الدرس في شرح نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع مصطلح الحديث المشهور اصطلاحاً بأنه ما رواه ثلاثة فأكثر في كل طبقة مع الخلاف في تغايره عن المستفيض، ثم يعرف العزيز بأنه ما رواه اثنان عن اثنين. ويناقش اشتراط العزيز للصحة مردوداً قول من اشترطه، مؤكداً أن الجمهور على عدم اشتراطه.
يناقش المقطع تقسيم الحديث الآحاد إلى ثلاثة أقسام: المشهور، والعزيز، والغريب مع تعريف كل منها، ويعرض خلاف العلماء حول شرط البخاري في اشتراط راويين عن راويين. ويرد على ابن العربي وابن حبان بأمثلة من الأسانيد الصحيحة مبيناً أن العزيز ما رواه اثنان عن اثنين في أدنى طبقة.
يقرر المقطع أن خبر الواحد الصحيح حجة موجبة للعلم والعمل معاً عند جمهور السلف، ويرد على من يزعم أنه يفيد الظن فقط كالمعتزلة والأشاعرة. يبين أن احتاف الخبر بالقرائن كرواية الشيخين وتلقي الأمة بالقبول يورث العلم القطعي.
ذكر المحاضر أن من أئمة الحديث الذين صرحوا بإفادة ما أخرجه البخاري ومسلم: الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وأبو عبد الله الحميدي، والفضل بن طاهر. وأشار إلى احتمال أن تكون مزية هؤلاء الأئمة أن أحاديثهم تبلغ درجة الصحة المطلقة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فقد أخذنا المتواتر، وأنه كما قال المؤلف: بجهد العلم اليقيني بشروطه، حسب الشروط التي ذكرت. طيب، قال رحمه الله تعالى: «والثاني وهو أول أقسام الآحاد». وقد تكلمنا على تقسيم الحديث إلى متواتر وآحاد بما قبل، وقلنا: إنه إنما أول من قال بهذا هم أهل البدع، ثم أخذها عنهم أهل الحديث، هذا التقسيم، وجعلوه اصطلاحًا. قال: «والثاني وهو أول أقسام الآحاد: ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين، وهو المشهور عند المحدثين». وهنا لما قال: «عند المحدثين»، أراد أن يخرج غير المحدثين؛ لأن هناك مشهورًا، بعض الأحاديث مشهورة. وهنا قوله: «عند المحدثين»، أي في اصطلاحهم، في اصطلاح المحدثين، المشهور عندهم هذا هو ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين. فإذا كان أكثر من اثنين، من الثلاثة وفوق، فهذا يسمى مشهورًا. ولأن هناك من المشهور ما يسميه مثلًا بعض أهل اللغة: مشهورة، وعند أهل الأصول: حديث مشهور، وعند أيضًا كذلك العامة: أحاديث مشتهرة، وقد ألف في ذلك. قال: «سُمي بذلك لوضوحه»، لوضوحه؛ لأنه واضح ظاهر. قال: «وهو المستفيض على رأي أي جماعة من أئمة الفقهاء، سُمي بذلك لانتشاره، ومن فاض الماء يفيض فيضًا». قالوا: منهم من غاير بين المستفيض والمشهور، بأن المستفيض يكون في ابتداء وانتهاء سواء، والمشهور أعم من ذلك. ومن غاير، هو قول للحنفية، أو هو قول الحنفية: التغاير بين المستفيض والمشهور. وكثير من أهل العلم على أنه واحد، على أن المستفيض والمشهور واحد. وبعضهم غاير بهذا التغاير: أن المستفيض يكون في ابتداء وانتهاء سواء، والمشهور أعم من ذلك. مثلًا: يرويه ثلاثة من ثلاثة، يكون في ابتداء ثلاثة، إلى انتهاء وهم ثلاثة، ثلاثة، ثلاثة، هذا يسمى مستفيضًا عند بعض العلماء. وبعضهم يقول: المستفيض ما كان أكثر، ما كان أكثر من الثلاثة، ولم يبلغ حد التواتر. ولم يبلغ حد التواتر، أنا أقل طبقة فيه تكون أكثر من ثلاثة، قل