعريف. وقوله: "ولو في الذمة"، يعني: ولو كان العوض هذا ليس عاجلا وإنما هو آجلا في الذمة، يعني دين بدين. فمثلا: أنا أقول لك يا صاحب الدكان: أنا الآن ما عندي نقد، ما عندي مال، وأحتاج إلى رز، أعطني هذا الكيس الرز إلى أن يتوفر معي المال، فهذا يسمى بيع، يكتب عليك في الورقة في الدفتر: هذا الكيس الرز بخمسة آلاف، هذا بيع واضح، سواء كان المبادلة في الحال أو المبادلة في الذمة، في الذمة يعني: بالدين. أو منفعة مباحة كما مر في دار بمثل أحدهما، مثلا على سبيل المثال: أنت وإخوانك ورثتم بيتا، ورثتم بيتا، فقسمتم هذا البيت، فصار من نصيبك هذا الممر، وأخوك من نصيبه هذا الممر، لكن أنت يناسبك أن تأخذ هذا الممر لأنه مثلا بالقرب من بيتك أو من غرفتك، وأخوك يناسبه ذاك الممر، فكونك تبيع له هذا الممر بذاك الممر، هذا أيضا يسمى ماذا؟ يسمى بيع. طيب، فهي كما تقدم: مال، هذا الممر مال، يعد ماذا؟ يعد مالا، أو منفعة، يعني معنى أنك تنتفع من هذا ولو لم يكن فيه عطاء، ولو لم يكن فيه عطاء. قال: "على التأبيد"، أرادوا من قولهم "على التأبيد" احترازا من الإيجارة، فالإيجارة مبادلة مال بمال، لكنها ليست على سبيل التأبيد. مثالها: أقول مثلا: أشتري هذا البيت لمدة سنة، هذا لا يعد شراء، هذا يعد إيجارة، أنا أريد أن أستخدم هذا البيت لمدة سنة، قال: طيب، في الشهر 200 ريال سعودي، هل هذا يسمى بيع؟ لا، لأنك ما ملكت هذا البيت، إنما أنت تنتفع به، مع أنها مبادلة مال بمال، ما هو المال بمال؟ النقود والعقار، هذا العقار يعد مالا لأن قلنا المال المراد به ها هنا كما تقدم: كل شيء له قيمة، كل شيء له ماذا؟ قيمة، هل البيت هذا له قيمة؟ نعم له قيمة، فهو يعد ماذا؟ يعد مالا، يعد مالا. فهذا معنى قولي: "على التأبيد"، البيع لابد أن يكون على التأبيد، فخرج بذلك الإجارة لأنها مبادلة مال بمال لكن ليست على التأبيد، إنما على يعني غير التأبيد، وإنما لأجل مسمى. قال: "غير ربا وقرض"، ومعنى "غير ربا": يعني ليس من البيع الربا، لأن الله عز وجل فرق بينهما، اليهود تقول: البيع هو الربا هو البيع، فرد الله عز وجل عليه، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وحرم الربا، مع أن الربا مبادلة مال بمال، أقول مثلا على سبيل المثال، على سبيل المثال: أقول: أعطيك هذا الكيس من التمر بكيسين من التمر ولو كان رديا، هذا يعد ربا، صح، مع أنه مبادلة مال بمال، لكن هل هو بيع؟ ليس ببيع، ليس ببيع، لأنه لا يجوز التفاضل في هذه الأموال الرباوية كما سيأتي معنا في باب الربا، واضح، فهنا يخرج كذلك الربا. قال: "وقرض"، المراد بالقرض هنا: الاستدانة، لأن الاستدانة هي مبادلة مال بمال، جاء: أقول لك مثلا: أعطيني درهما في الذمة، سأرده لك بعد شهرين بدرهمين، هذا مثل البيع في الذمة، صح، مثل البيع في الذمة، فهو مبادلة مال بمال، لكنه قرض، لكنه قرض يعني: دين، ولو لم يكن فيه ربا، ولو لم يكن فيه ربا، لو قلت له مثلا: أعطني مثلا عشرين ألفا، سأردها لك بعد شهر، هذا مبادلة مال بمال، أنت أعطيتني المال، أنا سأرد لك هذا المال، لكن هذا لا يسمى بيع، لماذا؟ لأنه قرض. والفرق بين البيع والقرض: أن البيع فيه عوض، أن البيع فيه ماذا؟ فيه عوض، أما القرض فليس فيه عوض، وإنما القرض هو من باب الإحسان، من باب الإحسان، ليس من باب المنفعة، ولذلك القرض إذا وجدت فيه المنفعة صار ربا، صح، إذا وجدت فيه المنفعة صار ربا، أي قرض جر نفعا فهو ربا، واضح، فالقرض إنما هو من أجل ماذا؟ من أجل الإحسان، من أجل الإحسان، وليس من أجل العوض، بخلاف البيع، البيع فيه معاوضة، البيع فيه ماذا؟ فيه معاوضة، فالقرض لا يسمى بيعا وإن كان فيه مبادلة، لأن القصد من الغرض من القرض هو الإرفاق والإحسان، والبيع القصد منه المعاوضة، القصد منه المعاوضة، فيجوز لك في البيع مثلا: إذا اشتريت هذا الكتاب بألفين، يجوز لك أن تبيع بثلاث آلاف، صح، لأن هذا بيع، تمام، لأن هذا بيع، فالبيع يجوز فيه الزيادة، لكن القرض لا يجوز فيه الزيادة، واضح هذا الآن. ثم ذكر أركان البيع وشروطه، وهنا الشارح قسم العقود إلى ثلاثة أقسام، قال: أقسام العقود: عقود المعاوضة كالبيع والإجارة، هذا فيه معاوضة، ومعنى المعاوضة يعني: الفائدة والكسب في هذا البيع، والكسب في هذا البيع، هذا معنى المعاوضة، فالبيع: تشتري الكتاب بألفين، تبيع بثلاثة آلاف، هذا حصل فيه معاوضة، الإجارة كذلك: تؤجر هذا البيت في الشهر بمائتين ريال سعودي، هذا فيه معاوضة، فحصلت هذا المال مقابل الانتفاع بهذا البيت، ففيه معاوضة، هذا النوع الأول من العقود. والنوع الثاني من العقود: عقود التوثيق، ومعنى التوثيق بمعنى: يعني إلزام الطرفين على عقود المعاوضة كالبيع والإجارة، فمثلا وكذلك القرض، فمثلا: تريد أن تقترض من شخص مال لمدة سنة، فيقول لك: يا أخي، أنا سأعطيك دينا، لكن من الذي يضمن لي أنك تسدد هذا الدين؟ ربما، ربما ما تسدد لي الدين، أنا أريد شيء يضمن لي رجوع هذا الدين، فما هناك إلا أمران: الأمر الأول: الرهن، هذا التوثيق، أيش الرهن؟ تأتي مثلا بذهب يكون عند هذا الرجل الذي أعطاك المال، فإذا جاء الأجل وما سددت ما عليك من دين، يحق له أن يبيع هذا الرهن ويأخذ ماله منه، واضح، فالآن هذا الرهن ليس هو فيه معاوضة، إنما فيه توثيق، لماذا أخذ الرهن؟ من أجل أن يوثق هذا الدين ويضمن استرجاع ماله، واضح، فهذا تسمى عقود التوثيق أو الضمان. الضمان الآن يعني: يأخذونه مثلا بسجل تجاري أو بشهود اثنين، تأتي باثنين من الشهود يضمن لهذا الرجل صاحب المال أن يرد له ذاك الآخذ ماله، فإذا لم يرد ماله أخذ من أموالهم، أو كذلك ألزمهم بدفع ما أخذه هذا الرجل، واضح، هذا سيأتي في باب الضمانة، سيأتي في باب الضمانة، باب في هذا الكتاب كتاب البيوع، هذه عقود التوثيق. وعقود التبرع: التبرع بمعنى: يعني شيء لا ترجو منه عوض، لا ترجو منه عوض، وإنما هو تبرع، و يعني شيء أخرجته لله لا تريد من ورائه استرجاع ولا كذلك عوض، مثل ماذا؟ مثل القرض، مثل القرض، هذا القرض تبرع، تقول: ما يأتي إنسان يقول لك: أريد عشرين ألف دين، يقول: الله تفضل، تعطي عشرين، هذا تبرع منك لأنه إذا ردها سيردها نفسها، صح، ما تريد شيء من ورائها عوض، هذا يسمى تبرع. أو الهبة: الهبة تكون في الحياة، هذا الفرق بين الهبة والوصية، بين الهبة والوصية: الهبة تكون في الحياة، والوصية تكون بعد الموت، فالهبة بمعنى العطية، تقول مثلا: عندي كذا وكذا من الملابس أو كذا وكذا من الطعام، هذا سأعطيها فلان هبة من عندي، عطية من عندي، أنت ما ترجو شيء من وراء ذلك، فهذا عقد تبرع، هذا عقد ماذا؟ تبرع منك. كذلك الوصية: إذا أنا مت فربع مالي للفقراء والمساكين، هذا تسمى وصية، ما يكون بعد الموت، تنفذ بعد الموت، طيب. والصدقة: الفرق بينها وبين الهبة أن الصدقة تكون كالهبة لكن للفقراء والمساكين والمحتاجين والمحتاجين، وتكون كذلك في الحياة قبل الموت، وقد تكون بعد الموت لكن ليس من الميت وإنما من ورثته له، فهذه هي أقسام العقود، وسيأتي معنا هذه المسائل في أبواب، وستأتي معنا إن شاء الله. قال: أركان البيع، قال: أولا: العاقدان، الأركان كما تقدم التي تكون في أثناء العبادة أو في أثناء المعاملة، ولا تصح العبادة أو المعاملة إلا به، فإذا لم يوجد لا تتم العبادة أو المعاملة، فأركان البيع: أولا: العاقدان، وهما البايع والمشتري، يعني ما من بيع إلا ولابد فيه من بائع ومشتري، فما يكون البايع نفسه هو البايع والمشتري، ما يكون، وكذلك لا يكون