التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 178

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 178

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 178، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مسائل الإيمان بالقدر الست وأحكامها

يستعرض المقطع ست مسائل أساسية في الإيمان بالقدر تشمل وجوبه كركن من أركان الإيمان، وكيفية الإيمان بمراتبه الأربع، وحكم منكره، وأولوية خلق القلم، وطبيعة التقدير الأزلي العام. ويؤكد أن طعم الإيمان وحلاوته لا يتحققان إلا بالتصديق الكامل بالقدر خيره وشره.

براءة النبي والصحابة من منكري القدر ومنهج السلف في السؤال

يوضح المقطع براءة النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما ممن أنكر القدر، ويستشهد بفهم القلم وحنين الجذع كدليل على فهم الجمادات. ويبرز منهج السلف الصالح في إزالة الشبهات بسؤال أهل العلم للتثبت لا لتتبع الرخص، مستدلاً بقصة ابن الديلمي.

آداب السؤال للعلماء وضوابط الاستدلال بالكتاب والسنة والعقل

يبيّن المقطع جواز سؤال عدة علماء للتثبت، مع تحريم السؤال لتتبع الرخص أو إثارة الفتنة بين العلماء. ويؤكد ضرورة التزام العالم بالجواب بالدليل من القرآن والسنة، وأن الاستدلال بالعقل والحس والفطرة يزيل الشبه ويقنع المخالف ويطمئن الموافق.