طبقة أربعة، ويقول: لم يبلغ حد التواتر. والذي عليه أكثر أهل العلم، من باب الاصطلاح خاصة، أنه المشهور والمستفيض واحد. قالوا: منهم من غاير على كيفية أخرى. فمن ذلك أيضًا من هذا: أنهم بعضهم غاير بما ذكرنا، وبعضهم أيضًا غاير بأنه جعل المستفيض ما تلقته الأمة بالقبول دون اعتبار عدد. قال: «وليس من مباحث هذا الفن؛ لأنه ليس له تعلق بالقبول والرد، فهو ليس من مباحث هذا الفن»، أي علم الحديث. أي: مبحث التفريق بين المستفيض والمشهور هذا يبحثه الأصوليون؛ لأنه ينفع في أبواب الترجيح، أو مواضع التفريق بين هذه الأشياء، ينفع في الترجيح، لا مقدور في الوصول، النظر المصوب، لا ينفع في الترجيح، ينفع في الترجيح؛ يجعلونهم المرجحات لهذا، يفاضلون بين هذه الأشياء، ويغيرون بينها. قال: «ثم المشهور يطلق على ما حرر هنا، وعلى ما اشتهر على الألسنة». ما حرر هنا؛ لأنه مصطلح الحديث، هذا مصطلح، هذا الحديث المعنى الاصطلاحي. وعلى ما اشتهر على الألسنة: هذا بابه آخر، الأحاديث التي اشتهرت على الألسنة. وهذا قد ألف، كما قلنا، فيه أحاديث كثيرة. ومن ذلك كتاب السخاوي، أو فيه كتب كثيرة، من ذلك كتاب السخاوي الذي سماه «المقاصد الحسنة»، وأيضًا كذلك العجلوني في «كشف الخفاء»، وغيرها مما ألف في هذا الباب. ويذكر الشيخ علي بن حسن هنا أنه له أيضًا كتاب في هذا، سماه «الكشف والحديث عما اشتهر من الحديث على ألسنة الناس في العصر الحديث». أراد ذكر بعض الأشياء المشتهرة، وزاد عليها، فقال: «وعلى ما اشتهر على الألسنة»، فيشمل ما له إسناد واحد فصاعدًا، بل ما لا يوجد له إسناد أصلًا؛ لأنه إنما يكون مشهورًا بين الناس. والغالب أن الأشياء التي تشتهر عند العامة تكون من القسم الضعيف، والغالب؛ لأنه قديمًا كان الناس يسمعون من الوعاظ والقصاص، والقصاص والوعاظ هؤلاء ما كانت عندهم تحرٍّ إلا حديث، وإنما يأتي بالحديث إذا رأى فيه قصة أو رأى فيه موعظة. الوعاظ يأتون بالحديث ولا ينظرون إلى صحته أو إلى ضعفه. قال: «والثالث: العزيز». بعد ما انتهى من المشهور دخل في العزيز. قال: «وهو أن لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين». سُمي بذلك إما لقلة وجوده، وإما لكونه عزة، أي قوية بما جاءه من طريق أخرى. وكما قلنا: أن العزيز إما بكسر العين: عِزَّة، يعِز، أي لقلة وجوده، وإما بفتح العين: عَزَّة، يعِز، أي إذا قوية أيضًا. وبعضهم يذكر أمرًا ثالثًا: وهو بضم العين: عُزَّة، يعُز، إذا غلب وقهر. وهنا اختلفوا: ممّ مشتق هذا العزيز؟ هل هو لقلة وجوده، أم لكونه عزة أي قوية؟ والظاهر الثاني، والظاهر الثاني. وأما الأول، على قول، كما سيأتي الآن. قال: «وليس شرطًا للصحيح، خلافًا لمن زعمه». قال: «وهو أبو علي الجبائي من المعتزلة». وإليه يُنسب كلام الحاكم أبي عبد الله في علوم الحديث، حيث قال: «الصحيح أنه...» والكتاب اسمه «معرفة علوم الحديث». وهذا يقول الشيخ علي: إنه ليس موجودًا في «المعرفة» ولا في «المدخل». وقد عزاه الحافظ في «النكتة» إلى «المدخل»، المدخل إلى الإكليل، أو المدخل إلى الصحيح، كذلك. لكن يقول: إنه لم يوجد. لكن الحازمي ذكره عنه، ذكره الحازمي عنه في «الشروط الخمسة» أو «الشروط الأئمة الخمسة». قال: «الصحيح هو: الصحيح أن يرويه صحابي، يزول