كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 21

كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 21

الدرس في كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 21، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تعريف الحجر وأنواعه: حجر لمصلحة المحجور عليه وحجر لمصلحة الغرماء

يشرح المقطع مفهوم الحجر لغةً واصطلاحاً بأنه منع الإنسان من التصرف في ماله وذمته، ويقسمه إلى نوعين: حجر لمصلحة المحجور عليه كالصبي والسفيه، وحجر لمصلحة الغرماء على المفلس. كما يبين حكم إنظار المعسر المستحق للدين استناداً للآية الكريمة.

أحكام إنظار المعسر والتيسير على الموسر وفضل ذلك

يوضح المقطع حكم إنظار المعسر وعدم التشديد عليه، وجواز المطالبة الشديدة للمماطل الموسر، وصور التيسير عليه بوضع جزء من الدين أو تقسيطه. ويستدل بأحاديث تبين فضل من نفّس كربة مدين أو يسر على معسر بأن الله يسر عليه في الدنيا والآخرة.

أحكام الوفاء بالدين وإنظار المعسر ومطل الغني

يؤكد المقطع وجوب الوفاء بالدين كاملًا بالقدر والصفة المستحقة، ويبين أن مطل الغني القادر ظلم عظيم يستحق العقوبة، بينما يجب إنظار المعسر وتيسير الأمر عليه. ويحذر من أخذ المال بنية الإتلاف أو المماطلة.

تحذير من عواقب منع الحقوق وختام الدرس

يحذر المتحدث من أن منع أداء الحق قد يعرض المانع للعقوبة والحبس، ويختتم الدرس بالإشارة إلى استكماله في مجالس قادمة ببيوت الاستقبال. وينوه إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: "باب الحجر لفلس أو غيره". والحجر في اللغة هو المنع، هو المنع. والمراد به كما ذكر الشارح: منع الإنسان من التصرف في ماله وذمته، أو في ماله فقط. فقوله: "منع الإنسان من التصرف في ماله"، بمعنى: نمنعه من البيع والشراء والرهن والهبة، كل ما فيه تصرف في المال. هذه كلها من التصرفات المالية. فمعنى قوله: "منع الإنسان من التصرف في ماله"، يعني: نمنعه من البيع في ماله والشراء، أو نحو ذلك، لأسباب سيأتي بيانها. وأما قوله: "وذمته"، بمعنى أنه لا يبيع شيئًا في ذمته، فلا يستدين من غيره. نمنعه من أن يستدين من غيره. طيب، نمنعه من أن يستدين من غيره مع أنه ما في بيع ولا شراء، لكن يبيع شيئًا في ذمته. طيب، المراد بقوله: "وذمته"، يعني: فلا يستدين من غيره. أو في ماله فقط. التعريف هذا يدلنا كما ذكر الشارح على أن الإفلاس نوعان، أن الإفلاس نوعان. لذلك قال: "ينقسم الحجر باعتبار المصلحة المرجوة منه إلى قسمين". القسم الأول: المصلحة، أو لمصلحة المحجور عليه. إيش معنى "لمصلحة المحجور عليه"؟ يعني: إنسان لا يحسن التصرف في ماله. ولذلك قال: في الصبي والسفيه والمجنون. صبي مات أبوه وخلف له أموال كثيرة. طيب، فهذا الصبي ما يحسن التصرف، ربما يأتي أحد ويضحك عليه، ربما يشتري شيء ليس بسعره الحقيقي. صح؟ فهذا إذا وجد أنه يتصرف في المال بسفه، فهذا يحجر عليه. هذا يحجر عليه، يعني: يمنع من هذا التصرف، فيوكل أحد من الراشدين العقلاء البالغين أن يقوم على هذا المال، أن يقوم على هذا المال. فهذا هنا حجر عليه، نعم، في ماله وفي ما يتعلق بذمته. طيب، فقوله هنا: "منع الإنسان من التصرف في ماله وذمته"، هذا إذا كان الحجر لمصلحة المحجور عليه. لمصلحة المحجور عليه، فهنا يمنع من التصرف في ماله وفيما يكون في ذمته. فكما أننا نمنعه من البيع والشراء والرهن والهبة