الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 353، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع حديث «من كنت مولاه فعلي مولاه» برواية أبي الطفيل عن زيد بن أرقم أو أبي سريحة، ويناقش رجال الإسناد وتصحيح الترمذي وأحمد له. ويبين أن الحديث يدل على فضل علي رضي الله عنه لا على عقيدة تشييع، مستشهداً بسبب الورود في قصة سرية علي واعتراض بعض الصحابة عليه.
يبرز المقطع مكانة علي رضي الله عنه من خلال أحاديث النبوة التي تجعل محبته علامة إيمان وبغضه علامة نفاق، ويشبه خلافة النبي له في المدينة بخلافة هارون لموسى. كما يشير إلى كثرة فضائله التي دونها النسائي في «خصائص علي»، ودوره في قتال الخوارج.
يُبين المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن من يقاتل على تأويل القرآن، ويشير إلى أن المراد به علي رضي الله عنه الذي خَصَف نعل النبي، وقاتل الخوارج الذين كفّروا الصحابة وأرادوا إفساد الدين. كما يحذر من الغلو في علي رضي الله عنه الذي وقع فيه بعض فرق الشيعة، ويوضح موقف أهل السنة من تفضيل علي على عثمان.
يوضح المقطع أن قول النبي صلى الله عليه وسلم في علي رضي الله عنه جاء لخصوصية معينة، وأن محبة الصحابة وتوليهم تعد من أصول الدين والإيمان. بينما بغضهم يعد نفاقاً وكفراً كما نقل عن الإمام الطحاوي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار وهو الملقب ببندار، قال: أخبرنا محمد بن جعفر الملقب بغندار، وأبو بكر بغداد، قال: أخبرنا شعبة هو بالحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، عن سلمة بن كهيل، هو كوفي ثقة، قال: سمعت أبا الطفيل، هو الدوسي صحابي صغير، وهو أخ عائشة من أمها، قال: سمعت أبا الطفيل يحدث عن أبي سريحة أو زيد بن أرقم، شك شعبة، وأبو سريحة وهو خزيمة بن أسيد، قال: عن النبي عليه الصلاة والسلام، عن شك شعبة: هل هو زيد الصحابي أو أبو سريحة؟ أو أبو سريحة على فتح السين، قال: عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه». قال: هذا حديث حسن غريب. وروى شعبة هذا الحديث عن ميمون أبي عبد الله عن زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوه. وأبو سريحة هو خزيمة بن أسيد صاحب النبي عليه الصلاة والسلام، وهو مشهور بحديث: «لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات»، أخرجه الإمام مسلم. قال: هذا حديث صحيح. قد أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة رضي الله عنهم. قال: أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرنا شعبة عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت أبا الطفيل يحدث عن أبي سريحة أو زيد بن أرقم، قال: يحدث عن أبي سريحة أو زيد بن أرقم، شعبة الشاك، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه». فقال سعيد بن جبير: وأنا قد سمعت مثل هذا عن ابن عباس. قال محمد: أظنه قال: فكتمه. طيب، هذا الحديث: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، بعض العلماء ضعفه وأنكره، لكن الحديث صحيح، وقد جاء من عدة طرق، وقد جمعه بعض أهل العلم في جزء وشرحه الإمام الشوكاني. وهذا الحديث ليس فيه مثلاً شيء يخص أو يعيد التشيع أو غيره، وإنما فيه فضل وفضيلة عظيمة للصحابي الجليل علي رضي الله عنه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من كنت مولاه فعلي مولاه». ولا شك أن الله ولي كل مسلم، ورسوله صلى الله عليه وعلي وسلم. فمن جاء في بعض الروايات أن هذا الحديث له سبب، ومن ذلك ما جاء في الصحيح من حديث سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسلهم إلى سرية، وكان قد أمر عليهم علياً، فأنكروا عليه بعض ما فعل. فجاء سهل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بذلك، وأن علياً فعل كذا وفعل كذا، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إن كنت تحبني فأحب علي، إن كنت تحبني فأحب علي». فلهذا كان سهل رضي الله عنه لم يخاصم علياً بعدها، بل لما كان في صفين كان مع علي رضي الله عنه. وأيضاً كذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال كما جاء في الصحيح: أن علياً رضي الله عنه قال: «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي: لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق». فلا شك أن من تولى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مؤمن، ومن عاداهم فهو إما على نفاق أو كفر، والعياذ بالله. فلهذا أيضاً النبي عليه الصلاة والسلام قال في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق». وهذا