عنه اسم الجهالة، بأن يكون له راويان، هم من يتداول أهل الحديث إلى وقتنا، كالشهادة على الشهادة». وهذا يُفهم من كلام الحاكم أنه اشترط أن يكون اثنين واثنين، وأنه يكون شرطًا للصحيح. وهذا ليس بصحيح. وهذا ليس بصحيح. وأيضًا مما جعل الحافظ ابن حجر يقول: يُنسب كلامه، وإلا كلامه قد يكون صريحًا؛ لأنه قال: «كالشهادة على الشهادة». الشهادة على الشهادة معناها: أنه اثنين، الواحد ما يكفي، لابد اثنين. وكل رجل يأتي برواية يأتي معه من يشهد له بهذه الرواية. لكن الذي جعل الحاكم يقول: يُنسب، أو جعل الحافظ يقول: إنه إليه يُنسب، أنه لأن الحاكم لم يعمل بهذا. الحاكم لم يعمل بهذا الشرط. قد فسره الحافظ نفسه في «النكتة الصلاحية»، فقال: «إن مراد الحافظ أو الحاكم إنما هو رواية الراوي، وليس نفس الحديث». رواية الراوي تحتاج إلى من يعتضد. هذا احتمال. لكن ظاهر كلامه أنه أراد هذا. لكن يحمل، كما قلنا، أيضًا كذلك على أنه شاهد، أو أنه وإن قال به فهو لم يعمل به. فهذا «المستدرك» للحاكم لم يعمل به على أنه الشرط للصحيح. قال: «وصرح القاضي أبو بكر بن العربي في شرح البخاري بأن ذلك شرط البخاري، وأجاب عما أورد عليه من ذلك بجواب فيه نظر». ونص كلام أبي بكر بن العربي في شرح البخاري: ليس موجود، لكن نصه ذكره المناوي، كما ذكره هنا الشيخ علي في «الوافد». قال: «مذهب البخاري أن الصحيح لا يثبت حتى يرويه اثنان عن اثنين». وقال: «بأن ذلك شرط البخاري، وأجاب عما أورد عليه من ذلك بجواب فيه نظر». لأنه قال: «فإن قيل: حديث الأعمال بالنيات فرد، لم يرويه عن عمر إلا علقمة». قال: «قلنا: قد خطب به عمر رضي الله عنه على المنبر بحضرة الصحابة، فلولا أنهم يعرفونه لأنكروه». كذا قال. فهذا أيضًا التعقيب ليس بصحيح. أو هذا الكلام الذي ذكره الحافظ ابن العربي ليس بصحيح. أنه أن عمر خطب به، فهو لأن يعتبر مشهورًا، أو يعتبر حديثًا صحيحًا؛ لأن الناس قد سمعوه ولم ينكروه. فقال الحافظ تعقيبًا على هذا: «وتعقب بأنه لا يلزم من كونه سكت عنه أن يكون سمعوه من غيره، وبأن هذا لو سلم في عمر، منع في تفرد علقمة. لو كان سلمنا لك أنه عمر فعل هذا، هذا مشهور مثلًا عند الصحابة، لكن على علقمة لم يرويه عن عمر إلا علقمة، وهو ابن وقاص، الليسي، كما هو». قال: «ثم تفرد محمد بن إبراهيم التيمي به عن علقمة أيضًا، هذا من هذا الباب. ثم تفرد يحيى بن سعيد به عن محمد». يحيى بن سعيد الأنصاري، على ما هو الصحيح المعروف عند المحدثين. أي: أنه صحيح أن هذا الحديث لم يأتِ من طريق أخرى صحيحة إلا هذه الطريق، طريق يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة عن عمر. فلذلك فإشكال الحافظ ابن العربي غير صحيح. قال: «وقد وردت له متابعات لا يعتبروا بها لضعفها، وقد ذكر هذا العراقي رحمه الله تعالى في كتابه «التقييد والإيضاح»، ذكر هذه المتابعات، أو ذكر بعضها، وبينا أن بعضها بالمعنى، وأن ما جاء باللفظ لم يصح، وإنما ما صحت إلا هذه الطريق». قال: «وكذا لا نسلم جوابه في غير حديث عمر رضي الله تعالى عنه». قال ابن رشيد: «ولقد كان يكفي القاضي في بطلان ما دعا». وهذا ابن رشيد هو الفهري، وله كتاب على صحيح البخاري اسمه «ترجمان التراج». قال: «ولقد كان يكفي القاضي»، أي القاضي ابن العربي، «في بطلان ما دعا: أنه شرط البخاري، أول حديث مذكور فيه». ودعا ابن حبان نقيض دعواه، فقال: «إن رواية اثنين عن اثنين إلى أن ينتهي لا توجد أصلًا». وكلام ابن حبان أيضًا كذلك رد عليه. رد على الحافظ أيضًا: أنه بالحديث الأول والحديث الأخير من البخاري. الحديث الأول والحديث الأخير: الحديث الأول ليس حديث «إنما الأعمال بالنيات»، والحديث الأخير: إيش من الحديث؟ «كلمتان خفيفتان». آخر حديث في صحيح البخاري، وهو فرد كذلك. فهذا يرد على القاضي ابن العربي. وهنا ابن حبان ادعى هذا الكلام: أن رواية اثنين عن اثنين إلى أن تنتهي لا توجد أصلًا، لا توجد في الأسانيد. قال: «وقال وقال وقال وقال فقط لا توجد أصلًا». فيمكن أن يسلم. وأما صورة العزيز التي حررناها فموجودة: بأن لا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين. وإن أراد ابن حبان أن اثنين عن اثنين، اثنين عن اثنين، إلى آخر ما ينتهي، فهذا قد يكون كلام صحيح، قل لا يوجد هذا في الحديث. وإن وجد، ستجد أشياء بسيطة. لكن وجد أن أقل رواية في الأسانيد عن اثنين هذا وجد كثيرًا، وهذا هو العزيز. قال: «مثال ما رواه الشيخان من حديث أنس، والبخاري من حديث أبي هريرة. عندنا صحابيان: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده"». الحديث. قالوا: «رواه عن أنس: قتادة وعبد العزيز بن صهيب. ورواه عن قتادة: شعبة وسعيد. ورواه عن عبد العزيز: إسماعيل بن عياش وعبد الوارث. ورواه عن كل جماعة...» فهذا يصلح أن يكون عزيزًا. طيب، قالوا: «الرابع: الغريب، وهو ما يتفرد بروايته شخص واحد». وخلاصة الآن: العزيز هو أن يرويه أقل من اثنين، أن أقل من اثنين، أن يكون أقل طبقة في الإسناد اثنين، أقل طبقة في الإسناد اثنين، فهذا يسمى عزيزًا. قالوا: «الرابع: الغريب، وهو ما يتفرد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد به من السند، على ما سيقسم إليه: الغريب المطلق والغريب النسبي». فهذا سيأتي الكلام عليه. أي: الغريب هنا ذكر الغريب المطلق، وهو ما يتفرد بروايته شخص واحد، وهو ما يسمى الفرد المطلق، كما سيأتي. فهذا سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على قسم الغريب. لكن هنا لأجل أنه من تقاسيم هذا التقسيم: المتواتر والآحاد. فالمتواتر معروف، والآحاد على ثلاثة أقسام: المشهور، والعزيز، والغريب. والغريب يطلق على الغريب المطلق، وكذلك الغريب النسبي، أو الفرد المطلق والفرد النسبي، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قالوا: «كلها، أي الأقسام الأربعة المذكورة، سوى الأول وهو المتواتر: آحاد». يقال: «ويقال لكل منها: ويقال لكل منها خبر واحد». قال: «وخبر الواحد في اللغة: ما يرويه شخص واحد. وفي الاصطلاح: ما لم يجمع شروط المتواتر». لا، هذا خبر الواحد. وهنا ذكر تعقيب في «الوافد» من تعقيب الشيخ قاسم بن قطلوبغا، فقال: «بأن الذي تحصل من كلامه، أي من كلام الحافظ: أن الخبر ينقسم إلى متواتر وآحاد، وأن الآحاد: مشهور، وعزيز، وغريب. وأن المشهور: ما روى مع حصر عدد، عدد بما فوق. وأن الغريب: هو الذي ينفرد به شخص واحد في أي موضع وقع التفرد به. وقد تقدم لنا الخلاف: المتواتر بلا حصر عدد، فهو خارج على الأقسام، غير معروف الاسم». هذا