المحاضرة بعنوان وقفات مع آيات الصيام، والتي كانت ضمن دورة زاد الصائم الثانية بمسجد ابن عباس بمنطقة زغفة يوم الأحد 10 شعبان 1446هـ الموافق 9 فبراير 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
استهل المحاضر بشرح آيات الصيام في سورة البقرة مبيناً مراحل فرضه وكونه شرعة للأمم السابقة، وأن غايته تحقيق التقوى بمعناها الشامل. ثم فصّل كيف يكون الصيام مدرسة عملية لتربية الصبر والمراقبة والشكر على النعم.
بيّن المقطع رخصة الإفطار للمريض والمسافر مع وجوب القضاء، وحكم الصحيح المقيم في أول الإسلام حيث خُير بين الصيام والفدية مع ترغيب الشارع في الصيام. كما أبرز فضيلة رمضان بنزول القرآن فيه ووجوب صيامه على من شهد الشهر.
فصّل المحاضر أحكام المريض حسب شدة المرض: خفيف لا يبيح الفطر، ومشقة يباح فيه والأفضل الرخصة، وضرر يحرم فيه الصوم. كما بين حكم المريض المزمن والكبير العاجز بالإطعام، وحكم المسافر بأن الفطر رخصة والأفضل الأخذ بالأيسر مع النهي عن الصوم المضر.
رد المحاضر القول بجواز إفطار العامل لكسب العيش وقضاء الصيام بدعوى التيسير، مؤكداً أن التيسير الشرعي له ضوابط ولا يبيح تقديم الدنيا على الآخرة. وانتقد فتوى مشابهة لأهل المناجم نقلاً عن الألباني، مقرراً وجوب الصيام ما دام الليل متاحاً للأكل والشرب.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، فكما أُعلن عن هذا المجلس، سيكون عن وقفات من آيات الصيام، هذه الآيات التي ذكرها الله عز وجل في سورة البقرة. وحتى نعلم الآيات التي سنقف عندها وقفات، سيقرأ إن شاء الله أخونا الأستاذ أبو خليل هذه الآيات، ثم نشرع إن شاء الله تعالى في الوقفات. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ * أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. أحسن الله إليك، وبارك الله فيك. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. أولا: الكلام حول هذه الآيات مما يشوق المسلم إلى شهر الصيام، فإن المسلم إذا علم معاني هذه الآيات، وعلم ما تدل عليه من الحكم والأحكام، اشتاق لهذا الشهر. ولذلك يذكر العلماء أن مما يستقبل به شهر رمضان... والقرآن الكريم هو إحدى المصدرين الذين يؤخذ منهما الدين: القرآن والسنة. فالقرآن تكلم عن أصول الدين وأركان الإسلام، ففي القرآن بيان تحقيق التوحيد وهو معنى "لا إله إلا الله"، وأيضا إثبات الرسالة للنبي صلى الله عليه وسلم وهو معنى "محمد رسول الله". وفي القرآن كذلك آيات الصلاة من الأمر بها، ومن ذكر حكمها، ومن ذكر حكمها وفوائدها ونحو ذلك. وهكذا في القرآن ذكر آيات الصيام، وذكر بعض أحكام الصيام وحكم الصيام. وهكذا في القرآن آيات في الحج وفي الزكاة، كل ذلك موجود في القرآن، وإن كان في بعض المواضع يذكر مجملا، لكن جاءت السنة وبينت وفصلت مجمل القرآن. ولذلك ألف العلماء في أحكام القرآن، يعني: ما هي الأحكام التي تؤخذ من القرآن في العبادات. فنحن في هذا المجلس... نحن في هذا المجلس نأخذ معاني هذه الآيات مع ذكر فوائدها، ومع ذكر أحكام الصيام فيها، وبعض الوقفات التربوية التي يحتاجها المسلم في سيره إلى الله عز وجل، وفي تحقيقه لهذه العبادة. فبدأ الله عز وجل هذه الآيات بذلكم الخطاب المحبب لدى المؤمنين، وهو الخطاب بصفة الإيمان، فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، وقال له: "أعهد إلي"، يعني: أوصني بشيء. فقال له عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: "إذا سمعت الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فأرعها سمعك"، يعني: انتبه لها، واستمع استماعا تنتفع به. لماذا؟ قال: "فإنه إما أمر تؤمر به، أو نهي تنهى عنه، أو نهي تنهى عنه". ففي هذه الآية بدأ ربنا عز وجل بهذا الخطاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. "كتب" أي: فرض. وقد ذكر أهل العلم أن فرضية الصيام مرت بمراحل، ذكرت هذه المراحل في هذه الآيات. المرحلة الأولى: أن فرضية الصيام لم يكن شهرا كاملا، وإنما بعض أيام. وردت بعض الأحاديث أن الصيام كان فرضا في يوم عاشوراء، في يوم عاشوراء، وذكر في بعض الأحاديث: وثلاثة أيام من كل شهر. ثم نُسخت فرضية صيام يوم عاشوراء، وجاءت آية الحتم والأمر في صيام رمضان كما سيأتي معنا، كما سيأتي معنا. فصار صوم يوم عاشوراء بعدما كان فرضا وواجبا... نعم، فهذا من مراحل الصيام في عدد أيامه. وهكذا الصيام مر بمراحل في كيفيته وصفته، في كيفيته وصفة هذا الصيام، كما سيأتي معنا في هذه الآيات. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، أي: فرض، ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. الآية دلت على أن الصيام لم يفرض على هذه الأمة فقط، بل فرض كذلك على الأمم السابقة، على الأمم السابقة. لكن ليس فرضية الصيام على الأمم السابقة يوافق صيام المسلمين من كل وجه، وإنما في بعض صفاته. فمنهم من ذكر أنه في صفته كالمعنى من الطعام والشراب، أو الامتناع من الطعام والشراب. وبعضهم ذكر في وقته، أي: من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. أما في مسألة الأيام وعددها ونحو ذلك، فهذا لا شك أنه يختلف، أنه يختلف. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، فيه تنشيط لهذه الأمة بأن تسعى إلى تحقيق هذا الصيام، فينبغي لكم أن تنافسوا غيركم، لا تظنوا أن هذا الصيام شرع لكم فقط، بل شرع لمن كان قبلكم، فنافسوهم في هذا الصيام، وفي الأعمال الصالحة، وفي المسارعة والمسابقة إليها. وأن هذه العبادة ليست من العبادات الثقيلة التي اختصصتم بها، بل هي من العبادات المعهودة والمعروفة عند الأمم السابقة. فاستدل العلماء بهذه الآية على أن الصيام قد كان مشروعا في الأمم السابقة، في الأمم السابقة. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. هذه اللام تسمى "لام التعليل"، يعني: الحكمة من الصيام تحقيق تقوى الله سبحانه وتعالى. ليس من أجل أن تجوع، أو أن تضمأ، أو أن تتعب، وإنما شرع هذا الصيام لأن به حصول التقوى. ومن أي حيزية، أو من أي ناحية يكون الصيام سببا للتقوى؟ من عدة نواحٍ، من عدة نواحٍ، هذه النواحي تتحقق بالصيام، فبها تتحقق التقوى. فالصيام أولا: فيه امتثال لأمر الله، واجتناب لنهيه، وهذه هي التقوى. ما هي التقوى؟ التقوى هو امتثال أمر الله واجتناب نهيه، هذه هي التقوى. من عمل بما أمر الله عز وجل به، وترك ما نهى الله عنه، هذه هي حقيقة التقوى: العمل بالمأمور، وترك المحظور. وهذا كله تجده في الصيام، تجده في الصيام. أمرك الله عز وجل أن تمسك عن الطعام والشراب، فأنت امتثلت لهذا الأمر. نهاك أن تشرب، أو أن تأكل، أو أن كذلك تجامع وأنت صائم، امتثلت لهذا النهي، فلم ترتكب منه شيئا. إذن الصيام فيه تدريب على امتثال الأمر وترك النهي، امتثال الأمر وترك... ماذا؟ النهي. فإذن ليكن هذا الحال في جميع أحوالك، وفي كل أزمانك. نهاك الله عز وجل عن الغيبة والنميمة، وشرب الخمر، والخبائث، والزنا، واللواط، والنظر المحرم، والربا. أنت تعلمت من الصيام أنك تترك الأمر المباح لله عز وجل، تترك الأكل، تترك الشرب، وهو مباح في غير وقت الصيام، امتثلت، ولربما النفس تشتاق إلى هذا الطعام وإلى هذا الشراب، ومع هذا امتنعت. فهكذا في بقية المحرمات الأبدية، فأنت تمتنع عنها امتثالا لأمر الله. فإذن هذا هو التقوى. أمرك الله بالصلاة، بالصيام، ببر الوالدين، بصلة الأرحام، بصدق الحديث... بي... بي... بي... أوامر كثيرة. فالصيام يعلمك الاعتياد على مثل هذه الأوامر. فإذن الصيام مدرسة عظيمة تعلمنا تقوى الله عز وجل، كيف أننا نمتثل الأمر ونجتنب نهيه. كذلك الصيام فيه تدريب على الصبر، والصبر من أعظم أركان التقوى، من أعظم أركان التقوى. الصبر كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. وكما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. فمنزلة الصبر من الإيمان كمنزلة الرأس من الجسد، كما ذكر ذلك العلامة ابن القيم عليه رحمة الله. فإذن الصيام يعودك على الصبر، وهو من أعظم خصال الإيمان، من أعظم خصال التقوى. كيف يعلمك الصبر؟ الصيام يعلمك على جميع أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على طاعة الله، تصبر على أداء هذه العبادة، فتمتثل لأمر الله عز وجل فيها، فتبتعد عن الأكل والشرب، والغيبة، والنميم، والشتم. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث القدسي: "فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم". اصبر، عوض نفسك على هذا الصبر. أنت جائع، أنت مرهق، أنت متعب بسبب هذا الصيام، يأتي واحد يدخل في حالك، يسبك، يستفزك، فإذا ما عندك صبر، سترد الكيل بمك... يا ليل، صح. لكن الصوم يعلمك ماذا؟ أن تمسك نفسك، وأن تصبر، ولا تقابل السيئة بالسيئة. "فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم". انظروا إلى عظم الصبر في مثل هذه المواضع في الصيام. كذلك الصبر على ألم الصيام وتعب الصيام، يعلمك على أقدار الله المؤلمة. أنت تكون ربما متعبا، ربما منهكا، ربما... يعني تحتاج إلى الأكل، تحتاج إلى الشرب، فتصبر، تصبر وتحتسب. هذا يعلمك على أن يكون الصبر سجية لك وطبيعة لك، فتصبر على ترك الشهوات: شهوة الزنا، شهوة اللواط، شهوة النظر المحرم، شهوة الغيبة، شهوة النميمة، وغيرها من هذه المعاصي. فإذن هذا أيضا معنى من معاني تقوى الله عز وجل. الصبر... مدرسة الصيام مدرسة لمراقبة الله. الصيام بينك وبين الله، تستطيع أن تخلو في غرفة، تشرب وتأكل، والناس يظنونك صائما، صح؟ يظنونك صائما. لولا مراقبة الله، وأن الله عز وجل يعلم سرك ويعلم فعلك، هذا لربما تجرأت على أن أكلت أو شربت. لكن ما الذي منعك؟ مراقبة الله عز وجل. فهكذا في غيرها من المعاصي التي تعرض لك خلال شهرك، أو خلال سنتك، أو خلال عمرك. فإذا خلوت في غرفة بجوالك، كما أنك لم تشرب ولم تأكل خوفا من الله، كذلك لا تنظر إلى الحرام، ولا تنتهك محارم الله في الخلوات، لأنك تعلم أن الله يراك. إذن هذا يعلمك على المراقبة، والمراقبة كذلك من أعظم خصال الإيمان والتقوى... الإيمان والتقوى. التقوى... وقص غيرها من الأخلاق الكثيرة: من الحلم، من كذلك الشكر. تشكر الله عز وجل، ولذلك كما سمعتم في نهاية بعض آيات الصيام، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فالصيام يعلمك شكر نعمة الله عز وجل عليك، إذ جعل هذا الصيام أولا: أياما معدودات، ما جعل الصيام غالب السنة، أو جعله ستة أشهر، أو خمسة أشهر، شهر واحد من إثنى عشر شهرا. إذن، احمد الله أن العبادة فيها من التيسير، كما سيأتي معنا. ثم لم يجعل ربنا عز وجل الصيام متواصلا من غير إفطار، بل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ماذا؟ عن الوصال في الصيام. ما يجوز للمسلم أن يصل الصيام، فلا يفصل بين اليوم والآخر بإفطار في الليل. هذا مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو خاص به عليه صلى الله عليه وسلم، لأن ربه عز وجل يطعمه ويسقيه كما جاء في الحديث. وهكذا جعل الله عز وجل هذا الصيام كذلك يعني: جزء من اليوم، ليس كل اليوم. ما قال: من طلوع الفجر إلى قبيل طلوع الفجر، لا، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ربما نصف النهار، أو أقل، على حسب الفارق في وقت الصيف والشتاء. فهذا أيضا يحتاج مننا إلى ماذا؟ إلى شكر. كذلك خفف ربنا عز وجل على من يشق عليه الصيام، كالمريض، وأيضا المسافر، وأيضا كذلك المرضع، أو كذلك الحامل، أو نحو ذلك من الأحكام المعروفة في الصيام. فهذه كلها يحتاج مننا إلى ماذا؟ إلى الشكر لله عز وجل. ثم أيضا كان الصيام في... كما سيأتي معنا في آخر آية من آيات الصيام، كان الصيام يعني: يجوز للمفطر أن يأكل إلى قبيل صلاة العشاء، قبل صلاة العشاء يأكل، إذا لم ينم، فإذا نام، ولو قبل الصلاة، لا يجوز له أن يأكل شيئا. يعني فترة يسيرة من الليل يفطر فيها الصائم، ليس كل الليل. ثم نسخ هذا الحكم، فأباح الله عز وجل للصائم إذا أفطر أن يأكل من أول الليل إلى آخر الليل، كل الليل. هذا يحتاج منه إلى... إلى شكر لله عز وجل. وهكذا تشكر الله عز وجل، إذ أن الله سبحانه وتعالى يعين الصائم. انظر حتى الصغير في رمضان يصوم، يعينه الله، ربما حتى بعض المرضى الذي مرضه خفيفا، تتعجب كيف يصوم، ربما ما يأكل شيء من الطعام والشراب إلا الشيء القليل، ومع هذا يوفقه الله عز وجل للصيام. هذا يحتاج منه إلى شكر. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "للصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه". فيفرح بهذه العبادة إذا انتهى منها ووفق إليها، فهو يحتاج إلى شكر. ولذلك أمرنا الله عز وجل عند انتهاء الصيام أن نشكره سبحانه وتعالى. ولو جلسنا نعدد... نعدد يعني حكم الصيام، لطال بنا المقام، وهو يحتاج إلى مجلس لوحده. هذه حكم الصيام تحتاج إلى مجلس لوحده، ولعل ذلك يكون في الدورات القادمة إن شاء الله تعالى. طيب. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. كما ذكرنا أنه كان يوم عاشوراء، وكذلك ثلاثة أيام من كل شهر، فهي أيام معدودة. الصيام هذا في أول الأمر. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وهذا أيضا من التيسير. جاء يوم عاشوراء... يعني: لما كان فرضا، والمسلم مريض أو مسافر، فهنا له أن يفطر، ثم يقضي مكانه يوما، يقضي مكانه يوما. وهكذا في غيرها من الأيام التي أفطرها. هذه رخصة من الله سبحانه وتعالى. أما الصحيح المقيم، فهذا يجب عليه أن يصوم، أو يفدي كما سيأتي فيما بعد هذه الآية. فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. "على الذين يطيقونه"، يعني: يطيقون الصيام، ليسوا مرضى، ولا يشق عليهم بسفر ونحوه، وإنما هم مقيمون وأصحاء، مقيمون وأصحاء. فهؤلاء يجب عليهم إحدى أمرين في أول الأمر، إحدى أمرين: إما الصيام، وإما الفدية. وهذا معنى القول: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾، يعني: من يطيق الصيام في أول الأمر، فهو مخير: إما أن يطعم عن كل يوم مسكين، وإن كان عنده رغبة في الزيادة على إطعام المسكين، فهذا خير له. ولذلك قال: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾. "تطوع" بماذا؟ يعني: أن يطعم أكثر من مسكين، أن يطعم أكثر من مسكين، فهي صدقة مستحبة. أما إطعام المسكين لمن أفطر، فهي زكاة واجبة، أو صدقة واجبة. فهذا معنى قوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾. ثم رغب ربنا عز وجل في الصيام مع التخير. خير المسلم الصحيح المقيم: إما أن يطعم، وإن كان قادرا على الصيام، وإما أن يصوم. لكن ربنا عز وجل قال: الصوم أفضل، الصوم أفضل. ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. لماذا؟ لأن الصيام كما تقدم عبادة، وفيها حكم كثيرة، ومن أعظمها اكتساب تقوى الله سبحانه وتعالى، فلا شك أن الصيام... ماذا؟ أفضل. وهذا في كثير من الأحكام الشرعية: إذا خير ربنا عز وجل بين أمر وآخر، يرغب في الأمر الذي هو خير، ليس على سبيل... ماذا؟ الإلزام. كما قال سبحانه وتعالى في الحج في أيام منى، في أيام منى. فالنبي صلى الله... يعني: طبعا معروف من الأحكام أن للحاج أن يعجل أو يتأخر. يعجل يعني: يجلس اليوم الحادي عشر والثاني عشر، ثم يخرج من منى، ولا يبيت فيها في اليوم الثالث عشر. هذا للمتعجل. وللمتأخر أن يكمل اليوم الثالث عشر. أيهما أفضل: التعجيل أو التأخير؟ الأفضل التأخير، الأفضل التأخير. لماذا؟ لأنه زيادة عبادة. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم... عجل أو تأخر؟ النبي صلى الله عليه وسلم في الحج: عجل أو تأخر؟ النبي صلى الله عليه وسلم... فلذلك الأفضل أن يتأخر الحاج إلى يوم الثالث عشر، مع جواز أن يتعجل. وهذا مثله في أول الأمر: كان الأمر بالخيار، من أراد أن يفدي، ومن أراد أن يصوم. لكن رغب الله عز وجل في الأمر الآخر، وهو ماذا؟ الصيام. وهذه قاعدة عظيمة: أن المؤمن إذا خير بين أمرين، يختار الأمر الذي فيه زيادة تعبد لله عز وجل، فيه زيادة تعبد لله سبحانه وتعالى، ما لم يشق عليه، ما لم يشق عليه. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. هذه الآية استدل بها العلماء على أن القرآن أنزل في رمضان، وهذه من فضائل شهر رمضان. ولذلك شهر رمضان سيد الشهور، وهو أفضل شهور السنة على الإطلاق، لما فيه من الخصائص والمزايا العظيمة، ومنها، بل ومن أعظمها: أن القرآن أنزل فيه. لماذا؟ يعني: أيش المزية في ذلك؟ المزية: لأن القرآن فيه هداية للناس، أعظم كتاب أنزله الله عز وجل على البشرية. ولذلك بين العلة في ذلك، فقال: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. فالقرآن هداية، فلو لم يكن هذا القرآن، لتخبط الناس في ظلمات الجهل، في ظلمات الشرك. فالقرآن سبب لهداية الناس. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾. وغيرها من الآيات التي تدل على هداية القرآن. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من قراءة القرآن، ومدارسة القرآن في رمضان، كما في حديث ابن عباس: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة". الشاهد من هذا: "حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن". ولذلك في رمضان ينبغي للمسلم أن يعتني بالقرآن عناية خاصة: بتلاوته، وتدبره، ومعرفة تفسيره ومعانيه، وبحفظه، وبالاستماع إليه، ونحو ذلك من معاني الاهتمام بكتاب الله سبحانه وتعالى. نعم. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. ومعنى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾، أي: من دخل عليه الشهر وهو صحيح مقيم، وجب عليه صيام هذا الشهر كاملا، وجب عليه صيام. فمعنى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، اللام هنا تسمى "لام الأمر" عند أهل النحو، وهي صيغة من صيغ الأمر. فاستدل العلماء بهذه الآية على وجوب صيام شهر رمضان لمن دخل عليه الشهر وهو صحيح مقيم، فوجب عليه هنا صيام هذا الشهر. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. هذا التكرار ليس بمعنى التكرار المتقدم. لماذا؟ لأن ذكر المريض والمسافر في الآية الأولى، هذا لمن؟ ماذا؟ هذا لمن كان الصيام في حقه على التخيير، صح؟ لكن هذه الآية في حق من كان الصيام في حقه ليس على سبيل التخيير، بل على سبيل... ماذا؟ الحتم والواجب، الحتم والواجب. فنبه ربنا عز وجل على أن الحكم في المريض والمسافر مثل الحكم المتقدم، مثل الحكم المتقدم. فأراد ربنا عز وجل أن يثبت هذا الحكم الشرعي: أن المريض والمسافر لهما الإفطار. وما يتعلق بأحكام المريض والمسافر، هذا في مجلس قد... لعلكم مررتم به، تكلم الشيخ على مسألة المريض والمسافر، لا يعني فائدة من الإعادة، صح؟ لا بأس، طبعا. المرض قسمه العلماء إلى قسمين: المرض الذي يرجى برؤه، أو برؤه. ومعنى برؤه: يعني أن يشفى منه. هذا المريض يشفى منه، هذا المريض، مثل حمى طارئة، مثل كذلك... يعني صداع شديد، هذه أشياء طارئة، أمراض طارئة، تجلس في الشخص يوم، يومين، أسبوع، ثم تذهب. فإذا مرض المسلم، ولم يستطع الصيام، يشق عليه الصيام، فهنا رخص له الشرع في الإفطار، لكن يجب عليه قضاء ما أفطر، قضاء ما أفطر. أفطر يوم، إذا شفى، يقضي هذا اليوم، ثلاثة أيام، أربع أيام، على عدد الأيام التي أفطرها. نعم. وهذا المرض قسمه العلماء إلى ثلاثة أقسام، إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: المرض اليسير، المرض اليسير، كوجع الضرس، أو الصداع اليسير. هذا مرض، لكن لا يعني يشق تلك المشقة على الصائم. فهنا لا يجوز له الإفطار، لأن هذا المرض ليس بشديد، وليست فيه مشقة، ليست فيه مشقة. نعم. وأما النوع الثاني من المرض: فهو المرض الذي فيه شيء من المشقة، عنده حمى، عنده صداع شديد، أو نحو ذلك. فهنا يجوز له الإفطار، ويجوز له الصيام إن تحامل واستطاع أن يكمل صومه، يجوز ذلك، لكن الأفضل أن يأخذ بالرخصة، الأفضل أن يأخذ بالرخصة. هذا النوع الثاني. النوع الثالث: المرض الذي إذا صام الصائم وهو متلبس به، تضرر، واشتد به المرض. فهذا لا يجوز له أن يصوم، لا يجوز له أن يصوم. إنسان مثلا عنده فشل في الكلى، قرر الأطباء... قرر الأطباء أنه لا بد أن يشرب بعد ساعة أو ساعتين الماء، فإذا لم يشرب، لربما يغمى عليه، لربما يؤدي إلى وفاته، لربما... ولربما. فهذا لا يجوز له أن يصوم، لا يجوز له أن يصوم، إلا إذا شفي من هذا المرض. وإذا لم يشفى، يدخل في المريض الذي لا يرجى برؤه. طيب. إنسان مثلا كذلك عنده مثلا... جرح شديد، يحتاج لا بد إلى علاج بعد كل ست ساعات، إذا لم يشرب هذا العلاج، لربما يتأخر الشفاء، ولربما كذلك... يعني تأتيه الغرغرينا، عاذنا الله وإياكم من ذلك، أو يفسد هذا العضو، أو نحو ذلك. فهذا لا يجوز له أن يصوم، لأنه سيؤدي إلى الضرر، والله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وهذا يوجد عند بعض... خصوصا كبار السن، نعرف بعض كبار السن من حبهم للعبادة والصوم، فإذا صام يتعب بسبب مرض مثلا، أو... يعني يزيد مرضه، وهو مصر إلا أن يصوم، يقول: "كيف؟ أنا الناس يصومون، ونأكل". يعني يشق عليه هذا الشيء، فيصر على إيش؟ يصر على الصيام. هذا خطأ، هذا خطأ. فما جعل الله عز وجل علينا في الدين من حرج، من حرج. نعم. فهذا النوع إذا كان المرض طارئا وليس بمستمر، فله أن يفطر بالتفصيل المتقدم، ثم يقضي ما أفطره. وأما النوع الثاني من أنواع المرض: فهو المرض الذي لا يرجى برؤه، يعني: مرض مستمر مع ذلكم المريض، كمرض سرطان، أو مثلا مرض... يعني فشل كلوي، أو مثلا غيرها من تلك الأمراض المزمنة التي تستمر مع صاحبها. فهذا حكم... وحكم الكبير في السن الذي لا يستطيع الصيام: فيفطر، ويطعم عن كل يوم مسكين، عن كل يوم مسكين. ولا يجوز له أن يصوم، لأن الصوم يضره، لأن الصوم يضره، كما تقدم، كما تقدم. وأما إذا ذهب عقله، فليس عليه لا صيام ولا إطعام، لأن مناط التكليف هو العقل. فإذا ذهب عقله، أو غلب عليه ذهاب العقل، فهذا لا شيء عليه، ولا حرج عليه. هذا بالنسبة للمريض. بالنسبة للمسافر: السفر ذكر أهل العلم أنه رخصة أن يفطر فيه المسافر، على أي صفة كان هذا السفر، سواء كان سفر مريح، أو سفر غير مريح، الرخصة موجودة. لكن اختلف العلماء في الأفضل: ما هو الأفضل للمسافر، أن يفطر، أو أن يصوم؟ منهم من قال: الأفضل أن يفطر، أخذاً بالرخصة. ومنهم من قال: أن يصوم، لأن في الصيام إبراء الذمة، في الصيام إبراء الذمة، وكذلك مسارع في الخيرات، وفي الأعمال الصالحات. ومنهم من فصل، وهذا التفصيل هو الأقرب والله أعلم. التفصيل: أن يقال: يأخذ بالأيسر. إن كان يرى أن الأيسر له الفطر في السفر، يفطر. وإن رأى أن الأيسر له في السفر أن يصوم، صام. كيف الأيسر؟ يعني: إنسان متعود للصيام، فإذا أفطر وهو مسافر، لا يشق عليه الصيام بعد رمضان، يستطيع أن يصوم في أي وقت، يستطيع أن يصوم في أي وقت. وفي السفر يحتاج إلى شيء من الراحة، أو إلى شيء من... يعني الأكل، أو الشرب، أو نحو ذلك. فهنا يأخذ بالأيسر. لكن من... إذا أفطر، شق عليه الصيام بعد رمضان، أن بعض الناس يسهل عليه الصيام في رمضان، لأن الناس كلها صائمة، الناس كلها صائمة، والأمور تكون يعني مهيأة. ومن أفطر، يكون منكرا، ينكر الناس عليه، حتى ربما من جهل بعض العوام، حتى المسافر إذا أفطر، ينكرون عليه، قالوا: "لماذا أنت تفطر؟". الآن السفر راحة، كان... يعني بعضهم يقول لك: "كان السفر يعني فيه مشقة على الجمال، وعلى... يعني الحصان، وعلى الأرجل، ونحو ذلك. أما الآن في الطائرات، في السيارات، لا يجوز لك أن تفطر". لا، هذه فتوى غير صحيحة. الله عز وجل خلق الخلق، ويعلم ما سيؤول... سيؤول إليه حال الخلق. ألا يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير؟ يعلم أن ستأتي الطائرات، ستأتي السيارات. وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فهو يعلم سبحانه وتعالى ما يكون في كونه سبحانه وتعالى. ومع هذا، عمم الرخص في السفر. فالأصل أن الرخص تؤخذ بها، إلا بهذا التفصيل. فالمسلم يأخذ في سفره بالأيسر، يأخذ بالأيسر. وفي حالة من الحالات، لا يجوز للمسافر أن يصوم، وذلك إذا... يعني شق عليه هذا الصيام مشقة شديدة، تضر به. ودليل ذلك ما جاء في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد ظُلل عليه، فسأل، فقالوا: "إنه صائم". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس من البر الصيام في السفر". مثل هذه الحالة الخاصة: يعني من يصوم حتى يغمى عليه من شدة... يعني تعب الصيام، فهذا لا يجوز له أن يصوم، لا يجوز له أن يصوم، لأن الدين يسر، وكما سيأتي في الآية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. فإذن هذه الحالة لا يجوز للصائم أن يصوم فيها، إذا أد به الصيام إلى ماذا؟ إلى الضرر، إلى الضرر. نعم. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. أي: شرع لكم الصيام، وجعل فيه من التيسير سبحانه وتعالى، والتخفيف. فمن تيسير الله عز وجل لنا في الصيام: أن رخص للمريض والمسافر أن يفطر. وكذلك من تيسير الله عز وجل لنا في الصيام: أن جعل وقته وقتا محددا، وأياما معدودة، كما قال: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. فهو كما تقدم: شهر واحد بين إثني عشر شهرا. وهكذا من تيسير الله عز وجل لنا في الصيام: الإطعام لمن لم يستطع الصيام، فلم يأمره بالصيام، أو بالقضاء، لأنه لا يستطيع الصيام. وهكذا أحكام كثيرة تدل على يسر الله عز وجل لنا. فديننا دين اليسر. لكن اليسر بمعناه الصحيح، القائم على أدلة الكتاب والسنة. ليس معنى اليسر على ما يشتهي الإنسان. مثال ذلك: سأطرح عليكم مسألة، نريد واحد يجيب عليه. ها: إنسان يشتغل في البناء، قال: "طيب، الآن سأقف شهر كامل، وكيف يعني؟ أريد مال، فأنا أحتاج أن أشتغل في البناء". مثل: يفطر من الساعة السادسة إلى الساعة الواحدة، فأريد رخصة، يعني: ما أستطيع أشتغل هذا العمل، أحمل حصى، وأحمل يعني... كثيب، وخلطة، ثم... يعني أبقى صائما. الدين يسر، لماذا ما أفطر؟ ثم في يوم الجمعة، أو يوم عيد، إجازات وكذا، أصوم. الدين يسر. ها، إيش الفتوى؟ هذا صحيح، أو ليست صحيح؟ من يجيب؟ ها: هل صحيح، أو ما هي صحيحة الفتوى؟ هل يجوز للعامل أن يترك الصيام ويعمل لأنه يحتاج إلى الكسب، ويفطر، ثم يصوم متى ما يتيسر له؟ "الدين يسر". ها، أستاذ... أحمل... ها: غير صحيح. الدين يسر فيما جاء فيه من التيسير. فأنت بهذا الفعل، كأنك قدمت الدنيا على الآخرة. لأنه يمكن: إذا أنت محتاج، قد جعل الله عز وجل لك فترة الليل. قد يقول قائل: "الليل أنا لا أستطيع أن أعمل، لأنه وقت ظلمة". هذا زمان، وقت ظلمة. الآن ما شاء الله: الطاقة الشمسية، والكهرباء، وإن كانت تعبانة، أربع ساعات، في ساعتين، وكذا. لكن الطاقة الشمسية، والفوانيس، والأشياء هذه المعروفة، فيمكن أن تؤدي... مضطر أن تعمل في الليل. أما أن تترك الصيام بحجة العمل، فهذا ما انتقده العلماء على سيد سابق في "فقه السنة"، عندما أجاز لأهل المناجم أن يفطروا لشدة عملهم، فانتقده العلامة الألباني عليه رحمة الله، ورد عليه في "تمام المنة"، في "تمام المنة". فإذن المراد بذلك: أن التيسير ما يكون بالهواء، أو بما يخالف الشرع. بعض الناس يقولون: "أنتم يا أهل السنة متشددون، الدين يسر". في اجتفعها... نفعل، قال: "لا بأس، الأغاني، أحيان تسمعوا غنية، لا بأس". يعني: مرة تسافر بدون محرم، "لا تشددوا، يعني الدين يسر". هذه أشياء مخالفة للشرع.