ذم العجلة

الخطبة بعنوان ذم العجلة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٤ ذو القعدة ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التحذير من التعجل وآثاره السلبية

يتناول هذا الفصل خطورة خلق التعجل والاستعجال، ويبين أنه من الأخلاق الفاسدة التي ينبغي على المسلم الترفع عنها. يستشهد بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية التي تحذر من هذا الخلق وتدل على تحريمه.

أهمية التأني في العبادات وطلب العلم

يناقش هذا الفصل مواطن النهي عن العجلة في العبادات مثل الصلاة والدعاء وطلب العلم، ويستشهد بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية التي تحث على التأني في هذه المواطن. يشدد على أهمية السكينة والطمأنينة في العبادات وطلب العلم.

تحذير من العجلة في مجالات متعددة

يُنبه هذا الفصل إلى خطورة العجلة في عدة مجالات، مثل العبادات ونقل الأخبار وطلب الرزق، ويستشهد بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية التي تحث على التأني والتثبت. يُشدد على أهمية تجنب نقل الأخبار دون التأكد من صحتها، ويحذر من عواقب العجلة في طلب الرزق.

ختام وتأكيد على أهمية الصلاة على النبي

يشير هذا الفصل إلى الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويختم بالتأكيد على علم الله تعالى. يُظهر الختام أهمية الصلاة على النبي في الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من المظاهر المشينة والسلوكيات الرديئة، ومن الأخلاق الفاسدة الكاسدة، ومما ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يترفع عنها، خلق ذميم، ألا وهو خلق التعجل والاستعجال، هذا الخلق الذي متى ما دب في فرد من الأفراد، فلا تسلمن من انتكاسة أمره واختلال أحواله، ولسرعة مهلكه وهلاكه. خلق التعجل الذي يدور معانيه على عدم التثبت والتبين، وعلى عدم التؤدة والتأني، هذا الخلق الذي فسره العلماء بقولهم: هو الطلب وتحر الشيء قبل آوانه. عباد الله، ما دل على شؤم هذا الخلق وعلى خبثه وخطورته، ما جاءت به الأحاديث الدالة والقاضية على تحريمه ومنعه، وعلى الزجر منه وردعه. روى الإمام البيهقي رحمه الله تعالى من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «التأني من الله والعجلة من الشيطان». قال العلماء في تأويل هذا الحديث: العجلة من الشيطان، أي هو الحامل لها والدافع إليها، وذلك بوسوسته ووسواسه. قال ابن القيم رحمه الله تعالى موضحًا عيوب هذا الخلق: «و لهذا كانت العجلة من الشيطان، فإنها طيش وخفة وحدّة في العبد تمنعه من التبين والوقار والحلم في غير مواضعها، وتستجلب عليه أنواعًا من الشرور وتمنعه أنواعًا من الخير، وهي قرين الندامة، قل من استعجل إلا ندم». يا عبد الله، تأمل في هذه العقوبات وهذه النتائج الوخيمة التي ينالها من كان مستعجلًا. اعلم يا عبد الله أن الاستعجال سبب من أسباب ضياع الدنيا والدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال أبو إسحاق القيرواني: قال بعض الحكماء: «إياكم والعجلة، فإن العرب كانت تكنيها بأم الندامات، فإن صاحبها يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكر، هذا حاله طيش في أفكاره، خلل في تصوره واعتقاداته». عباد الله، لكثرة سلبيات هذا الخلق ولعظم خطورته، ذهب جمع من العلماء إلى جعل خلق التعجل من كبائر الذنوب. قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾، وقال سبحانه: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، قال المفسرون: أي عجولًا، يُبادِر بالأشياء ويستعجل وقوعها. عباد الله، في هذا المقام، أذكر بعض المواضع والمواطن التي بينت الشريعة ضرورة التخلص من خلق العجلة فيها، إذ أن العجلة في هذه الأشياء يذهب بثمرتها ولبها. من هذه المواطن: العجلة في العبادات، فلا يعني هذا أن العبد لا يبادر إلى طاعة الله، بل إن المسلم مطالب بالمبادرة إلى إتيان ما أمر الله جل وعلا به. روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ سمع جلبة رجال، فلما انتهى من صلاته قال: «ما شأنكم؟» قالوا: يا رسول الله، استعجلنا الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا تفعلوا، وعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». وأيضًا من مواطن العبادة التي ينبغي أن تؤدى بغير عجلة: عند إقامتنا للصلاة، فأنت يا عبد الله في إقامتك للصلاة قائم بين يدي ربك جل في علاه. روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، وقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تعتدل جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، وافعل ذلك في صلاتك كلها». ومن المواطن التي لا ينبغي أن تكون العجلة فيها: عند الدعاء، وعند رفع أكف الضراعة إلى الله سبحانه وتعالى، عليك يا عبد الله أن تكون