ونحو ذلك، نمنعه كذلك من أن يستدين، فلا يجوز له أن يستدين لأنه ما زال في سفه، ربما يستدين وهذا الدين والشيء الذي أخذه ليس بذلك الذي ينتفع به، فيذهب عليه ويبقى المال في ذمته وهو لا يحسن التصرف. طيب، فهذا هو المراد بقوله: "منع الإنسان من التصرف في ماله وذمته". هذا إذا كان لمصلحة المحجور عليه، مثل الصبي والسفيه. السفيه قد يكون يعني ليس بصبي، بالغ لكن ما عنده حسن تصرف، مثل النساء مثلًا، بعض النساء، وبعض حتى الشباب والرجال البالغين، لربما يبذر في المال وينفق نفقة إنسان لا يحسن التصرف. فهنا إذا وجد كذلك يمنع، يمنع من التصرف في ماله، وأن كذلك يأخذ شيئًا في ذمته. ومثله كذلك المجنون، أن المجنون لا يدرك ما يفعل. إنسان كان سليم العقل ثم طرأ له خلل في عقله كخرف أو جنون مفاجئ أو نحو ذلك. فهنا المجنون لا يحسن التصرف في بيعه ولا في شرائه ولا في... آه، فهنا يحجر عليه، يحجر عليه. وهذا لمصلحته، لمصلحته هو، حتى لا يذهب ماله هباء منثورًا، حتى لا يذهب ماله هباء منثورًا. هذا يسمى: الحجر لمصلحة المحجور عليه. هذا القسم الأول. القسم الثاني: لمصلحة غيره، وهذا في المفلس. وهذا في المفلس. إيش معنى المفلس؟ يعني: إنسان له حقوق أو عليه حقوق للناس. هذا يطالبه بمليون، وهذا يطالبه بثلاثة ملايين، وهذا يطالبه بعشرة ملايين. طيب، فجاء الغرماء فاستدعاه القاضي فلم يجد معه إلا المال الذي لا يفي بسداد ما عليه. عليه عشرة ملايين ومعه خمسة أو أربعة ملايين. طيب، فهنا يحق للحاكم أن يحجر عليه، بمعنى أن يمنعه من التصرف فيما بقي عنده من مال. يقول لهذا الخمسة ملايين: لا تتصرف فيها حتى نوزعها بين الغرماء، وحتى نؤدي ما عليك أو شيئًا مما عليك. واضح؟ فهذا الحجر لمصلحة من؟ لمصلحة الغرماء. طيب، لمصلحة الغرماء، ليس لمصلحة صاحب المال نفسه. صاحب المال نفسه مصلحته أن يتصرف في ماله. صح؟ مصلحته أن يتصرف في ماله. وهذا النوع من أنواع الحجر وهو لمصلحة غيره، هذا لا يكون إلا في المال، لا يكون في الذمة، لأنه يحسن التصرف أصلًا. طيب، لكن ما عنده المال الذي يفي به حقوق الناس، فهنا له أن يضيف فوق ما عليه أموالًا أخرى إذا رضي من أعطاه هذا المال، فيجوز أن يستدين. طيب، يجوز مثلًا يذهب لفلان يقول له: "الله، أنا غارم وأحتاج فلوس، وأريد يعني أن أستدين منك مبلغًا معينًا في ذمة"، فهذا لا بأس به. طيب، فهذا لا بأس به. وإنما قوله: "ومنع الإنسان من التصرف في ماله وذمته"، هذا في النوع الأول، يمنع من التصرف في المال والتصرف في الذمة. طيب، أما النوع الثاني فلا يحجر عليه إلا في ماله، أما فيما سيزيد في ذمته فهذا لا يمنعه منه. واضح هذا الآن؟ فإذن الحجر هنا نوعان: النوع الأول لمصلحة المحجور عليه، هذا فيما لا يحسن التصرف في المال، فالصبي والسفيه والمجنون. قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾ [النساء: 5]. استدل العلماء على الحجر بهذه الآية. طيب، لأن السفيه يعني لا يحسن التصرف في المال. واستدل أيضًا بأحاديث أخرى سيأتي منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ»، وهذا سيأتي معنا إن شاء الله. ثم قال المؤلف رحمه الله: "ومَن له الحق فعليه أن ينظر المعسر، وينبغي أن ييسر على الموسر". قوله: "ومَن له الحق"، يعني: ممن يطالب غيره بحقه. هذا من له الحق، أخذت مني مليون، أنا الآن صاحب الحق. طيب، أنا صاحب الحق. فقال: "فعليه أن ينظر المعسر"، لا سيما إذا كان هذا المعسر عُرف أنه لا يتلاعب بأموال الناس ولا يأخذها من أجل إتلافها وعدم ردها، وإنما وقعت له ضائقة وشدة فلم يستطع أن يفي سداد هذا الدين. فهنا ينظر. ما معنى أن ينظر؟ ينظر بمعنى: يؤخر، يؤخر المطالبة بهذا المال إذا عرف أن صاحب هذا الدين الذي عليه ما يستطيع السداد لفقره وعدم وجود المال معه. ودليل ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾ [البقرة: 280]. "فنظرة إلى ميسرة"، يعني: ينظره بمعنى يؤخره إلى أن يسر الله عليه وتأتي في يديه الأموال فيسدد له. أما وهو معسر فلا. ولذلك لم يحبذ العلماء أن يشتكى بالمعسر وأن يسجن بسبب الدين الذي لا يستطيع وفاءه. هذا ليس من الأخلاق التي دعا إليها الإسلام، إلا كما ذكرنا فيمن عرف عنه التلاعب، وعرف عنه أنه ميسر وليس معسر، أنه موسر وليس معسر، ولكنه يماطل. وهذا سيأتي معنا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مُطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ». وهنا لا بأس أن يؤخذ المال منه بالقوة، وأن يطالب بشدة حتى يؤدي ما عليه. أما إنسان معروف بفقره وعدم وجود المال معه، فهذا لا يشدد عليه، هذا لا يشدد عليه. فعليه أن ينظر المعسر، وينبغي أن ييسر على الموسر. المراد بالموسر ها هنا: أي الذي يستطيع أن يسدد ولو شيئًا من الدين الذي عليه. طيب، فهنا كذلك من له الحق ينبغي أن يسر، والتيسير يكون بأمرين اثنين: الأمر الأول: أن يسر على الموسر بوضع بعض الدين، وأن يحط منه، بمعنى: مثلًا عنده مليون، يقول له: "خلاص، هات ثمانمائة، أو هات خمسمائة"، وضع عنه الربع مثلًا أو النصف، سامحه فيه كما يقال. فهذا من التيسير على الموسر الذي يستطيع أن يسدد شيئًا فشيئًا، ما عنده قدرة أن يسدد دفعة واحدة. هذا من التيسير. ومن التيسير على الموسر كذلك: انظاره. ومعنى انظاره: يعني إذا عنده مليون، تقول له: "خلاص، لعل عندك أزمة الشهر هذا، هات مئة، الشهر الثاني مثلًا خمسين"، وهكذا ترفق به. وكما يقال: تأخذ منه المال بالتقسيط المريح، كما يقال في المصطلح العصري: "بالتقسيط المريح"، ولا تشدد عليه، تقول له: "إلا أريد المال الآن، أريده كاملًا"، ويعني شيئًا من هذه الشدة. فهذا أيضًا مما دعا إليه الإسلام، وفيه فضل عظيم. فيه فضل عظيم: من ينظر المعسر، أو من يسر على الموسر بوضع شيء عليه، أو بإنظاره وعدم مطالبته المال كله. فقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ». ولا شك أن المديون في كرب، الدين من يلجأ إليه إلا المضطر؟ لأن الدين هم بالليل وذل بالنهار. أهم بالليل تتذكر أن هذا كالجبل على ظهرك، إذا مت وهو عليك سيكون عذاب عليك في القبر إذا لم يدفع لك هذا المال أحد ولم يسدد لك هذا الدين. فما جاء في حديث أبي قتادة لما امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على رجل، فقال النبي: «أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟» قالوا: نعم، عليه ديناران. قال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ». فقال أبو قتادة: يا رسول الله، عليَّ الدين. قال: «عَلَيْكَ؟» قال: عليَّ. فصلَّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم. يعني: لو لم يتكفل أبو قتادة بسداد دين هذا الميت لما صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ليس بما أنه كافر، وإنما من باب الزجر وعدم التساهل في أمر الديون، وعدم