الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 177، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ العثيمين حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي يوصي ابنه بأن طعم الإيمان لا يتحقق إلا بمعرفة أن ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، مستدلاً بحديث أول ما خلق الله القلم وأمره بكتابة المقادير. ويؤكد أهمية تلقين الأبناء العقيدة الصحيحة بالأدلة كما فعل الأنبياء عليهم السلام.
يبرز المقطع إجماع الصحابة على الوصية بالتصديق بالقدر كركيزة للتوحيد، محذرين من عاقبة إنكارها، ويبين خطورة مجالسة أهل البدع وأن الشبهات لا تدفع إلا بالنقل لا بالعقل. كما يستعرض خلاف السلف في أول المخلوقات بين القلم والعرش بناء على ضبط لفظ الحديث.
يقدم المقطع توجيهين للجمع بين حديث "أول ما خلق الله القلم" وحديث "كان عرشه على الماء"، الأول إعرابي يعتمد على رواية النصب بأن القلم مفعول به أي أول ما أمر الله القلم بالكتابة، والثاني يجعل أولية القلم نسبية للمخلوقات المرئية بينما العرش أول المخلوقات مطلقاً. ويرجح قول ابن القيم وابن عثيمين في هذا التوفيق.
يسرد المقطع خلاف العلماء في أول المخلوقات، حيث ذهب الطبري وابن الجوزي والألباني إلى أن القلم أول ما خلق مطلقاً، بينما يُرجح قول الجمهور لإمكانية الجمع بين الأحاديث. ويؤجل تفصيل المسائل المتعلقة بهذا الخلاف للدرس القادم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فوقفنا في كتاب التوحيد عند باب ما جاء في منكري القدر، ووقفنا عند حديث عبادة بن الصامت في وصيته لابنه الوليد. ومما قال له: «إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك». ثم قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ما خلق الله القلم» - ويجوز القلم - «فقال له: اكتب». قال: «ربي، وماذا أكتب؟» قال: «اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة». يا بني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مات على غير هذا فليس مني». قال: وفي رواية لأحمد: «إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة». وفي رواية لابن وهب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار». يقول الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى: قوله: «حتى تعلم»؛ قال: وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في قوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. الآيتان فيهما معنى قول عبادة لابنه: «إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك»؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، ثم قال: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾، وكل شيء قد سطر وكتب، فلما الجزع، ولما الحزن، ولما التسخط؟ وقوله: «يا بني» فيه ملاطفة الأبناء بالموعظة، و«البني» هذا تصغير لابن، ومن فوائد التصغير الملاطفة. التصغير له فوائد عدة: منها التصغير، ومنها التحقير، ومنها الملاطفة مثل هذا الموضع. وأنه ينبغي أن يلقن الأبناء الأحكام بأدلتها؛ ليعود ابنك على اتباع الأدلة، ولتربيه على محبة الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا فيه عناية الآباء بأبنائهم، ومن أعظم العناية أن يعتني الآباء بوعظ الأبناء. وهذا تجده في القرآن وفي السنة: القرآن وعظ لقمان لابنه ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾، ثم ذكر له مواعظ قيمة، وكذلك نصايح ثمينة كما في أول سورة لقمان. وهكذا عبادة رضي الله عنه يوصي ابنه بهذه الوصايا العظيمة، ومن أعظم الوصايا الوصايا بالتوحيد والعقيدة الصحيحة. وهذا أيضاً في القرآن كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. هل من الآباء في هذا الزمان من يجلس مع أبنائه ويوصيهم ويعلمهم هذه الأمور العظيمة وهذه العقائد العظيمة؟ فهذه من أساليب القرآن وكذلك السنة. قال: قوله: «في نفسي شيء» - هذا في حديث لم نقرأه بعد - وهو قال: وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي، قال: أتيت أبي بن كعب، وابن الديلمي من التابعين، قال: فقلت: «في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي». فقال: «لو أنفقت مثل أحد ذهباً ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار». قال: فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: حديث صحيح، رواه الحاكم في صحيحه. يعني حديث صحيح عن هؤلاء الصحابة الكرام، والعلماء من علماء الصحابة رضي الله عنهم. وهل اتفاقهم على هذه الوصية عن تواطئ وعن إخبار كل واحد منهم الآخر، أو هكذا عن عدم تواطئ؟ الظاهر أنه على عدم تواطئ، وهذا فيه حرص العلماء على... فهذا دليل على أن العلماء يعتنون بأمر التوحيد والعقيدة. فأحياناً تطلب من عالم نصيحة فيوصيك بالتوحيد، ثم تذهب عند عالم آخر فإذا به ينصحك ويوصيك بنفس هذه الوصية، وإن كان هناك اختلاف يسير في الأسلوب لكن المحتوى واحد، المحتوى واحد وهو الحث على تعلم العقيدة والتوحيد. فهذا يدلك على اعتناء العلماء بأمر العقيدة والتوحيد. قال: قوله: «قال في نفسي شيء»؛ قال: ما وقع في نفس الديلمي أو ابن الديلمي دليل على خطر مجالسة أهل البدع، يعني كأنه جالس بعضهم فنفث فيه هذه الشبهة، نفث فيه هذه الشبهة: شبهة القدرية. قال: والشبهة تدفع بالنقل فيزيلها، ولا تدفع بالعقل فيزيدها. هذا أيضاً فائدة مهمة: فإن الشبهة تدفع بالنقل. إيش معنى النقل؟ النقل يعني الأدلة من الكتاب والسنة، من الكتاب والسنة. فما من شبهة يردها مبطل إلا وتجد في كتاب الله ما يردها، وما يدفعها، ويوضحها، ويبينها، ويزيلها بإذن الله عز وجل. فالشبهة تدفع بالنقل فيزيلها هذا النقل، ولا تدفع بالعقل، لا تدفع بالرأي، وبكذلك الجدل والافتراضيات ونحو ذلك، وإنما تدفع بالنقل. وهذا فيه خطورة مجالسة أهل البدع، ولذلك حذر العلماء من مجالسة أهل البدع. ولذلك يقول الإمام الذهبي رحمه الله: القلوب ضعيفة، والشبه خطافة، الشبه خطافة. ربما تجلس مع مبتدع فيورد عليك بعض الشبه فتعلق في قلبك، فتورث لك الشك والتردد في الحق الذي كنت تعلمه، فيتغير حالك وتتبدل معتقداتك وثوابت دينك بسبب هذه المجالسة. فاحذر من مجالسة أهل البدع، وفر منهم فرارك من الأسد، فرارك من الأسد. قال: قوله: «القلم» فيه روايتان: بالضم والفتح. قال: يعني «إن أول ما خلق الله القلم» هذا رواية الضم، وفي رواية: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب». وهناك فرق بين الروايتين، وهذا من دقة اللغة العربية: حركة واحدة تغير المعنى كما ستعرف. قال: بالضم يكون المعنى أن أول ما خلق الله هو القلم بالنسبة لما نشاهده فقط من المخلوقات كالسماوات والأرض، فهي أولية نسبية. هذه مسألة معروفة في العقيدة، وهو اختلاف السلف في أول مخلوق خلقه الله عز وجل. فظاهر هذا الحديث - حديث عبادة - أن أول ما خلق الله من المخلوقات القلم، فقال كثير من بعض أهل العلم: أن القلم هو أول المخلوقات مطلقاً مما نشاهده ومما لا نشاهده؛ لأنه قد جاء ظاهر هذا الحديث على هذا المعنى. لكن مجموعة من أهل العلم أيضاً، وهو قول الجمهور، واختاره ابن تيمية وابن القيم، وكذلك من العثيمين: أن أول ما خلق الله مطلقاً العرش وليس القلم، العرش. ودليلهم أحاديث وردت بذلك، منها قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كتب الله مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء، وكان عرشه على الماء». رواه مسلم، رواه مسلم. طيب، قد يقول قائل: وبماذا أجابوا على حديث عبادة؟ بماذا أجابوا على حديث عبادة؟ فإن حديث عبادة فيه أن أول ما خلق الله القلم، وهذا الحديث فيه أن أول ما خلق الله العرش. وهم قالوا بالحديث الآخر الذي فيه مسلم. طيب، بماذا أجابوا عن هذا الحديث؟ أجابوا بما ذكره هنا الشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله، أو يمكن أن نقول: أجابوا بجوابين، أجابوا بجوابين. الجواب الأول: قالوا إن حديث عبادة جاء برواية النصب، بمعنى: «إن أول ما خلق الله القلم» وليس «القلم»، فيكون المعنى أن الله أمر القلم أن يكتب عند أول خلقه له، ليس معنى أن أول ما خلق القلم، وإنما أول ما خلق الله القلم أمره بهذا الأمر، وقال له: اكتب. ما قال له: اكتب. فقال: وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير الخلائق. فيكون الإعراب يا أهل النحو سيكون الإعراب على رواية النصب أن القلم مفعول به للفعل خلق، فيكون التقدير: «إن أول الذي خلق الله القلم قال له... إن أول الذي خلق الله القلم قال له: اكتب كذا وكذا». فالأولية هنا ليست في خلق القلم، وإنما الأولية هنا في أمر الله عز وجل له بالكتابة. هذا على رواية النصب. وأما على رواية الرفع، فباعتبار أن القلم هو خبر «إن»، ويكون الكلام: «إن أول ما خلقه الله... إن أول ما خلقه الله القلم». فتكون هذه الأولية أولية خلق. فعلى هذا، كيف يرد على من قال أن أول ما خلق الله العرش؟ كيف يوجه هذا الحديث على رواية الرفع؟ يوجه هذا الحديث على رواية الرفع أن أول ما خلق الله مما نشاهده، مما نشاهده مثلاً: نحن الآن نشاهد السماوات، ونشاهد الأرض، ونشاهد البحار، ونشاهد الجبال، ونشاهد الأنهار، ونشاهد الشمس، ونشاهد القمر، صح؟ فأول ما خلق الله من هذه المخلوقات التي نشاهدها القلم. وأما ما لا نشاهده فليس معنياً في هذا الحديث، ومنه العرش. فلا تعارض بين هذا الحديث وبين حديث «وكان عرشه على الماء»، باعتبار أن العرش خلق قبل القلم وقبل هذه المخلوقات. فتكون المراد بالخلق في حديث عبادة الخلق النسبي، ليس كل الخلق، وإنما الخلق النسبي وهو فيما نشاهده. وأما ما لا نشاهده فأول ما خلق الله على الإطلاق، لا بالنسبة، وإنما على الإطلاق هو العرش، هو العرش. وهذا الجمع لباس به جمع، يعني فيه عمل بالحديثين، فقال به هؤلاء الذين ذهبوا إلى أن أول ما خلق الله الخلق المطلق هو العرش، هو العرش. وأما أول ما خلق الله القلم، هذا بالنسبة لما نشاهده، بالنسبة لما نشاهده، فهي أولية نسبية، فهي أولية نسبية. إذن الآن إذا سئلت وقيل لك: ما هو أول ما خلق الله؟ فالجواب ماذا؟ العرش، أول ما خلق الله العرش. طيب، كيف تقول في هذا الحديث؟ نقول: نعم، أول ما خلق الله فيما نشاهده القلم، فيما نشاهده القلم. فهذه النسبة، أو فهذه الأولية أولية نسبية. هكذا ذكر أهل العلم. ولذلك قال ابن القيم في النونية: والناس مختلفون في القلم * الذي كتب القضاء به من الديان هل كان قبل العرش أو هو بعده * قولان عند أبي العلا الهمدان والحق أن العرش قبل لأنه * قبل الكتابة كان ذا أركاني فابن القيم يرجح إلى أن أول ما خلق الله العرش. قال: قوله: «بالنصب» فيكون المعنى أن الله أمر القلم أن يكتب عند أول خلقه، عند أول خلقه. والمسألة خلافية، فممن قال بأن أول ما خلق الله القلم مطلقاً: ابن جرير الطبري، وابن الجوزي، والشيخ الألباني أيضاً يذهب إلى هذا القول لظاهر الحديث. لكن الصواب قول الجمهور، والله تعالى أعلم، لإمكانية الجمع بين الأحاديث، والله تعالى أعلم. نكتفي بهذا، والمسائل نؤجلها إن شاء الله إلى الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.