شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 33

شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 33

الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 33، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الجمع بين العبادة والاستعانة بالله وأثره في كمال الإيمان

يبيّن المقطع أن كمال العبادة يتحقق باستشعار عون الله فيها، فالعبادة تحتاج إلى استعانة والاستعانة تحتاج إلى عبادة. من حقق هذا التلازم قوي إيمانه ورضاه، مستدلاً بدعاء النبي ﷺ وآيات القرآن.

القدرية وإنكارهم للاستعانة بالله في أفعال العباد

يعرض المقطع موقف القدرية الذين يزعمون أن الله أكمل إعانته بخلق الآلات وتعريف الطريق، فلا حاجة للعبد لتوفيق إضافي. يرد المؤلف بأن فعل العبد مربوط بمشيئة الله تعالى مستدلاً بقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.

أقسام الناس في الاستعانة والتوكل وعلاقتهما بالقدر

يقسم المقطع الناس إلى من ينكرون القدر فتنعدم استعانتهم، ومن لهم عبادات لكن توكلهم ناقص فلم تربط قلوبهم الأسباب بالقدر. يستنتج أن نصيب العبد من التصرف على قدر توكله، ولو توكل حق توكله لأزال الجبال.

خاتمة الدرس والإشارة إلى تكملة الشرح لاحقاً

يختتم المقطع الدرس مشيراً إلى أن التقسيم المذكور أصله من شيخ الإسلام ابن تيمية وتبناه ابن القيم مع زيادات. يعلن المدرس الاكتفاء بهذا القدر على أن يكمل الشرح في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: بعدما ذكر القسم الأول والقسم الثاني من أقسام الناس في العبادة والاستعانة، فلا بد للمتعبد من استعانة حتى تكون عبادته كاملة، ولا بد للمستعين من عبادة. فإذا جمع بين العبادة والاستعانة، فقد جمع بين أمرين عظيمين، وهذا الجمع بين العبادة والاستعانة من أصعب الأمور، أن قد الإنسان ما يدركها. فإذا جاء إلى العبادة، احتاج إلى استعانة، إعانة الله عز وجل له، وهذا من باب الاستشعار. مثلا: إذا جاء إلى الوضوء، استشعر إعانة الله له في هذا الوضوء. على أن إنسانا مثلا لما يأتي إلى الوضوء ليتوضأ للصلاة، كأنه ضامن أنه يتوضأ للصلاة. إذا جاء إلى الصلاة، كأنه يضمن لنفسه أنه سيصلي. وهذا نقص في الاستعانة، بل إن العبد يطلب عون الله عز وجل في عباداته: في وضوئه، في صلاته، في حجه، في صومه. أحيانا بعض العبادات، صحيح أن اللسان يطلب العون فيها، لكن أحيانا بعض العبادات ما يستشعر العون فيها العبد، وهذا كلنا في ذلك إلا من رحم الله. فاستشعار عون الله عز وجل في العبادة له أهمية عظيمة، فهو جمع بين العبادة والاستعانة، وهذا يقوي جانب الإيمان، ويقوي جانب الرضا عند العبد، الرضا عن الله وعن دينه وعن نبيه، فلهذا يكون أكمل إيمانا من غيره. فإذا جاء إلى وضوئه، استشعر أن هذا الوضوء الذي يتوضأ هو أعانه الله عز وجل، وجعله الله عز وجل عليه، إما أنه يطلب العون من الله، أو يستشعر ذلك في نفسه، وأنه إذا جاء إلى الصلاة أيضا كذلك، لا يضمن توفيق الله عز وجل له، فلهذا يستعين بالله عز وجل على هذه الصلاة، يطلب من الله أن يعينه، أو كذلك يستشعر ذلك. ولهذا، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، وحسن عبادتك، وحسن عبادتك. ولهذا أيضا يقول الله عز وجل دائما: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فالعبادة تحتاج إلى استعانة، والاستعانة تحتاج إلى عبادة، لأن الاستعانة بغير عبادة ما تنفع العبد، قد يكون عنده استعانة وعنده... وكذا، لكن كما سيأتي ما تنفعه. فلهذا ذكر المصنف هنا، وهذا كما قلنا كلام الإمام ابن القيم بحذافيره معنا، ذكره في مدارج السالكين. قال: القسم الثالث: من له نوع عبادة بلا استعانة. عنده عبادة، لكنه ما عنده استعانة. وهؤلاء نوعان، هؤلاء نوعان، معنا: يريد نوع من باب الاعتقاد، ونوع من باب العمل. نوع من باب الاعتقاد: أخطأوا في الاستعانة. ونوع من باب العمل. قال: أحدهما: أهل القدر، القائلون بأنه سبحانه قد فعل بالعبد جميع مقدوره من اللطائف، وأنه لم يبق في مقدوره إعانة له على الفعل، فإنه قد أعانه بخلق الآلات وسلامتها وتعريف الطريق. لأنهم