الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 354

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 354

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 354، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم الأخذ من الشارب ودلالة حديث «من لم يأخذ من شاربه فليس منا»

يستعرض المقطع حديث زيد بن أرقم المرفوع: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا»، ويبين طرق تخريجه وتصحيحه بمتابعات متعددة، ثم يناقش دلالته على وجوب الأخذ من الشارب وإعفاء اللحية، مع ذكر خلاف العلماء بين الوجوب والاستحباب.

أقوال العلماء في أخذ الشارب وتفسير حديث «ليس منا»

يناقش المقطع اختلاف العلماء في تفسير حديث «من لم يأخذ من شاربه فليس منا»، حيث رأى بعضهم تركه بلا تفسير للزجر، واختلفوا في كيفية الأخذ: فذهب أحمد وأبو حنيفة إلى الإحفاء الشديد، وذهب مالك والشافعي إلى القص، وأنكر مالك حلق الشارب جملةً واعتبره موجباً للجلد.

أحكام قص الشارب وأقوال العلماء فيه

يستعرض المقطع حديث المغيرة بن شعبة في أمر النبي ﷺ بقص الشارب، ويبين أن المراد قص ما زاد على الشفة، مع ذكر أقوال العلماء في الإنهاك والإحفاء والحلق، وأن الأفضل الأخذ الشديد دون الحلق الكامل، وأن ذلك من سنن الفطرة.

رأي العلماء في الوجوب ومذهب أحمد وابن حزم

ذكر المقطع أن جماعة من العلماء ذهبوا إلى الوجوب، وهو قول عند الإمام أحمد ومذهب ابن حزم. وختم المتحدث بالكلام معلناً الانتهاء والاكتفاء بهذا القدر.