استدلال علو الله بالكتاب والسنة وغرض العلماء من ذكره

تناول المقطع ثبوت أدلة علو الله سبحانه بالكتاب والسنة، مبيناً أن غرض العلماء من ذكرها هو إقناع المخالف وطمأنة الموافق لا مجرد الإثبات النظري. واختتم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر على أن يستكمل الحديث في رمضان القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: المسائل. قلنا: المسائل هي كالملخص لألباب. قال: الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر، فهو ركن من أركان الإيمان، وكما جاء في حديث ابن عمر فقد قال لمن أنكروا القدر: «لو كان لأحدهم مثل أحد ذهباً ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر». استدل بالحديث، فإذا القدر فرض. قال: الثانية: بيان كيفية الإيمان، أي كيفية الإيمان بالقدر. يقول ابن العثيمين: بأن نؤمن بمراتبه الأربعة: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. فمن أنكر واحدة من هذه الأربع فلا يكون مؤمناً بالقدر، كحال القدرية؛ فمنهم من نفى العلم مع الكتابة، ومنهم من نفى المشيئة مع الخلق. قال: الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به، وإحباط العمل فيه دليل على كفر صاحبه، وكما سمعت في قول ابن عمر لمن لم يؤمن بالقدر: «لو كان لأحدهم مثل أحد ذهباً ثم أنفقوا في سبيل الله ما قبله الله منه». لماذا ما قبله الله منه؟ لأنه كافر بالله، والكافر لا يقبل له عمل. وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله، فبسبب الكفر لم يقبل لهم عمل، لا نفقة ولا غيرها. قال: الرابعة: الإخبار أن أحداً لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به، والإيمان كما تقدم له حلاوة، وله طعم، وله لذة، لا يذوقها ولا يطعمها إلا من آمن بالقدر. فمن لم يؤمن بالقدر يحرم هذه اللذة. وما مناسبة كون القدر سبباً لحصول هذه اللذة؟ لأن الإيمان بالقدر طمأنينة للقلب كما تقدم، وسكينة، ورضا بما قدر الله سبحانه وتعالى، فمما يشرح الصدر ويفرح القلب الإيمان بالقدر، الإيمان بالقدر. قال: الخامسة: ذكر أول ما خلق الله. قال ابن العثيمين: لشك أن خلق القلم بعد خلق العرش، هذه مسألة قلنا خلافية بين أهل العلم، كما فصلنا ذلك في الدرس الماضي. قال: والقلم أول ما خلق بالنسبة لما نشاهد. ما الذي نشاهد؟ نشاهد السماوات أو السماء والأرض والجبال والبحار، فكل ما نشاهده من خلق فالقلم قبله، خلق قبله. وأما ما جاء في الأحاديث أن الله خلق السماوات والأرض وكان عرشه على الماء، فهذا خلق للعرش مما لا نشاهده، ما نشاهد العرش. فأول ما خلق مما لا نشاهده العرش، وأول ما خلق مما نشاهده يعني قبل الأشياء التي نشاهدها فهو القلم. فإذا الخلاصة أن الأولية المطلقة للخلق أو في الخلق للعرش، وأما خلق القلم فهو أولوية نسبية، فهو أولوية نسبية. فهذا معنى قوله: والقلم أول ما خلق بالنسبة لما نشاهد، فهو قبل خلق السماوات والأرض، فتكون أوليته نسبية. قال: السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى قيام الساعة، بمعنى أن كل المقادير قد كتبت حتى هذا المجلس، وما نفعل الآن من قراءة هذا الكتاب، كل ذلك من قدر الله، فهذا قد كتب في تلك الساعة، الساعة التي خلق الله عز وجل فيها القلم فقال له: اكتب. فمما كتبه هذه الأقدار التي نحن نعملها الآن، فهذا معنى قولي: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى قيام الساعة. وهذا ما يسمى بالتقدير الأزلي، يعني التقدير العام. فهناك تقدير عام وتقدير خاص، فمن التقدير الخاص التقدير السنوي الذي يكون في ليلة القدر، وهناك التقدير اليومي وغير ذلك مما وردت به الأدلة. قال الشيخ العثيمين: وفيه توجيه خطاب الله إلى الجماد، لأنه خاطب القلم، خاطب القلم وقال له: اكتب. فأستدل العلماء بهذا أن الله عز وجل... وفيه توجيه خطاب الله إلى الجماد وأنه يعقل أمر الله، لأن الله وجه الخطاب إلى القلم ففهم واستجاب، والله عز وجل هو الذي خلق هذا القلم وهو قادر على أن يجعله يفهم الخطاب، يفهم الخطاب. وهذا فيه كما تقدم أن الجمادات تعقل وأنها تفهم، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم. قد مر معنا ببعض الدروس أنين الجذع، هذا دليل أنه يفهم، لما عمل أو صنع للنبي صلى الله عليه وسلم المنبر وترك هذا الجذع فحن كحنين الصبي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكان له خنين كخنين المرجل يبكي حتى احتضنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فسبحان من خلق هذا الخلق وجعل فيه هذا الفهم. قال: السابعة: براءته صلى الله عليه وسلم ممن لم يؤمن به، الحديد، لأنه جاء في الحديث، حديث عبادة في بعض طرقه: «يا ابني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من مات على غير هذا فليس مني، فليس مني». فهذا فيه براءة من النبي صلى الله عليه وسلم لمن لم يؤمن بالقدر. وهكذا براءة عبد الله بن عمر من هؤلاء الذين لا يؤمنون بالقدر، فإن بن عمر قال ليحيى بن يعمر وصاحبه: «فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني». هذا فيه كذلك براءة عبد الله بن عمر ممن أنكر القدر. قال: الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء، عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء. هذا