طيب. المهم: أنه تقسيم الحديث: متواتر وآحاد. وهذا الذي تقدموا فيه في الآحاد: المقبول، وهو ما يجب العمل به عند الجمهور. وهذا المقبول وهو ما يجب العمل به، وهذا عند جمهور السلف: أن كل ما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوجب العلم والعمل معًا، يجب العلم والعمل معًا. طيب، وقد ألف الإمام البخاري، أو عقد الشافعي بالرسالة بابًا محكمًا لوجوب العمل بخبر الواحد. وألف الشيخ الألباني رسالة في ذلك، وألفت رسائل كثيرة في هذا الباب. وكما قلنا: أن العمل وحجية العمل بخبر الواحد أو خبر الآحاد متواتر... قالوا: «فيها المردود، وهو الذي لم يترجح صدق المخبر به، في التوقف، الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواياتها، رواياتها دون الأول. أن الأول جزم، والثاني حصل به شيء من الإشكال». قالوا: «وهو المتواتر دون الأول، وهو المتواتر». المتواتر ما يبحث في إسناده في عدالة الرجال جرحًا وتعديلًا، وإنما يبحث فقط: هل فيهم أحد ممن يكذب أو لا؟ قال: «فكله مقبول لإفادة القطع بصدق مصدريه، بخلاف غيره من أخبار الآحاد». وكما قلنا: الحق أنه يوجد بالعلم والعمل، وهذا هو مذهب السلف عامة، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية. قد ذكر الإمام ابن القيم بحثًا مستوعبًا في «الصواعق المرسلة» على هذا الأمر، أي على خبر الواحد، وأنه حجة، وأنه يفيد العلم والعمل. وأيضًا يستدل به سواء كان في العقيدة أو في غيره. لأن بعض أهل البدع من المعتزلة والأشاعرة يقولون: أن خبر الواحد لا يستدل به في العقيدة. وهذا كلام باطل. طيب، قال: «لكن إنما واجب العمل بالمقبول منها؛ لأنها إما أن يوجد فيها أصل صفة القبول، وهو ثبوت صدق الناقل، أو أصل صفة الرد، وهو ثبوت كذب الناقل، أو لا. فالأول: يغلب على الظن ثبوت صدق الخبر لثبوت صدق ناقله، فيأخذ به». فهذا قوله: «يغلب على الظن» ليس بصحيح، وإنما يفيد العلم إذا كان هذا المخبر صادق؛ فإنه يفيد العلم. قال: «الثاني: يغلب على الظن كذب الخبر». لكن هنا لعله أراد معنى: أنه وجد فيه صفة القبول، فالصادق يغلب على الظن أنه صدق، والكاذب يغلب على الظن أنه يكذب. لكن من ناحية إفادته: فيأخذ العلم. فإن كان الغد صادق ثقة، أفاد كلامه العلم. قال: «الثاني: يغلب على الظن كذب الخبر لثبوت كذب ناقله، فيطرح، فيطرح ما لا يطرح». طيب. قال: «فالثالث: إن وجدت قرينة تلحقه بأحد القسمين التحق، وإلا فيتوقف فيه. وإذا توقف عن العمل به صار المردود؛ فإنه لا يعمل به». قال: «لا لثبوت صفة الرد، بل لكونه لم توجد فيه صفة توجب القبول». والله أعلم. وتجد أن أهل السنة يقولون: أن كل ما صح على النبي صلى الله عليه وسلم فهو يوجب العلم والعمل معه. طيب، قال: «وهنا قال: وقد يقع فيه، أي في أخبار الآحاد، المقسمين: مشهور، وعزيز، وغريب، ما يفيد العلم النظري بالقرائن، على المختار». وهذا يدل على أن الحافظ يقول: أنه يفيد الظن. وهذا كلام باطل، بل أنه يفيد العلم. وهل هذا العلم قطعي أو نظري؟ فهذا ينظر إليه. إن كان هناك قرائن دلت عليه فهو علم قطعي، وإلا فينظر، فهو من العلم النظري. قال: «بالقرائن، والقرينة المراد بها: الأمر، وهي الأمر يشير إلى المطلوب ويؤكده. أن هذه القرينة هي المؤكدة التي تؤكد الشيء. وقد توجد هذه القرينة في نفس الراوي، أو من شيء خارج الراوي. فما تكون في نفس الراوي: على أن يكون إمامًا جبلًا في الحفظ. أو تكون هذه القرينة من شيء خارج الراوي: وهو الشواهد والمتابعات. فهذه القرائن. وأيضًا كذلك من القرائن: وجوده في الصحيحين. وجوده في الصحيحين؛ لأن الناس اعتنوا في الصحيحين، وخرجوا لأحاديث المنتقدة، أو ذكروا لأحاديث المنتقدة». قال: «قال: الخلاف في التحقيق لفظي». وهذا ليس على إطلاقه، على أن الخلاف لفظي. فالخلاف جوهري، خاصة بين الظن واليقين، أو بين العلم كما يقوله: غلبة الظن، وبين العلم. قال: «قال: الخلاف في التحقيق لفظي؛ لأن من جوز إطلاق العلم قيده بكونه نظريًا، وهو الحاصل عن الاستدلال. بل بعضهم يقول: العلم قطعي، ليس نظريًا». قال: «من أبطل إطلاق خصى لفظ العلم بالمتواتر، وما عداه عنده كله ظني. لكنه لا ينفي أن ما احتف بالقرائن أرجح مما قال عنها». ومن هذا الباب دخل هؤلاء أهل البدع، وقالوا: أن هذه الأحاديث تفيد الظن، وما تفيد العلم. وإن كان مثلًا يرون أن لا فرق بين المتواتر وبين الآحاد، فلا داعي لهذا التقسيم. وأول الترجيح. قال: «لكنه لا ينفي أن ما احتف بالقرائن أرجح مما قال عنها». ووقفنا: الخلاف في التحقيق لفظي؛ لأن من جوز إطلاق العلم قيده بكونه نظريًا، وهو الحاصل عن الاستدلال. ومن أبطل إطلاق خصى لفظ العلم بالمتواتر، ما عداه عنده كله ظني. لكنه لا ينفي أن ما احتف بالقرائن أرجح مما قال عنها. وهذا كما قلنا: أنه لا فائدة للترجيح إذا كان يرى أنه كلها يعمل بها. قالوا: «الخبر المحتفي بالقرائن أنواع: منها ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ حد التواتر. فإن احتفت به قرائن: منها جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء كتابيهما بالقبول. وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر». هذا كلام صحيح: أن تلقي العلماء بكتاب البخاري ومسلم، هذا قرينة على صحة ما فيهما، إلا ما قد أن يُقل. قال: «إلا أن هذا مختص بما لم ينقد واحد من الحفاظ ما في الكتابين، وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين». قال: «بين مدلوليه مما وقع في الكتابين، حيث لا ترجح، الاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما». طيب، نحن مستحيل أن يكون هذا الصدق وهذا الصدق وهما متناقضان. قال: «من غير ترجح لحدهما على الآخر». وما عدا ذلك، فالإجماع حاصل على تسليم صحته. ما يقال كله ثابت، كله أرد. وكيف هم متناقضان؟ قال: «فإن قيل: إنما اتفقوا على وجوب العمل به، لا على صحة منعناه». قال: «وسند المانع: أنهم متفقون على وجوب العمل بكل ما صح، ولو لم يخرجوا الشاخص. فلم يقضي الصحيحان في هذا مزية. وإجماع حاصل على أن لهم مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة على الذي يكون في البخاري ومسلم. أصح من غيره». قال: «ومن صرح بإفادة ما أخرجه الشيخان العلم: الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، من أئمة الحديث». قال: «ومن أئمة الحديث: أبو عبد الله الحميدي، والفضل بن طاهر، وغيرهما». قال: «ويحتمل أن يقال: المزية المذكورة: كون أحاديثه ما الصحة الصحية». طيب، هذا ما يذكر في هذا الباب. إن شاء الله نكتفي بهذا.