التساهل في أمر الديون. ففي اليوم الثاني يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا قَتَادَةَ، مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ؟» قال: عليَّ يا رسول الله. إلى أن سأل النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الثالث والرابع: «مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ؟» قال: قد أديتهما يا رسول الله. قال: «الْآنَ حِينَ بَرَدَ عَلَيْهِ جِلْدُهُ». يعني: كأنه كان يعذب في القبر، والعياذ بالله، بسبب هذا الدين. فالدين هم بالليل، واحد يعني يأتيه الهم والغم في كون في ذمته هذه الديون، حق الناس. وهكذا ذل بالنهار، يأتي هذا يعني يسأله، وهذا يطالبه، وربما إذا شاف صاحب الدين هرب إلى شارع آخر، وإذا كان يشتري من بقال ذهب واشترى من بقال أخرى. صح؟ يعني ذل، لتكون ذليلًا عند الناس وحقيرًا عند الناس. نعم. فما سيأتي معنا في الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لصاحب الدين: «لَيُّ الْوَاجِدِ يَحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ». ومعنى "لي الواجد": يعني تأخير القادر على السداد، القادر على السداد يكون عرضه لذنب الناس له، يحل عرضه، يقولوا: هذا رجل سوء، هذا يأخذ أموال الناس ولا يردها، هذا كذا وكذا. صح؟ فيكون سببًا لوقوع الناس في عرضه، لوقوع الناس في ماذا؟ في عرضه. وهكذا عقوبته، وعقوبته مثلًا بحبسه، ربما يحبس بسبب أنه لم يؤدي ما عليه من حق. واضح؟ فإذن من تنفيس الكرب، بل من أعظمها، أن تنفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا. تصور لو إنسان عنده مليون، انت قلت: "خلاص، مسامح في هذا المليون"، كيف ستكون فرحته؟ كيف سيكون يعني سعادته؟ نفست عليه هذه الكربة، هذه كربة. طيب، وأيضًا تمام الحديث: «وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ». التيسير... هذا الحديث ذكر ما ذكره المؤلف: أن ينظر المعسر أو يسر على الموسر. والحديث في مسلم. وجاء في حديث أبي قتادة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنَجِّيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرْبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ». «فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ»، ينفس بمعنى: ينظره. طيب، ويضع عنه بمعنى: يسقط عنه بعض الدين. يضع عنه يعني: يسقط عنه بعض الدين. واضح؟ فهذا أيضًا من دعا إليه الإسلام في هذا الباب. ومنها أيضًا حديث أبي هريرة قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كَانَ رَجُلٌ يَدَايِنُ النَّاسَ»، يعني: عنده مال، من احتاج أعطاه. يداين الناس: كم تريد؟ أعطاه مئة، مئتين، أعطاه هذا مئتين، هذا ألف، هذا عشرة، يعطي الناس. فتح الله عليه. فكان هذا الرجل يداين الناس، وكان يقول لفتاه الذي يتولى كتابة هذه الديون وأخذ يعني المال الذي يرده أصحاب الديون: قال لهذا الفتى: «إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَإِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْكَ». جئت وأردت أن تأخذ الدين الذي حان وقت سداده، فقال لك هذا المدين: "ما عندي مال، والله ما استطعت أن أوفر هذا المال"، فيقول: "تجاوز عنه، خلاص، سامحه". طيب. قال: «فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ». والجزاء من جنس العمل. فلما كان يتجاوز عن الناس في الدنيا، تجاوز