أصل عظيم، وهو الرجوع إلى أهل العلم عند وقوع المتشابه أو عند حلول الفتن والشبه، فإنه... فانظر، فانظر إلى ما فعله ابن الديلمي، جاء عند أبي بن كعب فسأله عن شيء من القدر وقع في نفسه، فهذا فيه الرجوع إلى أهل العلم. لا، لا تكتم الشبهة، فإن كتمك لها ربما يكون سبباً في انحرافك عن الحق. فإذا وقعت شبهة في نفسك فاسأل أهل العلم، واجلس مع أهل العلم، فسرعان ما يبينون زيفها ويبينون كذلك ضلالها. قال: وفيه كذلك قبل ابن عثيمين، وفيه جواز السؤال أكثر من عالم للتثبت، لا لتتبع الرخص، لأن ابن الديلمي أولاً سأل أبي بن كعب، ثم ذهب وسأل من سأل: عبدالله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت. فاستدل العلماء بذلك أن تعدد سؤال العلماء يعني أن تسأل أكثر من عالم على سبيل التثبت وعلى سبيل كذلك التأكد حتى يطمئن قلبك، فلا بأس بذلك، فلا بأس بذلك. أما تتبع سؤال أكثر من عالم من أجل تتبع الرخص، أمر أنت في نفسك أنك تريد أن تفعله، فوقع في نفسك أنه لربما يكون حراماً أو شبهة استحسنتها وملت إليها، فكأنك تريد من يؤيدك في العمل بهذه الشبهة، فتسأل العالم الأول فينكر عليك هذه الشبهة، تقول: لعل هذا ما فهم، أو لعل هذا جوابه خطأ، فتذهب عند عالم آخر لعلك تجد الرخصة والجواب الذي يوافق هواك، الجواب الذي يوافق هواك، فتذهب عند عالم آخر. سبحان الله، الحق لا يتعدد، الحق واحد، فالعلماء تجد أنهم يفتون بجواب واحد، بجواب واحد لا يختلف، كما وقع الابن الديلمي، كل هؤلاء أفتوا بنفس الجواب، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً. فإذا كان سؤالك لأكثر من عالم من أجل التثبت فهذا لا بأس به، أما من أجل تتبع الرخص فلا يجوز، أو كذلك بعضهم يسأل أكثر من عالم ليضرب كلام العلماء بعضه ببعض، ليضرب كلام العلماء بعضه ببعض، أو كذلك ليحرش بين العلماء، يقول له: أنت أفتَيت كذا لكن فلان يفتي كذا، يريد أن يتكلم على فلان أو نحو ذلك من تلك المقاصد السيئة، فهذا لا يجوز، فهذا لا يجوز إذا كان لهذا الغرض: لتتبع الرخص أو لضرب كلام العلماء بعضه ببعض. قال: التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل عنه الشبهة، وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، وهكذا ينبغي للعالم، العالم إذا استفتي يحرص على ربط السائل بالدليل من الكتاب أو من السنة، تبين له الحكم الشرعي، وتبين له البرهان والدليل على ذلك، كما قال الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل: 44]، البينات يعني الأدلة والبراهين. فهكذا انظر إلى جواب العلماء، انظر إلى جواب العلماء. قال: فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، حدثوه عن النبي، نسبوا ما قالوه من كلام إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا أمر مهم جداً، أن خصوصاً في المسائل التي يسأل عنها في الفتن والشبه، لأن صاحب الشبهة لو ربما طلب الدليل ورفض هذه الفتوى لأنها قائمة على كلام عالم دون ذكر البرهان، دون ذكر البرهان، فلربما يرد هذه الفتوى، لكن إذا كانت مدعمة بدليل الكتاب والسنة فإن هذا أمر لا يستطيع أحد أن يرده، لا يستطيع أحد أن يرده لأنه من كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الشيخ عثيمين معلقاً على هذه المسألة: قال: وبهذا تزول الشبه تماماً عند المؤمن، ولا مانع أن تأتي بالأدلة العقلية أو الحسية من أجل أن تقنع الخصم وتطمئن الموافق. وفيه دليل الرابع وهو دليل الفطرة، يعني بعض الناس مثلاً ما عنده تعظيم للسنة، لكن إذا أتيت له بدليل عقلي أو دليل حسي فإنه لربما يقتنع ما لا يقتنع بالدليل، هذا حاصل عند بعض الناس، لذلك تجد أهل العلم يذكرون الأدلة العقلية في الرد على المخالف، لأن هذا المخالف ربما ما عنده تعظيم للسنة، ما عنده تعظيم للسنة، السنة مثلاً على سبيل المثال، فهؤلاء المعتزلة أو الجهمية أو الأشاعرة أحياناً تذكر لهم الدليل فهم لا يبالون به، مثلاً في مسألة الكلام يقولون: قوله تعالى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾ [النساء: 164]، يقولون بنصب لفظ الجلالة: «وكلم الله»، «وكلم الله» بالنصب، فالسن يقول: لا، الآية ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]، فالله هو المتكلم، ففيه إثبات الكلام لله عز وجل. فهم يحرفون، فيقال لهم: طيب، اتركوا هذا الدليل، ماذا تقولون في قول الله عز وجل: ﴿وَكَلَّمَ رَبُّهُ﴾ [طه: 114]؟ هذا لا يمكن أن يكون هناك وجه في العربية بفتح الباء: «وكلم ربه»، لأن المفعول هنا الهاء المتصلة، فيخصم العدو، يخصم العدو. فلربما تترك الدليل وتأتي بأمر يعني غير هذا الدليل فيخصم به العدو، يخصم به العدو، أو المعاند أو نحو ذلك، ويزيد طمأنينة للموافق، للموافق. وهذا له أدلة كثيرة، كذلك الأمور الحسية والأمور الفطرية، مثلاً في إثبات علو الله، في إثبات علو الله، إذا نابك أمر أين يتوجه قلبك؟ إلى السماء، يتوجه قلبك إلى السماء، هذا أمر فطري، أمر فطري فطر عليه الإنسان، هذا دليل على إثبات العلو، وهكذا. مع أن العلو جاءت أدلته بالكتاب والسنة، الأدلة الكثيرة، لكن أهل العلم يذكرون هذا كما ذكر من أجل أن تقنع الخصم وتطمئن الموافق، فيخصم الخصم، وكذلك يطمئن الموافق. طيب، نكتفي بهذا، ويلاحونا رمضان.