الدرس في كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع الشرط الثالث لصحة البيع وهو ملكية العاقد للمبيع أو إذنه فيه مستنداً إلى حديث «لا تبع ما ليس عندك»، ويذكر الشرط الرابع وهو بلوغ العاقد ورشده مع الإشارة إلى مسألة البيع الفضولي. كما يلخص قاعدة جامعة لأسباب تحريم المعاملات الأربعة: الربا، الميسر، الغرر والظلم.
يعرف البيع الفضولي بأنه تصرف الوكيل في مال الموكل بغير إذنه في أمر زائد على وكالته، ويذكر خلاف العلماء فيه والراجح جوازه بإجازة الموكل مستدلين بفعل عروة بن الجعد. ثم يربط ذلك بشرط البلوغ والرشد في البائع والمشتري مع التأكيد على خلو البيع من الربا.
يفصل المقطع نوعي الربا المحرمين: ربا الفضل وهو الزيادة في المبادلة بين جنس واحد مما يجري فيه الربا مع اختلاف الوزن أو القدر، وربا النسيئة وهو التأخير في قبض أحد العوضين في المعاملات الربوية مشترطاً التقابض يداً بيد في المجلس الواحد. يستند الشرح إلى الآيات القرآنية المحرمة للربا.
أعلن المحاضر انتهاء الوقت المحدد وقرر مواصلة الموضوع في الدروس القادمة، مختتماً بقوله: الله تعالى أعلم. يُشير هذا الختام إلى استمرار السلسلة التعليمية في الجلسات اللاحقة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: "وسواء أكان الغرر في الثمن أو المثمن". الثمن يعني المال الذي يدفع مقابل البضاعة، والمثمن هي البضاعة المشتراة. فقد يكون الغرر في الثمن، كما مر معنا في المثال: يا أخانا عبد الرحمن، أشتري منك هذا الجوال بما معي من مال في الجيب. تمام؟ فالآن الثمن فيه غرر. صح، الثمن فيه غرر؛ لأنه غير معلوم. ها، موافق؟ ها، هات الجوال، هيا هات الجوال. ما يجوز هذا؛ سيظلمك أنا. ما فيه جوال يجي ألف وثلاثمائة وأربعمائة يمني وهو سعودي. فهذا جهالة في أيش؟ غرر في الثمن. أو في المثمن؟ في المثمن. معي أشياء ضائعة، خذها بعشرين ألف، ابحث عنها وخذها. ها، هذا هنا جهالة أو غرر في ماذا؟ في المثمن. في المثمن. هذا معنى "وسواء كان الغرر في الثمن أو المثمن". وهنا قاعدة ذكرها بعض أهل العلم تلخص لنا ماذا حرم من البيع بأسباب. من هذه القاعدة تقول: "كل معاملة محرمة إنما تحرم لواحد من أمور أربعة". كل معاملة محرمة إنما تحرم لواحد من أمور أربعة: إما لوجود الربا، وهذا سيأتي معنا من شرط البيع، وإما لما فيها من الميسر. وقلنا الميسر هو ما دار بين المغنم والمغرم. طيب. إما لوجود الربا فيها، وإما لما فيها من الميسر، وإما لما فيها من الغرر والظلم والتغرير والخداع، وإما أن هذا العقد يتضمن ترك واجب أو فعل محرم. لو ضبطت هذا على وجه الإجمال، كل هذه الشروط في البيع المحرمة دائرة عليها. كل معاملة محرمة إما تحرم لواحد من أربعة أمور: إما لوجود الربا فيها، وإما لما فيها من الميسر، وإما لما فيها من الغرر والظلم والتغرير والخداع، وإما أن هذا العقد يتضمن ترك واجب أو فعل محرم. وكل هذا سيأتي معنا، وقد مر معنا الغرر وشيء من الميسر، وسيأتي معنا الربا والظلم. كذلك بيع ما لا يملك، هذا من الظلم. نعم. والعقد يتضمن ترك واجب أو فعل محرم، كالبيع في خطبة الجمعة، أو... نعم، فهذا فيه ترك واجب. سيأتي معنا إن شاء الله. وباب الغرر، وضبط هذا الباب مهم جدًا، حتى أن كثيرًا من البيوع إنما حرمت بسببه، بسبب الغرر. يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: "إن بيع الغرر أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، يدخل فيه مسائل كثيرة، يدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، غير منحصرة؛ يعني ما تستطيع تحصرها في عدد لكثرتها: كبيع الآبق والمعدوم والمجهول وما لا يقدر على تسليمه ونحو ذلك". كل هذه تدخل تحت ماذا؟ بيع الغرر. الغرر. فالغرر هنا أصل عظيم كما ذكر الإمام النووي من أصول البيوع، أو من أصول كتاب البيوع. قال: "وأن يكون العاقد مالكًا للشيء". هذا هو الشرط... كم الشرط؟ الشرط الثالث. الشرط الأول: الرضا. الشرط الثاني: أن لا يكون فيها غرر وجهالة. والشرط الثالث: أن يكون العاقد مالكًا للشيء. ومعنى "مالكًا للشيء": أي أنه في ملكه، لا في ملك غيره؛ لأنه لا يجوز التصرف في ملك الغير. لا يجوز التصرف في ملك الغير. لحديث حكيم بن حزام أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسأله، فقال حكيم بن حزام: "إنه يأتيني الرجل يسألني البيع، ليس عندي"، يعني يسأله أن يشتري شيئًا، وهذا الشيء ليس عند حكيم بن حزام. قال: "فأبيعه منه، ثم أبتاعه من السوق". يعني مثلًا جاء قال: "أريد كيس رز". قال: "لا، بكم تريده؟" قال: "لا والله، بعشرين ألف". قال: "لا، خلاص، هاتي العشرين ألف". ما هو موجود معه، هذا البر ما هو موجود مع حكيم بن حزام. قال: "فأذهب، أو قال: ثم أبتاعه من السوق". أبتاعه يعني أشتريه. يذهب يشتريه من السوق ثم يعطيه من اشتراه منه أولًا. واضح؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تبع ما ليس عندك». «لا تبع ما ليس عندك». رواه أحمد، وهو حديث صحيح. أي: لا تبع ما ليس ملكك، أو تحت تصرفك. الشيء الذي ليس هو من ملكك، ولا كذلك تحت تصرفك، بمعنى أنك مأذون لك فيه. ولذلك قال هنا: "مالكًا للشيء، أو مأذونًا له فيه". أيش معنى "مأذونًا له فيه"؟ مأذونًا له فيه: كأن يكون وكيلًا. والوكيل هو من يتصرف في ملك الغير. أنا أوكلك، أقول: يا أبا طاهر، خذ هذه الدراجة، بعها. وكلتك في بيعها. هل يجوز أن تذهب وتبيعها؟ نعم، يجوز؛ لأني وكلتك. صح؟ أنا وكلتك في ذلك. فإذن هذا المال... أنت لست مالكًا له. هذه الدراجة ليست ملكًا لأبي طاهر، لكن أنا فوضته أو وكلته أن يبيعها، أن يبيعها. فإذن هو مأذون له فيها. أو ليس مأذونًا له فيها؟ مأذون له فيها. هذا يسمى الوكيل. أو الوصي. والوصي هو من يتصرف، أو من له حق التصرف في مال الميت. مثل الوصية تكون بعد الموت، والوصي يكون بعد موت الميت. بعد موت الميت، كأن يكون ميت عنده تجارة. طيب، فيقول: "إذا أنا مت، تستمر هذه التجارة حتى... يعني ينفق على زوجتي وعلى بناتي". فأوصي فلانًا بإدارتها. هذا يجوز إذا ما طالب الورثة بالإرث. يجوز أن يدير أعمال هذا الرجل الوصي إلى أن يطالب الورث بحقهم. هذا يسمى ماذا؟ هذا وصي. يسمى وصي. أو كذلك ولي. والولي هو الذي يتصرف في مال الأيتام، في مال الأيتام. فيكون وليًا لهم بعد موت أبيهم، أو من ينفق عليهم. فلو كان الأيتام مثلًا معهم سيارات، ومعهم بيوت، ومعهم... هل يحق لهذا الولي أن يبيع؟ نعم، يبيع من أجل مصلحة مال هؤلاء الأيتام، بالشرط... هذا من أجل مصلحتهم. فهذا يسمى ماذا؟ ولي. أو الناظر. والناظر الذي يكون مسؤولًا على الأوقاف. إنسان أوقف بيتًا بالإيجار، وهذا الإيجار مثلًا يرجع إلى الفقراء أو المساكين أو نحو ذلك. فيجوز أن يتصرف بما لا ينافي الوقف من بيع أو نحوه. يجوز للناظر أن يعني يتصرف تصرفًا مأذونًا فيه في الوقف. فإذا هذا العاقد يعني مالكًا للشيء، أو كذلك مأذونًا له فيه. مأذونًا له فيه. هذا معنى قوله: "مأذون له فيه". قال: "وهو بالغ رشيد". هذا أيضًا يمكن أن نجعله الشرط الرابع من شروط البيع: أن يكون العاقد بالغًا رشيدًا. طيب، هنا مسألة يذكرها العلماء ومختلف فيها، في مسألة أن يكون العاقد مالكًا للشيء، ما يسميه الفقهاء بالبيع الفضولي. بالبيع الفضولي. هذا البيع الفضولي: مثلًا قلت لأبي طاهر: "خذ هذه الدراجة وبعها، بع هذه الدراجة". ذهب أبو طاهر وباع الدراجة بثلاثة آلاف ريال سعودي. طيب، بعد ما باعها رأى سيارة بهذا السعر. سيارة. قال: "إذا سأشتري لأبي معاد سيارة دون أن يرجع إلي". تصرف هكذا. هو ما يملك الآن المال. هذا المال يرجع للموكل، صاحب الحق. لكن أبو طاهر رأى أن هذا أبا معاد ربما يوافق على هذا؛ لأن السيارة رخيصة. كانوا مع الدراجة، الآن صارت مع سيارة، وهذا أنفع له. اجتهد فاشترى هذه السيارة. طيب، ثم جاء وقال: "هذه السيارة بدلاً الدراجة". هل يصح هذا البيع؟ هذا يسمى البيع الفضولي. سُمّي فضوليًا لأن المتصرف أولاً لا يملك هذا المال، وثانيًا يعني دخله شيء من الفضول. الفضول هو الشيء الذي لا يعنيه. هذا لا يعنيك: كون هذا أفضل لفلان أو ليس أفضل لفلان. هو وكلتك في شيء معين، أنت زدت على هذا. فاختلف العلماء في ذلك. الإمام الشاف... الشافعي يرى أن هذا البيع لا يجوز؛ لأنه اشترى بمال لا يملكه. اشترى بمال لا يملكه. وقد مر معنا في حديث أبي سعيد الخدري، أو في كذلك حديث حكيم بن حزام، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تبع ما ليس عندك». «لا تبع ما ليس عندك». وقالوا: هذا المال ليس عنده، إنما مال غيره. هذا يعني مذهب الإمام الشافعي. وذهب الإمام مالك وغيره من أهل العلم إلى أن هذا البيع يجوز، لكن بشرط أن يمضيه صاحب الحق. يعني أن يأذن ويرضى صاحب الحق بذلك. جاء عندي أبو طاهر وقال لي: "فعلت كذا وكذا". فإذا أنا رضيت بطيب نفس، فالبيع صحيح. وإلا فالبيع غير صحيح. وهذا هو القول الصحيح. لما جاء من حديث عروة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارًا ليشتري له به... يعني شاة. فذهب عروة فاشترى بالدينار شاتين. اشترى بالدينار كم؟ شاتين. ثم باع إحدى الشاتين بدينار، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بماذا؟ بدينار وشاة. فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة، وأمضى هذا البيع. فقال العلماء: عروة تصرف تصرفًا فضوليًا. طيب. فكونه يبيع الشاة الثانية، هذا من غير إذن... من غير إذن صاحب الحق. فلعل صاحب الحق يريد الشاتين. وكونه تصرف هذا التصرف، فهذا يسمى بالتصرف، أو بالبيع الفضولي. فكون النبي صلى الله عليه وسلم أمضاه، ولم ينكر على عروة، ولم كذلك يكره هذا البيع، فاستدل بعض أهل العلم على الجواز. وهذا قد يكون يعني من العرف العرفي الذي تعارف عليه الناس. فبعض الناس مثلًا يفرح إذا تصرفت في