الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 686، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الشيخ مقبل بن هادي الوادعي حديث ابن عباس عن الحشر يوم القيامة حفاة عراة غرلا، مبيناً تصحيح الترمذي له واختلاف رواياته في الصحيحين. كما يقارنه بحديث عائشة ويشير إلى نوعي الحشر وخلاف العلماء في آيات سورة الزلزلة.
يفسر المقطع آية الزلزلة بأنها تحدث عند قيام الساعة حيث تخرج الأرض كنوزها وأثقالها فيتعجب الناس ويتركونها. ويستعرض أقوال العلماء في حشر الناس إلى أرض المحشر (الشام) على ثلاث طوائف: راغبين راهبين، ومتعلقين بالركب، وطائفة تحشرهم النار.
يصف المقطع حال الناس يوم الحشر كأنهم جراد منتشر يتبعون الداعي بلا عوج، وتخشع الأصوات فلا يُسمع إلا همس المشي. ويحشرون حفاة عراة غرلاً كما بدأهم الله أول مرة، وينشغل كل امرئ بأمره وشأنه عن النظر إلى الآخرين لهول الموقف.
توضح الآية أن كل شخص سيكون مشغولاً بأمره الخاص يوم القيامة فلا يتفرغ لغيره. ويختتم الداعي بطلب السلامة والعافية من الله في الدنيا والآخرة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وهو محمد بن عيسى بن سورة الترمذي السلمي، قال: حدثنا عبد بن حميد، وهو أبو محمد الكشي، ويقال الكج، قال: أخبرنا محمد بن الفضل، والظاهر أنه السدوسي، قال: أخبرنا ثابت بن يزيد، وهو مدني، عن هلال بن خباب، وهو مدني كذلك، عن عكرمة، وهو أبو عبد الله البربري مولى ابن عباس، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «تحشرون حفاة عراة غرلا». فقالت امرأة: «أيبصر بعضنا عورة بعض؟» قال: «يا فلانة، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه». قال: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن ابن عباس. أي: هذا كلام الترمذي: «حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن ابن عباس». معنى: جاءت أسانيد إلى ابن عباس. قال أبو عبد الرحمن: هو حديث حسن، أي: بهذا الإسناد؛ لأن هلال بن خباب حديثه حسن. فهذا الحديث قد جاء نحوه في البخاري ومسلم عن ابن عباس، لكن ليس فيه الزيادة الأخيرة، وإنما قال: «إنكم تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا، كما بدأنا أول خلق نعيده»، فيقتص الله عز وجل للظالم من ظلمه، حتى أنه ليقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء. وجاء نحو هذا الحديث من حديث عائشة رضي الله عنها في البخاري: لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا»، فقالت: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «يا عائشة، الأمر أشد أن يهمهم ذلك». وقال في هذا الحديث: «يا فلانة، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه». فهذا الحديث فيه الحشر يوم القيامة، وهذا الحشر الثاني؛ لأن الحشر حشران: حشر في الدنيا، وحشر في الآخرة. فالحشر الذي في الدنيا ذكر أيضا في الآيات، ولهذا حصل بعض الخلاف بين العلماء في بعض الحشر: هل هو مراد به حشر الدنيا أم حشر الآخرة؟ مثلا في قول الله جل وعلا: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ﴾ [الزلزلة: 1-6]. أنا يقوم الناس، أو تحصل هذه الزلزلة العظيمة والكبيرة حتى يقوم، أو حتى يتعجب الكافر فيقول: ما لها؟ ما لهذه الأرض حصل فيها هذا؟ فأكثر العلماء على أن هذه الزلزلة تحصل عند قيام الساعة، وبعد الحشر، أو بعد البعث، بعد بعثهم، فيقول الإنسان: ما لها يومئذ تحدث أخبارها؟ وبعض العلماء ذكر في تفسير هذه الآية حديث أبي هريرة: أن هذه الأرض تخرج أفلاذ كبدها، أي كنوزها، كالأمثال، كالأمثال، قال: فيجتمع الناس إليها، فيقول أحدهم: في هذا قتلت أخي، ويقول الآخر: في هذا قطعت رحمي، وهكذا، حتى يتركوه ولا يأخذ منه أحد شيئا. فهذا معنى. بعضهم ذكر هذا الحديث في قوله: قول الله عز وجل: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾، أي: ما فيها من الكنوز تخرج إلى الناس فيبصرها الناس، ويرتقونها، لأجل ما يكون فيه من الأمر العظيم. وهذا الحشر الذي يكون في الدنيا أيضا ذكر في قول الله جل وعلا: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ﴾ [إبراهيم: 43]. لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال في حديث أبي ذر: «يحشر الناس إلى أرض المحشر على ثلاثة طوائف: منهم من يحشر رغبة ورهبة، رغبة في الخير فيذهب إلى أرض الشام، ومنهم رهبة يخاف من أن يقع في الفتن فيذهب إلى أرض الشام، أرض الخير، رغبة ورهبة». قال: «وطائفة يكون الثلاثة في البعير، والأربعة، والخمسة، حتى عشرة في البعير الواحد، لقلة الركب؛ يقل الركب في الناس، أي: البعير يقل لكثرة من يأخذه، أو لأنه هناك هلاك وموت وزلزل، فتقل الركب». حتى أنه جاء في حديث عبد الله بن مسعود قال: «إن الرجل لا يبيع القتب، والقتب: وهو البستان الذي فيه النخل، حتى أن الرجل لا يبيع القتب بالبعير لقلة الرحل، يعني: يبيع بستانا كاملا بأشجاره وبثماره لأجل بعير واحد، لأجل أن يركب في هذا البعير ويذهب من تلك البلاد التي هو فيها إلى بلاد الشام». فيركب الثلاثة في بعير، والأربعة في بعير، والعشرة في بعير، أن العشرة يكونوا في بعير واحد حتى يصلون إلى ذلك المكان. قال: «وطائفة ثالثة تحشرهم النار، تقيل معهم وتبيت معهم حيث باتوا، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا». وهذا يكون في الحشر الأول. وقد وصف الله عز وجل ذلك الحشر أن الناس كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ﴾ [القمر: 7]. ينتشرون، وهذا هنا، وهذا هنا: الجراد لما يأتي يأتي، تجد أنهم لا يدرون أين يذهبون، لكنهم مجموعة. وقال الله عز وجل: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ ﴾ [طه: 108]. يومئذ يتبعون الداعي، معنى: يأتيهم صوت لا يدرون من أين هذا الصوت، لكن يتبعون هذا الصوت، الناس يسرعون ويمشون خلف هذا الصوت، وتمشي خلفهم النار، وهم يتبعون ذلك الصوت. ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ ﴾، لا يعوج هنا ولا هنا، لكن من كثرة شغلهم ما يدرون إلى أين، فهذا يذهب هكذا، وهذا يذهب هكذا، لكن يذهبون بعد ذلك إلى اتجاه واحد، يتبعون هذا الداعي. ﴿ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ﴾ [طه: 108]. قالوا: الهمس هو مشي الأرجل، صوت مشي الأرجل الذي يسمع منه، فلا يتكلم أحد مع أحد، كل واحد مشغول. وأيضا يكون هناك حشر يوم القيام بعد البعث، وهذا الذي جاء في هذا الحديث، وهو أيضا أكثر، كثير من الآيات يعنيه الله عز وجل، فيحشر الله عز وجل الناس بعد بعثهم من قبورهم حفاة عراة غرلا، ليس معهم نعال، وليس أيضا معهم ثياب، وهم أيضا غير مختونين. وجاء في حديث عائشة: «بهم حفاة عراة بهم غرلا»، والبهم: أي الذي ليس معهم شيء، ما معهم شيء من هذه الدنيا، فيحشرهم الله عز وجل يوم القيامة، قال: ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ﴾ [الأنبياء: 104]. كما بدأك الله عز وجل عندما أخرجك من بطن أمك حافيا عاريا غير مختون، ليس معك شيء، فكذلك أيضا يحشرك في ذلك اليوم، يوم القيامة، كما صرحت به الأحاديث أيضا، كما قلنا: حديث ابن عباس وعائشة: «تحشرون، إنكم محشورون يوم القيامة»، فقالت عائشة: «أينظر الرجال والنساء بعضهم بعضا؟» فينظر بعضهم بعضا، أو فينظر بعضهم إلى بعض. وهنا قال: «أو يرى بعضنا عورة بعض؟» فقال: «يا عائشة، الأمر أشد أن يهمهم ذلك». وهنا جاء: «لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه». هناك ما يغنيه عن هذا، لهول الموقف، لهول الأمر، فلا يستطيع أن يلتفت إلى مثل هذه الأمور، فهو فقط يريد أن يرى عمله، ويرى مصيره، ويرى أيضا كذلك ماذا يفعل به. ﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ [عبس: 37]، يغنيه عن أن يتابع أمر غيره، فهو مشغول بنفسه. فهذا شيء مما يذكر في هذا الحديث. فنسأل الله عز وجل أن يسلمنا وأن يعافينا في الدنيا والآخرة، والحمد لله رب العالمين.