كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 19

كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 19

الدرس في كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 19، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تعريف الضمان والكفالة وأدلتهم

يُعرّف الضمان لغةً واصطلاحاً بأنه التزام الإنسان بما وجب أو قد يجب على غيره، مع التمييز بين ضمان الدين الحال وكفالة الأداء المستقبلي. ويستدل له بآية ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ وحديث «الزعيم غارم» وقصة أبي قتادة مع النبي صلى الله عليه وسلم في ضمان دين الميت.

أركان الضمانة وشروط استحبابها

يذكر المقطع أركان الضمانة الثلاثة: الضامن، والمضمون عنه، والمضمون له، مع تمثيل عملي لكل ركن. ويبين أن الضمانة جائزة من جانب المضمون عنه والمضمون له، ومستحبة للضامن القادر على الوفاء لأنها إحسان وتفريج عن مسلم، أما غير القادر فلا يستحب له الضمان.

شروط صحة الضمانة وعدم مشروعيتها مع العجز

توضح المادة أن الضمانة لا تُشرع إذا كان الضامن عاجزاً عن الوفاء لئلا يلحق الضرر بنفسه. وتستعرض ثلاثة شروط لصحة الضمان: أهلية الضامن ورضاه، وأن يكون الدين معلوماً أو مآله إلى العلم، مبينة بطلان ضمان المجهول والعبد وغير الراشد.