يرون أن العبد يخلق فعل نفسه، معناه: يصلي، معناه: إذا أراد أن يصلي صلى، ليس هناك إعانة من الله له، ولا توفيق من الله له. لأنهم يرون أن الله عز وجل لا يتدخل في قدرة العبد، وليس لله عز وجل مدخل في قدرة العبد ومشيئته، بل العبد يفعل الفعل وهو الذي يخلق فعله. فهذا كلام باطل، باطل من ناحية الأدلة، وباطل أيضا من ناحية العقل والواقع. فالإنسان الذي يريد الصلاة، ما يريد الصلاة إلا... ما سيحصل منه الصلاة إلا بتوفيق الله، وإلا قد يصرف عن الصلاة، قد يصاب بمصيبة وهو ذاهب إلى المسجد، أو يذهب إلى مكان آخر، يقول: أزور مثلا أمي، أزور أبي، أفعل كذا، فيصرفه الله عز وجل عن هذه العبادة. فدل على أن فعل العبد مربوط بمشيئة الله، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فلهذا هؤلاء القدرية غلطوا فيه من ناحيتين: من ناحية أنهم لم يقدروا للعبد، أو لم يجعلوا الإعانة من الله عز وجل للعبد، والأمر الثاني: أنه جعلوا أن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وهذا باطل. قال: وسلامتها، تعريف الطريق، وإرسال الرسول، التمكين من الفعل. الآن يقول: إن هؤلاء القدرية يقولون: خلاص، مدام قد أعانك بالآلات، يعني الآلات: أنك تستطيع تمشي إلى المسجد، تنظر في الطريق، سلامتها، وتعريف الطريق: تعرف الطريق، وآلاتك سالمة، تستطيع أن تذهب إلى المسجد، تستطيع أن تذهب إلى المسجد في أي وقت تتصل، فليس هناك داعي أن تسأل إعانة من الله. قال: إعانة مقدوره سأله إياها. قالوا: هؤلاء مكلفون، موكولون إلى أنفسهم، مسدود عليهم طريق الاستعانة والتوحيد. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن آمن بالله وكذب بقدره نقض توحيده». وهؤلاء يعتبرون أيضا أنه فات للقدر... الله عز وجل قد قدر قدر الخلق من خير ومن شر، وهؤلاء ينفون ذلك، يقولون: العبد يخلق فعل نفسه. ولهذا فاستعانتهم ناقصة، بل أنها ليست هناك عندهم استعانة في هذا الباب. النوع الثاني: من لهم عبادات وأوراد، ولكن حظهم ناقص من التوكل والاستعانة. لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر. عندهم عبادات، وعندهم أوراد، لكن توكلهم على الله عز وجل ناقص جدا، وأيضا عدم استشعارهم لإعانة الله عز وجل لهم، فتجدهم قلوبهم ليست مربوطة بأسباب القدر. قال: لم تتسع قلوبهم لارتباط الأسباب بالقدر، وأنها بدون القدر كالموات. الموات: هي الأرض التي ميتة، الأرض الميتة سُميت موات. قال: كالموات الذي لا تأثير له. النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أحيا أرضا مواتا فهو له حق بها»، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. قال: بل كالعدم الذي لا وجود له، وأن القدر كالروح المحرك لها، والمعول على المحرك الأول، والمعول على المحرك الأول. فلم تنفذ بصائرهم من السبب إلى المسبب، ومن الآلة إلى الفعل، فقل نصيبهم من الاستعانة. وهؤلاء لهم نصيب من التصرف بحسب استعانتهم وتوكلهم، ونصيب الضعف والخدران بحسب قلة استعانتهم وتوكلهم. ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكان لأزاله، لو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكان لأزاله. ثم ذكر ما هي حقيقة الاستعانة عملا، وهذا كلام جميل جدا، ذكره الإمام ابن القيم، حتى يعرف الإنسان: ما الاستعانة؟ ما هي الاستعانة؟ وما هو حقيقة الاستعانة عملا، تطبيقا وقولا. هنا، وهؤلاء لهم نصيب من التصرف بحسب استعانتهم وتوكلهم، أنهم يختلفون، يختلف الناس في استعانتهم وتوكلهم، لكن غالبا هؤلاء، أو هذا القسم، عندهم عبادة، لكن ليس عندهم استعانة، أو أن استعانتهم قليلة، تكون في بعض العبادات ولا تكون في بعض. وهذا كما قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: هذا حالنا جميعا إلا من رحم الله. هذا يقول: حالنا جميعا، عندنا عبادة، لكن ما نستشعر الإعانة من الله. وهذا الذي قصده شيخ الإسلام، وكذلك ابن القيم، رحمة الله عليهم، لأن هذا التقسيم أصله عن شيخ الإسلام، وأخذه ابن القيم، وزاد فيه عبارات وتوضيحات. طيب، نكتفي بهذا، وإن شاء الله تعالى نكمل في الدرس اللاحق. ترجمة نانسي قنقر