الله عنه يوم القيامة، فما عنده من ذنوب ومن سيئات عفاها الله عز وجل عنه، والله سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين سبحانه وتعالى. وهكذا جاء عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ». حديث رواه الترمذي وصححه العلامة الألباني. كل هذه الأحاديث ترغب فيما ذكره المؤلف من إنظار المعسر والتيسير على الموسر، التيسير على الموسر. قال: "ومَن عليه الحق فعليه الوفاء كاملًا بالقدر والصفات". يعني: من عليه الحق، يعني: من أخذ المال قرضًا حسنًا، فيجب عليه الوفاء. أخذت عشرين ألفًا، قلت له: لمدة شهر أو لمدة شهرين، فالواجب عليك أن تفي. هذا هو الواجب، تجتهد قدر المستطاع. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِفْسَادَهَا أَفْسَدَهُ اللَّهُ، أَوْ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ». يعني: من يتعمد ذلك. بعض الناس الآن ربما يأتي من أجل فقط أن يكسب المال، يقول: "سنذهب نضحك على فلان، يا فلان أنا عندي ظرف وأنا أحتاج مئة ألف"، وذاك رحمة ما يدري الغيب، أعطاه مئة ألف، وهذا في نيته أنه يأخذ هذه المئة ولا يردها له، ولا يردها له. هذا أمر خطير. يعني: النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَتْلَفَهُ اللَّهُ» لأنه يريد إتلاف أموال الناس، ما في نيته أن يرد هذا المال، ليس في نيته أن يرد هذا المال، فهذا يتلفه الله، ولا يبارك الله عز وجل له في ماله. فأمر خطير. لكن من أخذ أموال الناس يريد أداها، يعني: احتاج فهو يجتهد في إرجاعها وسدادها، يجتهد. لكن ما استطع... تعرفون الظروف أحيانًا تأتي بما لا تشتهي السفن كما يقال. فما استطع، جاء وقت الأجل وما يستطيع، فهنا يأتي ما تقدم من أن على صاحب الحق أن ينظره، أن ماذا؟ أن ينظره. هذا معنى قوله: "ومَن عليه الحق فعليه الوفاء كاملًا بالقدر والصفات". إيش معنى "بالقدر"؟ بالقدر يعني: بالعدد. مثلًا: عليه ألف، يرده ألف. تمام. أخذ مثلًا كتابًا... ها، يعني: دين من عنده، يرد له قيمة هذا الكتاب الذي اشتراه، لا يزيد ولا ينقص. قال: "لا والله، أريد أن أشتري كتابًا، بكم الكتاب؟ قال: والله بعشرة آلاف. تفضل، هذا عشرة آلاف". كم يرد له؟ يرد له عشرة آلاف. تمام. بالعدد، بالعدد. والصفات: الصفات في الأشياء التي اشتراها منه أو أخذها منه بصفة استدان منه مثلًا شيئًا يحتاجه في بيته، استدان منه مثلًا غسالة أو استدان منه ثلاجة، قال: "لزواجي أريد هذه الثلاجة، استدينها منك لمدة الزواج"، فيردها له بصفتها، بصفتها. ما هو يأتي له بثلاجة ثانية مقاربة، أو يأتي له بشيء ليس على الوصف الذي أخذ. أخذ منه عشرين جرامًا من الذهب عيار واحد وعشرين، يرد له عشرين جرامًا عيار واحد وعشرين بنفس الصفة. ما يرد له بعيار ثمانية عشر مثلًا، لا، لأنه يختلف السعر. واضح؟ فيرده بصفته. هذا معنى: "ومَن عليه الحق فعليه الوفاء كاملًا بالقدر والصفات"، يعني: الصفة التي أخذها. ويستدل بذلك بقول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1]. والوفاء بالعقود يشمل أصل العقد ووصفه. يعني: كونك تأخذ دينًا هذا يعد عقدًا. طيب، فقال لك: "خذ هذا المبلغ لمدة شهر"، فمن الوفاء بالعهد أنك ترد المال إذا انتهى الشهر، هذا من الوفاء بالعقد. صح؟ ومن الوفاء بالعقد أيضًا أن ترد المال بصفته، أن ترد المال بصفته. هذا من الأمانة ومن الوفاء بالعقود. واضح؟ فيستدل لما ذكره المؤلف بهذه الآية، وبالحديث أيضًا الذي سيذكره. قال: قال صلى الله عليه وسلم: «مُطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ». متفق عليه. وهذه من الميسرة. أيش معنى الحديث؟ "مطل الغني ظلم". المطل هو المنع، يعني: منع الغني من الوفاء بأداء الحق. والغني المراد به: القادر على الوفاء، ليس معنى الغني الذي عنده أموال كثيرة، لا. الغني: كل من هو قادر على السداد. أنت أخذت عشرين ألفًا، قلت له: بعد شهر، معاك ما شاء الله خمسين ألفًا أو سبعين ألفًا أو خمسين ألفًا، إذن أنت غني الآن، تعتبر في سداد دين العشرين، عندك الآن المال الذي تستطيع أن تؤدي به الحق. واضح؟ فالغني المراد به: القادر على الوفاء، لا يفهم الغني مثل العمقي أو البسير اللي معهم أموال كثيرة، لا. الغني الذي عنده المال يستطيع أن يسدد ما عليه، هذا هو الغني، قادر على السداد. فمنع عدم السداد هذا ظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة، والظلم ظلمات يوم القيامة. بمعنى أن هذا الفعل من المعاصي التي تدخل في معنى الظلم، أي: ظلم العبد لنفسه ولغيره. لنفسه لأنه بمنعه ارتكب محرمًا، وهذا يأثم عليه. لأن الظلم ثلاثة أقسام: ظلم العبد لنفسه، وظلم العبد لغيره، والظلم بمعنى الشرك. تمام. فهنا قوله: "ظلم"، أي: ظلم العبد لنفسه، وظلم العبد لغيره، لأن صاحب الحق إذا منعت عنه حقه فقد ظلمته. صح؟ فقد ظلمته. فإذن هذا لا يجوز، لا يجوز أنك تستطيع السداد ثم لا تسدد ما عليك، هذا لا يجوز، إلا بشرط: إذا استأذنت من صاحب المال، قلت له: "الله، شوف، أنا أستطيع وأدي المال الذي علي وأسدد لك ما عليك، لكن لو تؤخرني، عندي أشياء أخرى، لعلي وأحتاج المال لعلي وكذا، الأمر إليك، إذا تؤخرني مثلًا إلى شهر آخر". فإذا وافق فلا بأس. أما إذا لم يوافق، أو أنك لم تستأذن، فهذا لا يجوز. «مُطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ». وأما قول: «وَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ»، هذا سيأتي شرحه إن شاء الله في الدرس القادم، لأنه يتعلق بأمر الوكالة، بأمر الوكالة. وأيضًا مما يدل على أول الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى أبو داود: «لَيُّ الْوَاجِدِ يَحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ». وعرفنا ما معنى "لي الواجد": اللي بمعنى المطل، بمعنى المنع. لي بمعنى المنع. والواجد: يعني الذي يجد ما يسدد به، وهو بمعنى "مطل الغني". «لَيُّ الْوَاجِدِ» بمعنى «مُطْلُ الْغَنِيِّ». قال: «يَحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ». وعرفنا ما معنى "يحل عرضه": أي أن صاحب الدين يذمه ويصفه بالسوء وبالقبيح، هذا ما هو طيب، هذا أخلاق سيئة، هذا كذا وكذا. هو الذي أحل عرضه للناس لأنه تسبب في ذلك. «يَحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ». عقوبته: ربما صاحب المال، صاحب الحق، يذهب به إلى الحبس، يحبسه لأنه منع حقه. وهذا كثير، انظر إلى السجون اليوم، تجد كثيرًا من السجناء بسبب المطالبة بحقوق، يضغطون عليهم حتى يسددوا ما عليهم من ديون، فيتحرك ورثتهم وأرحامهم في فك أسرهم وسجنهم. فهذا قد يعرض المانع لأداء الحق، قد يعرضه كذلك للعقوبة، وهو الحبس، وهو الحبس. فاليوم نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله في بيوت استقبالنا. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.