متأنيا مع إلحاحك على ربك جل وعلا، لا تستعجل الإجابة. قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في البخاري: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي». وفي مسند الإمام أحمد قال عليه الصلاة والسلام: «لا يزال العبد بخيرًا ما لم يستعجل». يا عبد الله، ادع الله سبحانه وتعالى، فإن الله سييسر لك ما فيه لك الخير في دينك ودنياك وأخراك. ومن المواطن التي ينبغي أن لا تكون العجلة فيها: في طلبك للعلم وتحصيلك للعلم، فرب طالب علم يستعجل في طلبه للعلم. قال ربنا جل وعلا: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه التبيان في أقسام القرآن: «من أدب الرب الذي أدب به نبيه صلى الله عليه وسلم، أمره بترك الاستعجال عند تلقي الوحي، بل يصبر حتى يفرغ منه جبريل». فاصبر يا عبد الله ولا تستعجل في طلبك للعلم. ومن الأمور التي ينبغي للعبد أن لا يستعجل فيها: التطاول على الناس والاستطالة على أعراض الآخرين. قال ربنا جل في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال إمام السعدي رحمه الله تعالى معلقًا على هذه الآية: «فإن التثبت في هذه الأمور يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الْفَوَائِدِ الْكَثِيرَةِ وَالْكَفُّ عَنْ شُرُورٍ عَظِيمَةٍ». نعم يا عبد الله، هذا موطن التأني وعدم العجلة في الطعن في الأشخاص والحكم على الأعراض، يظهر فيه يا عبد الله رجاحة عقلك ورزانتك. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. فمما مضى، علمنا خطورة هذا الخلق، خلق التعجل والاستعجال، وكيف أن من تلبس بهذا الخلق، فعليه أن ينظر في عواقبه وفي مآلات أموره. علمنا يا عباد الله أن العجلة منهي عنها في ديننا، وقد نصت الشريعة على بعض الأمور التي ينبغي أن يحرص المؤمن كل الحرص على عدم الاستعجال فيها. وكان من أعظم هذه المواطن: عدم الاستعجال في العبادات، وأنك يا عبد الله في تقربك لله سبحانه وتعالى، عليك أن تتحلى بالتؤدة وأن تتحلى بالتأني والتثبت وعدم الاستعجال. وأيضًا يا عباد الله، من المواطن التي ينبغي أن يتأنى فيها العبد: عند التطاول على الآخرين، وذلك بالولوغ في أعراض المسلمين، برميهم والطعن في دينهم بغير بينة ولا برهان. وأيضًا يا عباد الله، من المواطن التي حرصت الشريعة كل الحرص على ترك العجلة فيها: ما يكون من نقل الأخبار، إن من تأمل في أحوال أناس من الناس، لو ربما من وطن نفسه على أنه ما إن يسمع بخبر، خيرًا كان أو شرًا، إلا سارع إلى بثه هنا وهنالك دون التثبت في مصدره ودون التثبت في صحته. قال عليه الصلاة والسلام كما روى ذلك الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع». وفي لفظه قال عليه الصلاة والسلام: «كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع». نعم يا عبد الله، حسبك بهذا الفعل إثمًا أن تكون وكيلًا للأخبار تبث هنا وتبث هنالك دون التأكد من مصدره ولا من صحته. وإن هذا الأمر لا يعظم إثمًا ويزداد نكرًا إذا كان هذا الخبر يحمل في طياته إشاعة الروع والخوف بين المسلمين، أو كان فيه الطعن والغمز في أعراض المسلمين. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. ولما وقعت حادثة الإفك، وتكلم من تكلم في عرض أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها، أنزل ربنا جل وعلا على أصحاب رسول الله آيات فيها التربية وفيها التأديب في عدم التحلي بهذا الخلق الأثيم. قال سبحانه: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. فاحذر يا عبد الله من التعجل في نقل الأخبار، فإن كنت يا عبد الله لابد ناقلًا، فتأن في الخبر، وذلك بالتأكد من صحته. ومن الأبواب التي نهت عنها الشريعة: الاستعجال في طلب الرزق، إن الله سبحانه وتعالى كتب الأرزاق لكل عبد، فإنه ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله جل وعلا لها رزقها وهي في مهدها. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الرزق ليطلب العبد أشد مما يطلبه أجله». وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بما حرم الله، فإنما عند الله لا ينال إلا بطاعته». وهكذا يا عباد الله، علينا أن نربي أنفسنا على ترك هذا الخلق، فإنه خلق مشين، وكم ربى نبينا أصحابه على عدم العجلة في أمورهم. ففي صحيح البخاري أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: «إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك». قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى شارحًا هذا المقطع: «أي لا بأس عليك بالتؤدة وعدم العجلة». نعم يا عبد الله، رب نفسك، وعلينا أن نربي أنفسنا جميعًا في عدم العجلة، فإن العجلة ليس من صفات المؤمنين العقلاء. قال أبو حاتم البستي رحمه الله تعالى: «العجلة من خلق الأحمق». فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.