ختام الدرس وتأجيل بقية المسائل

أعلن المحاضر انتهاء الجلسة الحالية على أن تُستكمل بقية المسائل في الدرس القادم. وشكر الحضور على مشاركتهم وأسئلتهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه "منهج السالكين": "والضمان أن يضمن الحق عن الذي عليه، والكفالة أن يلتزم بإحضار بدن الخصم". قال صلى الله عليه وسلم: «الزعيم غارم». طيب، نأخذ هذا الضمان ومعناه كما ذكر أهل العلم: التزام الإنسان نفسه ما وجب أو ما قد يجب على غيره. التزام الإنسان نفسه ما وجب أو ما قد يجب على غيره. مثال ذلك: مثال ذلك ما وجب. قوله هنا "ما وجب" أي أن ترى شخصًا ممسكًا بشخص يريد أن يحاكمه وأن يدفعه إلى ولاة الأمر بأنه مثلا أخذ ماله. طيب، فهو يريد أن يأخذه إلى الشرطة أو إلى المحكمة بأنه يطلبه مالًا، فتأتي أنت وتراهم يتشاكسون ويتنازعون، فتقول لهذا الطالب: "أنا ضامن فلان"، بمعنى سيعطيك الحق وأنا أضمنه. واضح؟ واضح. فهذا معنى التزام الإنسان نفسه ما وجب؛ لأن هذا واجب. وأما قوله: "أو ما قد يجب على غيره"، مثاله: أو ما يجب على غيره. مثاله أن يقول لك شخص: "إني أريد أن أشتري من فلان سيارة أو دراجة"، طيب، وهو لا يعرفني، فأريدك أن تضمن أو أن تضمنني في قيمتها أنني سأدفع له ذلك. فهذا ما وجب... ما وجب أو ما... نعم، ما يجب على غيره، وما... ما يجب على غيره. فإذن معنى... أمرا... لأن المسألة الأولى تختلف عن الثانية. المسألة الأولى: هنا ألزم نفسه ما وجب، وهو المال، هذا أنه هو الذي يضمن إرجاع هذا المال إليه. طيب، فهذا يسمى "ما وجب". وأما "ما قد يجب على غيره"، ما قد يجب على غيره: فهنا الآن ما هو؟ تكفل بدفع هذا المال. لما تقول لإنسان: "اضمنني عن فلان أنني سأدفع له المال"، أنت الآن ما تضمن أنك أنت الذي تدفع المال، إنما تضمن ماذا؟ أن المشتري سيدفع هذا المال. عرفتم هذا الآن؟ فهناك فرق بين المسألتين، وكله من الضمان، وكله من الضمان. فهذه صورته، وهذه صورته. والضمان ثابت بالكتاب والسنة، يعني جاءت أدلته في الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾. إيش معنى "وأنا به زعيم"؟ أي: كفيل، ضامن، كفيل ضامن. هذا في قصة يوسف عليه السلام، قال: "لمن جاء بهذا السارق أنا أضمن أن أجازيه بحمل بعير". حمل بعير يعني: حملة بعير من الطعام. هذا مكافأ له على ماذا؟ على إتيانه به. فهذا من باب الكفالة، تكفل بذلك، فإذا أتى به فهنا يلزم هذا الكفيل بإعطاء ذلك الإنسان الذي أتى بهذا السارق هذا الحمل، هذا الحمل. فهذا دليل. وأما الدليل من السنة فما ذكره المؤلف: قال: «الزعيم غارم». الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة عن أبي أمامة. وما معنى "الزعيم"؟ الزعيم هو الضمين الذي ضمن الحق الذي على غيره، فهذا هو الزعيم. وأما "غارم": الغرم أداء شيء يلزمه، يعني: ملزم. الضمين ملزم بما التزم به، ملزم بما التزم به. وكذلك استدل على الضمان من السنة بحديث جابر رضي الله تعالى عنه: أن رجلًا مات، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: "هل عليه دين؟" فقالوا: "نعم، عليه ديناران". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا على صاحبكم». فأبى أبو قتادة رضي الله عنه أن يصلي عليه، فقام أبو قتادة وقال: "يا رسول الله، علي الديناران"، يعني: أنا أضمن أنني أدفع هذين الدينارين. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هي عليك؟» قال: "نعم يا رسول الله". فصلى النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الرجل. فهذا أيضًا يستدل به على الضمانة، والحديث رواه أبو داود في سننه. فإذا يمكن أن نقول: إن الضمانة لها ثلاثة أركان. الضمانة لها ثلاثة أركان: ضامن، ومضمون عنه، ومضمون له. تبهوا ثلاثة، ستتكرر هذه الألفاظ في مسائل الضمانة، في مسائل الضمانة. فالضمانة لها هذه الثلاثة الأركان، يعني تتكون من هؤلاء الثلاثة. الضامن: وهو المتحمل الذي ألزم نفسه، هذا يسمى إيش؟ ضامن. هذا يسمى ضامن. وأما المضمون له: وهو المتحمل عنه، وهو المشتري الآن مثلا على سبيل المثال. نذكر مثالًا من عندنا هنا: تمام. طيب، أراد نوفل أن يشتري شيئًا من عبد الرحمن، وعبد الرحمن ما يعرف نوفل، يعرفني أنا. طيب، فجاء عندي نوفل وقال لي: "يا أخي، اضمنني عند فلان أنني أدفع له هذا المال مقابل أن آخذ منه سلعة". طيب، الآن منا ثلاثة: أنا، وهذا المشتري، وهذا البائع. تمام. فأنا الضامن لأنني تحملت رجوع الحق إلى البائع، أنا الضامن. أين المضمون عنه؟ المشتري، هذا مضمون عنه. طيب، هذا المشتري مضمون عنه. وهناك مضمون له، من هو المضمون له؟ المالك، وهو البائع. عرفتم هذا الآن؟ ضامن، مضمون عنه، مشتري، مضمون له، بائع. وهذا الآن فيتكون الضمان من هؤلاء الثلاثة، من هؤلاء الثلاثة. ومثله في مسألة "ما وجب": يتخاصم عبد الرحمن وهو البائع، وعبد النوفل وهو المشتري، ما رد المال نوفل لعبد الرحمن. فقال عبد الرحمن: "اذهب، سأذهب بك إلى الشرطة". فانا جئت، قلت: "يا عبد الرحمن، خلاص، أنا أضمن، إن شاء الله نوفل سيأتي لك بهذا المال". فقبل. فإذا أنا إيش؟ الضامن. وهذا المضمون عنه، وهذا المضمون له. واضح هذا الآن؟ نعم. هذه الثلاثة الأركان يسمونها أركان الضمان. والضمان بالنسبة للمضمون عنه والمضمون له: جائز، جائز، يعني يجوز أن يرفض أي واحد منهما. تمام، جائز، وما عليهما شيء. طيب، فيجوز للإنسان أن يطلب شخصًا يضمنه من حيث الجواز، طيب، ويجوز للبايع أن يطلب من المشتري ضامنًا. يجوز هذا، ويجوز هذا. أما بالنسبة للضامن فهو مستحب، بالنسبة للضامن فهو مستحب؛ لأنه من الإحسان. حليت مشكلة، الآن أنا بدلاً من أن يذهب بنوفل إلى المحكمة، إلى الشرطة، ويؤذى، أنا خلاص يعني محسن، أصلحت فيما بينهم. طيب، فهذا إحسان، والإحسان فيه أجر، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. طيب، فالكفيل له أجر؛ لأنه فرج عن هذا المسلم، إما بالشفاعة له عند من يعرف، بضمان رجوع حقه، وإما كذلك بالشفاعة عند غيره لعدم أذى هذا المضمون عنه. لكن هذا الضمان مقيد، مقيد بقدرة الضامن. إيش معنى "بقدرة الضامن"؟ يعني: أنه يقدر على الوفاء، يقدر على الوفاء. إن لم يكن قادرًا على الوفاء، هذا لم يستحب. على سبيل المثال: هذا المثال، جاء عبد الرحمن يريد أن يأخذ نوفل إلى الشرطة، طيب، فانا جئت وقلت له: "خلاص، أنا سأضمن"، وأنا ما... ما أستطيع، يعني: ألزم نوفل بيد السداد، أو أعرف أن نوفل ما سيسدد، ستظل المشكلة علي الآن، وأنا غير قادر. فهنا لا يستحب لي. أو كذلك المثال الآخر: يريد أن يشتري من المحل، وأنا ضمنته في المحل، ثم بعد ذلك لم يسدد المشتري، سيمسك من المضمون له، سيمسك من... سيمسك الضامن. طيب، وأنا ما عندي قدرة، ما عندي مال، إيش أفعل؟ فإذا متى يستحب الضمان؟ يستحب الضمان إذا كان قادرًا على الوفاء، إذا كان المضمون... إذا كان الضامن قادرًا على إيش؟ على الوفاء. أما إذا لم يكن قادرًا فلا يستحب؛ لأن فيه ضررًا عليه، فيه ضررًا عليه، ولا ينبغي لمسلم أن يتحمل عن غيره ما فيه ضرر عليه، يعني: هو سيرفع الضرر عن غيره وسيحمل نفسه... إيش الضرر؟ سيحمل نفسه الضرر. فهل يجوز هذا؟ لا يجوز إذا كان ما يستطيع الوفاء. فهمتم هذا الآن؟ فالضمانة إنما هي عند القدرة، عند القدرة. أما عند عدم القدرة فلا، أما عند عدم القدرة فلا تشرع الضمانة. هنا مسألة أيضًا تذكر في باب الضمانة، وهو شروط الضمان: يعني لا يصح الضمان إلا بثلاثة شروط ذكرها أهل العلم. الشرط الأول: أن يكون الضامن جائز التصرف؛ لأن الضمان تبرع بالتزام حق مالي، فلا يصح إلا ممن يجوز تصرفه في ماله. ومن هو جائز التصرف؟ مر معنا في مسائل كثيرة: هو البالغ، العاقل، الحر، الرشيد. فخرج بقولنا هذا... مر معنا في شروط البيع لو تذكرون. فخرج بالبالغ غير البالغ، فلا يضمن هذا؛ لأنه لا شك أنه لا يتصرف في ماله إلا إذا كان راشدًا كما تقدم معنا. ولذلك أضافوا هنا الرشد، فالرشد هنا أعم، أعم من البلوغ. طيب، فالراشد قد يكون غير بالغ، الراشد قد يكون ماذا؟ غير بالغ. طيب، فيجوز تصرفه إذا كان هو يعني راشدًا ويحسن التصرف، فلا بأس بذلك، كما تقدم معنا في باب البيوع. وهكذا أن يكون حرًا؛ لأن العبد لا يملك مالًا، فلا يأتي عبد ويقول: "خلاص، ضمان علي"، أنت ما تملك مالًا أصلًا، مالك لسيدك، فكيف تضمن غيرك؟ ما يصح، ما يصح أن يضمن غيرك. واضح هذا؟ الشرط الأول: أن يكون الضامن جائز... التصرف. نعم. الشرط الثاني: رضا الضامن؛ لأن الضامن تبرع بالتزام الحق، فاعتبروا... اعتبر الرضا له. لو مثلا إنسان وجد اثنين يتصارعون يريد أن يذهب به إلى المحكمة، فجاء الناس وقالوا: "يا فلان، خلاص أنت ضامن عليهم، أنت ضامن على المضمون عنه"، ويقول: "لا، أنا ما أستطيع، أنا كنت أقول: خلاص، خلاص، ما في الله عندك"، وهو غير راضٍ. هذا لا يعني يعتبر هذا الضمان... أنه لا بد أن يكون راضيًا بتلكم الضمان؛ لأنه تبرع بالتزام حق، تبرع بالتزام حق. إذا لم... يعني يدفع المضمون عنه هذا الحق، رجعت المطالبة... رجعت المطالبة على الضامن، رجعت المطالبة على من؟ على الضامن. فإذا لا بد أن يكون راضيًا، إن لم يكن راضيًا فلا. الشرط الثالث: أن يكون الدين معلوما أو مآله إلى العلم. فإذا كان غير معلوم فهذه جهالة لا يجوز الضمان فيها؛ لأن بسببها تحصل الخصومة، تحصل الخصومة. مثال ذلك: مثال أن يكون الدين معلوما. قال: "أنا أضمن دين هذا الشخص"، وكان دينه مثلا عشرين ألفًا. طيب، فهنا يجوز لأن الدين معلوما. لكن لو قال: "أنا أضمن كل ما يشتريه هذا الشخص"، أي شي يشتريه: يشتري لحمًا، يشتري مواد غذائية، يشتري مواد بناء، يشتري مواد يعني كمالية، أي شي يشتريه فأنا أضمن سداد دينه. هذا قالوا: لا يجوز، لماذا؟ لأن المال مجهول، لأن المال مجهول. كم هذا سيشتري؟ ربما يشتري بملايين، ثم عند السداد سيقول هذا الضامن: "هذا كثير، أنا ما توقعت أنه سيأخذ هذا كله". لا، هذا لا يجوز. لا بد أن يكون المال محدودًا. مثلا: تخاصم عبد الرحمن مع نوفل، فانا جئت، قلت: "كم المال الذي تطالب به يا عبد الرحمن؟" قال: "أطالب بعشرين ألفًا". قلت: "خلاص، عشرون علي". طيب. لكن لو قال عبد الرحمن: "أنا أطالب بكل ما سيشتريه مني، وما قد اشتراه من قبل"، فأقول له: "لا، هذا ما يصلح، الله عالم كم سيشتري". شيء مجهول، شيء ماذا؟ مجهول. فإذا هذا من شروط الضمان، من شروط الضمان. وبقية المسائل إن شاء الله نأخذها في الدرس القادم. اليوم كتنشيط لما يعني انقطعنا بسببه، فنكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا، والله شكرا للمسائل. وبقية... شكرا للمسائل. حسنا للمسائل.