كله يدل على أن الصحابة رضي الله عنهم رتبتهم عظيمة، خاصة الخلفاء الأربعة وغيرهم من السابقين الأولين، ففضيلتهم عظيمة. فلهذا قال هنا النبي صلى الله عليه وسلم: «من كنت مولاه فعلي مولاه». والظاهر أن هذا كما جاء في بعض الروايات، وإن كان فيها ضعف، لكنها سبب صحيح، قاله النبي عليه الصلاة والسلام لما غض بعض الناس من علي رضي الله عنه، وكان بعض المنافقين يحبون مثل هذه الأشياء لأجل أن يثيروا الفتن. ولهذا لما ترك النبي عليه الصلاة والسلام علياً على المدينة وخرج إلى تبوك، فقال بعض المنافقين - أو المحرشين - قالوا: ما تركك إلا استثقالاً لك، ما تركك إلا استثقالاً لك، وقال بعضهم: ما خلفك إلا مع الخوالف. فشك ذلك علي رضي الله عنه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»؟ لأن موسى خلف هارون على قومه وذهب إلى ربه جل وعلا، كذلك النبي صلى الله عليه وسلم يخبر علياً أنه خلفه لأنه يثق فيه، خلفه في المدينة لأنه يثق فيه ثقة عظيمة، مثل ما خلف هارون موسى. فلهذا يدل هذا كله على عظم حق علي رضي الله عنه. وقد قال بعض العلماء: أن علياً رضي الله عنه جاءت فيه أكثر الفضائل، أو أكثر الفضائل جاءت في علي. أنا من ناحية الكثرة، وليس أنه أفضل من عثمان، وأيضاً قبله أبو بكر وعمر، إنما من ناحية كثرة الأحاديث، كثرة أحاديث الفضائل جاءت في علي رضي الله عنه. ولهذا ألف الإمام النسائي كتاباً في خصائص علي، وهو مطبوع في أربع مجلدات، كتاباً كبيراً سماه «خصائص علي»، وهذا يدل على كثرة فضائله رضي الله عنه. ولأنه يختلف فيه، فبين النبي صلى الله عليه وسلم فضله، ولأنه أيضاً هو أول من قاتل الخوارج، عن قاتل أناس يدعون الإسلام. فلهذا جاء في حديث أبي سعيد في مسند أحمد وأبي داود: قال أبو سعيد: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله». قال: «إن منكم من يقاتل - أو من يقاتل - على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله». قال أبو سعيد: فاستشرف لها الناس، فأن كلهم يريد أن يكون هو، لأنه فضيل عظيم أنه يقاتل كقتال النبي صلى الله عليه وسلم على تنزيل القرآن، ولكن يقاتل على تفسيره وعلى تأويله، معنى التأويل هنا التفسير والتطبيق. فقال: فاستشرف لها، فقال: «إنما هو خاصف النعل». وقد كان علي رضي الله عنه أخذ نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فخسفها، فقال: «إنما هو خاصف النعل»، أي: علي رضي الله عنه. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن علياً على الحق، وأنه قاتل الخوارج على حق، مثل ما قاتل النبي صلى الله عليه وسلم الكفار. فقاتل علي رضي الله عنه أولئك الخوارج الذين أرادوا أن يفسدوا في دين الإسلام، فأنبرى لهم رضي الله عنه، ولم يرجع ولم ينثنِ حتى خمد بدعتهم، حتى خمد بدعتهم. وإلا كانت قد كثر هؤلاء الخوارج حتى صاروا، لما رجعوا إلى حرورة كان منهم ستة آلاف، ستة آلاف خارجي، ثم رجع منهم كثير، وقتل منهم في النهروان كثير. فلهذا ففضل علي رضي الله عنه عظيم، وذكر النبي عليه الصلاة والسلام بهذا لأنه أول إنسان عاد - معناه قاتل - هؤلاء ممن يدعي الإسلام. ولا شك أن الكلام سيكون عليه كثيراً، سيكون عليه كثيراً. هذا الخوارج كانوا يكفرون علياً رضي الله عنه لأنه صالح ورضي بالصلح في صفين، فكفروه لأنهم يحبون الدماء بين المسلمين، وأيضاً كفروا أكثر الصحابة. فلهذا لما كانت هذه مكانته رضي الله عنه، كان النبي عليه الصلاة والسلام يثني عليه كثيراً. وغلوا فيه ناس وهم أهل التشيع، وصاروا على ثلاث فرق: منهم الغالية الذين ادعوا الألوهية لعلي، ومنهم - معناه يسمونهم - المؤلهة، ومنهم السابة الذين يسبون الخلفاء غير علي رضي الله عنهم أجمعين، ومنهم المفضلة، المفضلة وهم الذين يفضلون علياً على الشيخين، على أبي بكر وعمر. وأما من كان من أهل الكوفة من يفضل علياً على عثمان، فهذا كان أكثره من أهل السنة، ولهذا لم يجعلوه من فرقة الشيعة، وصارت هذه المسألة من مسائل الاجتهاد. لكن أكثر أهل السنة كان يفضل عثمان على علي. وأيضاً رجع كثير منهم، رجع كثير من الكوفة ممن كان يفضل علياً على عثمان. فهذا خلاصة ما يذكر بهذا الحديث. ففيه كما قلنا: أن من تولى النبي عليه الصلاة والسلام فليتولى علي، بل يتولى الصحابة جميعاً. وإنما قالها النبي صلى الله عليه وسلم في علي لأجل هذا الخصوص الذي ذكرناه، وإلا فتولي الصحابة ومحبتهم دين وإيمان، كما قال الإمام الطحاوي رحمه الله: «محبة الصحابة وتوليهم دين وإيمان، وبغضهم وعدم توليهم نفاق وكفر». فهذا كما قلنا معنى هذا الحديث، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.