ماله بما هو نفع له، أو فائد له، أو فائد له. قلت: لو أخذ هذا المال، اشترى دراجة، فاشترى دراجتين. هذا صاحب المال أكيد سيفرح؛ لأنه يعني يحصل على ما هو أكثر مما يريد، على ما هو أكثر مما يريد. أما إذا لم يرضَ صاحب الحق، فهنا البيع لا يجوز. يلزم من اشترى أن يرد هذا، ويفسخ هذا البيع. يفسخ هذا البيع. والله تعالى أعلم. وقوله: "وهو بالغ رشيد". بالغ: خرج الصغير. والصغير لا يصح بيعه لعدم اكتمال عقله. لعدم اكتمال عقله. ودليل ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. فادفعوا إليهم أموالهم. والرشد يتحقق إما بالبلوغ، وإما كذلك بالتمييز. ولذلك اختلف العلماء: هل المميز يصح بيعه؟ بعض ما شاء الله من الأولاد يبيع وهو صغير، سنه عشر سنوات، 11 سنة، تحصله يبيع في بعض المحلات أو في بعض الأسواق، وهو غير بالغ. هل يصح بيعه؟ هذا أيضًا مما اختلف فيه الفقهاء. فقالوا: إذا كان هذا المميز راشدًا، بمعنى عاقل، يستطيع أن يتصرف تصرف الكبار، فلا حرج في ذلك؛ لأن الغرض من اشتراط البلوغ هو ماذا؟ الرشد والعقل. الرشد والعقل. فإذا كان يحسن التصرف، فلا بأس. ومنهم من فصل، قال: لا بأس أن يدربه أبوه على البيع والشراء، لكن في الأمور اليسيرة، مش الأمور الكبيرة. يعني ما أقول للولد: بع واشترِ في الذهب مثلًا، أو في السيارات، أو في الأشياء الكبيرة. لا، في الأشياء الصغيرة. حتى إذا وقع شيء من يعني عدم الرشد وعدم حسن التصرف، تكون الخسارة بشيء يسير. فالمهم أنه يعني... عدم تمكين غير البالغ من البيع، العلة في ذلك عدم حسن التصرف. فإذا كان يحسن التصرف، الصغير، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. بل رب كبير، الصغير هذا أحسن منه في حسن التصرف. بعض أولاد صغار عنده ذكاء، وعنده خبرة، بحكم مثلًا كثرة جلوسه مع أبيه، أو مع الباعة، أو نحو ذلك. فتجد يكتسب خبرة ومعرفة بالبيع والشراء، فلا أحد يضحك عليه، ولا أحد يظلمه، ونحو ذلك. فالمهم: الغرض من البلوغ هو ماذا؟ حسن التصرف. حسن التصرف. فمن أحسن التصرف في البيع والشراء، سواء كان بالغًا أو غير بالغ لكنه مميز، فهنا يجوز له البيع والشراء. وأما الرشيد، فالرشيد هنا اشترطوه أيضًا؛ لأن معنى الرشيد: من يحسن التصرف، عاقل يحسن التصرف. فقد يكون الإنسان بالغًا لكنه غير رشيد. لكنه غير رشيد. صح؟ عنده مثلًا ضعف في الفهم، عنده ضعف في العقل، وسن ربما عشرين، ثلاثين، ودائما يقبرونه في البيع والشراء، ما يعرف يبيع ويشتري. طيب. فقد يكون بالغًا غير رشيد. غير رشيد. والعكس صحيح: قد يكون رشيدًا وغير بالغ. فإذا الضابط في هذا أن يحسن... أن يحسن التصرف. فلو مثلًا ولد صغير اشترى شيئًا فغُبن، فجاء أبوه فقال: "لا، هذا الولد ما أجعله أبيع، ليس هو أهلًا للبيع، أنا أريد أن يفسخ هذا البيع". فينظر: إذا كان هذا الولد فعلًا غير رشيد، ويعرف عنه عدم حسن التصرف، فهنا نعم. أما إذا كان رشيدًا، وهو دائمًا يبيع، وإنما في هذه البيعة فقط الذي يعني لم يوفق فيها، فهنا تمضى هذه البيعة. تمضى هذه البيعة. لأن العبرة بحسن التصرف. العبرة بحسن... ماذا؟ التصرف. هذا هو شرط أيضًا من شروط البيع. قال: "الشرط الرابع: ومن شروط البيع أيضًا ألا يكون فيه ربا". يعني ألا يكون البيع هذا فيه ربا. والأدلة على ذلك كثيرة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. وتوعد الله عز وجل بالوعيد الشديد لمن تعامل بالربا. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. فالربا لا يجوز في دين الله، لما فيه من الظلم، ولما فيه من أخذ أموال الناس بالباطل. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾. بالباطل. والربا على نوعين، وهو مشهور: ربا الفضل، وربا النسيئة. وما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما: أن ربا الفضل من اسمه، من اسمه، وهو ما يكون فيه الفضل، أي الزيادة. يكون فيه الزيادة. فقال هنا الشارح: "ربا الفضل هو التفاضل في بيع كل جنس بجنسه مما يجري فيه الربا". فمثلا مما يجري فيه الربا: الذهب. طيب، فإذا تم التفاضل في البيع في الوزن... المراد بالتفاضل هنا في الذهب بالوزن. ومثله كذلك العملة الورقية. العملة الورقية. طيب، نمثل أولًا للذهب: عندي هذا الذهب مئة جرام، لكنه مصنوع صناعة حديثة. وعندي هذا الذهب ثمانين جرامًا، لكنه قديم. تمام؟ لكنه... قديم، أو العكس. هذا قديم مثلًا وزنه مئة وعشرين جرامًا، وهذا حديث وزنه مئة. فأنا أقول له: "خلاص، خذ هذا القديم مئة وعشرين، وعطيني هذا الجديد مئة جرام". هذا لا يجوز. لماذا؟ لأن الجنس واحد. هذا ذهب، وهذا ذهب. طيب، والوزن هنا مختلف. هذا مئة، وهذا مئة وعشرين. لابد أن يكون الوزن واحدًا. واضح؟ هذا يسمى ربا الفضل. ومثله الأموال النقدية. الأموال النقدية. وتقول مثلًا لفلان: "أعطني مثلًا مئة ألف، على أن أردها لك بعد شهر مئة وعشرين ألف". هذا لا يجوز. واضح؟ هذا ربا. لأن العملة واحدة، الجنس واحد، وفي تفاضل. في تفاضل في الأخذ والعطاء. أخذت مئة، وأعطيت مئة وعشرين. هذا هو ربا أهل الجاهلية. واضح؟ فهذا يسمى ربا الفضل. من اسمه: الفضل، بمعنى الزيادة. وهذا يكون فيما يجري فيه الربا. يعني من الأصناف التي ذكرت في حديث عبادة الذي سيأتي معنا: الذهب بالذهب. ومما يعني يقابل الذهب والفضة: الأوراق النقدية اليوم. إذا كانت من نفس العملة. طيب، إذا كانت من نفس العملة: يمني بيمني، فلا يجوز فيه التفاضل عند الصرف. تمام؟ أنا عندي ألف ريال، أريد أن أصرفه بأبو مئة. أريد صرف. قلت لي: "طيب، أنا يعني يعطيك صرف". وهذا الصرف ربما يكون عملة صعبة، ما تجده. طيب، فإذا هذا الألف سأعطيك عليه ثمانين. تمام؟ سأستفيد منك مئتين ريال، أو مئة ريال، أو حتى ريال واحد. هذا لا يجوز؛ لأن العملة... ماذا؟ واحدة. لكن إذا العملة مختلفة، فلا حرج، كما سيأتي معنا. اليمني بالسعودي: ألف ريال، ما تقول لي: "لا، ضروري تعطيني ألف ريال". يمني صعب، ما يقابل ألف ريال يمني ما يساوي حتى كم ريالين سعودي؟ صح؟ مع الصرف الآن. فهنا إذا اختلفت العملة، فلا بأس. ولذلك يفتي العلماء... تعرف في المناطق الشمالية الآن: الألف القديم قيمته تختلف عن الألف الجديد الذي عندنا. وعندهم هناك الألف أغلى من هنا. تمام؟ الأوضاع السياسية، الحروب، وهذه الأمور. صح؟ فهل يجوز مثلًا أن أعطي مثلًا مئة وعشرين بالجديد، وآخذ ستين أو سبعين ألفًا من القديم؟ ما يجوز هذا؛ لأن العملة واحدة. تعتبر يمني: ألف، ألف. ما اختلفت العملة. العملة واحدة. لكن كيف الحل؟ الحل: تجعله بعملة ثانية. تصرفه بعملة ثانية، كالسعودي مثلًا. وهذا هو المعمول به الآن. أنت تريد مثلًا عملة قديمة... الجديدة هذه تأخذ بها سعودي. تمام؟ مثلًا المئة وخمسة ألف، أو ستة ألف، تساوي مثلًا مئتين ريال سعودي. تأخذها وتذهب هناك، تصرف المئتين بالقديم هناك. في صرف بالقديم هناك. صح؟ وإن كان هناك ستأتي لك بأقل من مئتين، تأتي لك بمئة واحدة، أو تزيد قليل. فرق بعيد يعني بين الصرف. لكن هذه المعاملة الصحيحة. فأتمم هذا الآن. فإذا صرف بنفس العملة، هذا يكون من ماذا؟ من ربا الفضل. من ربا الفضل. لأنه صار تفاضل بين بيع كل جنس بجنسه مما يجري فيه الربا. هذا هو ضابط ماذا؟ هذا هو ضابط ربا الفضل. أما ربا النسيئة، فهو من اسمه. لأن معنى النسيئة: التأخير. كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. يعني تأخير الشهور بعضها عن بعض، كما كان عليها أهل الجاهلية. هذا... ليس من الإيمان. فالمقصود بالنسيئة هنا: التأخير. أيش معنى التأخير؟ قال: "هو تأخير القبض فيما يجري فيه الربا". يعني: العملة نفس العملة، والوزن نفس الوزن، الكيل نفس الكيل، لكن يصير فيه تأخير. يصير فيه تأخير. أيش معنى يصير فيه تأخير؟ يعني مثلًا على سبيل المثال: أنا سأخذ منك كيس بر. تمام؟ كيس بر. والآن أنا معاي نصف كيس بر. فإني سأعطيك... طبعًا البر ربما يختلف، ذاك نوع وهذا نوع. يجوز إذا كان مثلًا بمثل. تمام؟ إذا كان البر مثلًا 40 كيلو، وهذا 40 كيلو، يجوز. التمر: هذا 40 كيلو، وهذا 40 كيلو، يجوز التبادل. لكن بدون... ماذا؟ بدون تأخير. أعطيتك كيس 40 كيلو، لا بد تعطيني ماذا؟ 40 كيلو. ما يكون فيه شيء تأخير. ما تقول لي: "سأعطيك 20، و20 بعد يومين، ثلاثة أيام". فهمتم هذا الآن؟ أو: "سأعطيك الآن هذا الكيس، والكيس سأعطيك إياه بعد يومين، أو بعد ساعة، أو بعد ساعتين". هذا لا يجوز. ومثله في الصرف الآن: تريد على سبيل المثال أن تصرف 100 ألف ريال يمني... بو 100. جئت عندي، قلت لي: "أريد صرف 1000 ريال". تمام. ونظرت في جيبي، حصل الـ 800. قلت لي: "خلاص، هاتي الـ 800، والباقي الـ 1000 و200 يعطيني إياها بعد يوم أو يومين". هذا ربا النسيئة. هذا ربا النسيئة. لماذا؟ لأن هنا تم تأخير القبض، ولو شيء من المال الذي يجري فيه الربا. فهمتم هذا الآن؟ ومثله ما يقع في الصرافات: يكون إذا كان بنفس العملة، لا يجوز فيه التأخير. طيب، أيش الحل الآن في هذا؟ أنت معاك 1000، وأنت بحاجة إلى الصرف. أيش الحل؟ الحل: أقول له: "اترك الألف عندك". تمام؟ خذ 800، دين عليك. هذا يجوز. تمام؟ خذ 800، هذا دين. متى ما صرفت، آتي لي بالـ 800 حقي. هذا... هذا هو الصواب. فهذا يسمى ربا النسيئة. يعني: من التأخير. فلابد أن يكون يدًا بيد. طيب، في كله؟ لا، في بعضه، أو في... يعني عدم تسليم شيء منه، وإنما يكون في كله ما يجري فيه الدين. تمام؟ الأمور التي يجري فيها الربا لا يجوز فيها الدين، إذا كان بجنسه. سيأتي معنا: إذا كان بجنسه. تقول له: "أعطني جونيارز". طيب، وأنا سأعطيك الجونيارز بعد شهر، أو بعد شهرين، أو نحو ذلك، أو بعد يوم، وبعد يومين. تؤخر ما يقابل أخذك لهذا الأرز أو نحوه. فهذا أيضًا من ربا النسيئة. وهناك تفاصيل في هذا الباب. فان شاء الله، لانتهاء الوقت، نأخذ ذلك في الدروس القادمة. الله تعالى أعلم.