  • 17 جمادى الآخرة 1442هـ - 30/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والى، أما بعد. قال شيخنا محمد بن هادي الواد رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا أحمد بن منيع، وهو الحافظ الكبير، وهو جد البغوي. قال: أخبرنا عبيدة بن حميد، وهو الضب، وفيه شيء من الكلام، تكلم فيه بعض أهل العلم، لكنه متابع، لكن أيضا حديثه لا ينزل عن الحسن. قال: عن يوسف بن صحيب، هو الكندي الكوفي، عن حبيب بن يسار، وهو أيضا كندي، عن زيد بن أرقم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا». قال: هذا حديث حسن صحيح. قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن يوسف بن صحيب، بهذا الإسناد نحوه. وهذه متابعة عظيمة، ومتابعة تامة من يحيى بن سعيد لعبيدة بن حميد. قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث صحيح، رجاله ثقات. والحديث أخرجه النسائي وابن أبي شيبة، فقال رحمه الله: حدثنا عبدة بن سليمان، عن يوسف بن صحيب، به، أي متابعا له. وقد تابعه أكثر من واحد، أن كلهم رووه عن يوسف بن صحيب، عن حبيب بن يسار، عن زيد بن أرقم. والحديث صحيح كما قال الشيخ رحمه الله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا». وهذا الحديث فيه ما قاله بعض العلماء بوجوب الأخذ من الشارب وترك اللحية، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين: «حفوا الشوارب وأعفوا اللحاء، حفوا الشوارب وأعفوا اللحاء». هذا كله يدل على الوجوب، وهو قول عنده في مذهب أحمد، وإلا فأكثر أهل العلم يرون الاستحباب، أي الأخذ من الشارب. لكن هذا الحديث فيه أوامر خاصة، مثل هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا». وهذا فسره بعض أهل السنة، وبعضهم لم يفسروا، لكن فسروه بأنه «ليس منا» أي من باب البراءة، أن النبي صلى الله عليه وسلم يتبرأ ممن يفعل هذا. وأما من قال: ليس من أهل الإيمان، فهذا ليس بصحيح. وأن كره الإمام أحمد، وجاء عن سفيان الثوري، وعن ابن المبارك، وأحمد، وغيرهم، أن هذه الأحاديث تبقى على ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ولا تفسر. وليس معنى أنها ليس لها تفسير، وإنما الأفضل أن تكون هكذا زجرا، معنى أن لا يقول الإنسان: ليس على طريقتنا، أو ليس على الإيمان الذي نحن عليه. وإن كان مثلا قوله: ليس على طريقتنا هو الظاهر، لكن تركها هكذا أبلغ في الزجر. «من لم يأخذ من شاربه فليس منا». فكما قلنا يدل على الوجوب. وهنا جاء في هذا الحديث: «من لم يأخذ من شاربه»، ولم يحدد هل يأخذ كثيرا أو قليلا. وقد جاءت النصوص باختلاف الأخذ، جاءت بالإنهاك والإحفاء، وهي الأخذ الشديد، وجاءت بالقص. كما قلنا جاء في حديث عبد الله بن عمر: «حفوا الشوارب» أو جاء «حفوا الشوارب»، وأيضا جاء القص في الصحيحين في حديث أبي هريرة: «خمس من الفطرة»، وذكر منها قص الشارب. فالقص والإحفاء جاء، ولهذا اختلف العلماء: هل الأفضل الإحفاء أو القص؟ فذهب أحمد إلى الإحفاء، وقال: كان يقول يُحفى شديدا. وذهب مالك والشافعي إلى القص. وأبو حنيفة أيضا يقول بالإحفاء، لكنه في مذهبه يقول بالإحفاء الشديد، ولو حل أن يحلق كله. فهذا يدل على أن العلماء ذهبوا إلى ثلاثة مذاهب: منهم من أجاز الحلق كله، وفضل الإحفاء لأخذ فيه كثيرا، ومن العلماء من رأى الإحفاء الشديد ولا يؤخذ كله، ومنهم من رأى القص، وهو قول مالك والشافعي. بل أن الإمام مالك أنكر إنكارا شديدا على من حلق شاربه، حتى قال: إنه يجلد. وجاء في حديث المغيرة بن شعبة عند أحمد وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلا قد أوفر شاربه، وفر شاربه، أي جعل شاربه طويلا، فأخذ مسواكاً، وقال: ووضعه على شاربه، وقال: «قص هذا». فظاهر الحديث، كما قال الإمام ابن القيم وغيره، أنه يقص ما زاد على الشفة، يقص ما زاد على الشفة؛ لأن المسواك غالبا إذا وضع في الشارب فإنه يزيد عليه، أو يخرج منه ما كان خارجا عن الشفة، فيقصها حتى لا تلتصق كذلك في الطعام، فيعلق الطعام بها. فلذا فالأمر كله جائز، حتى أن بعض العلماء يقول: إن الأدلة أيضا تدل على الإنهاك الشديد، والإنهاك هو الحلق. لكن الأفضل أن الإنسان لا يحلق، لا يحلق الشارب كله؛ لأنه لم يأت في النصوص الحلق، وإنما جاء الإنهاك، والإنهاك أو الإحفاء هو الأخذ الشديد. الأخذ الشديد معناه: يأخذها حتى يظهر شيء يسير، مثلا أخذها مثلا بالآلة، هذه آلة الحلاقة المكنة، فهي تبقي شيئا، فهذا من الإنهاك والإحفاء. وإن شاء قصه، قص ما فوق الشفة، فهذا يكفي. ولهذا هنا في هذا الحديث: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا». فالعمل بالسنة إما بالقص وإما بالأخذ، والأخذ أحيانا يكون أفضل؛ لأنه يعطي الإنسان فترة أنه لا يحلقه بعد ذلك. وإن حلق واستمر على هذا، ما في شيء. معنا: إن قص واستمر على هذا، فما في شيء، وهو من سنن الفطرة كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. وأما ما الأخذ الشارب كله، فهذا الأفضل أن يترك، أن معنا أخذ الشارب كله وحلقه. وإلا كما قلنا: بعض العلماء يقول: ما في شيء، ولم يأت دليل على النهي عنه، بل الأدلة تقتضي كذلك، فهو أخذ من الشارب. طيب، فهذا خلاصة ما يذكر في مسألة قص الشارب. وقد رأى كما قلنا جماعة من العلماء على الوجوب، وهو قول عند أحمد، وهو مذهب ابن حزم كذلك. طيب، إن شاء الله نختم بهذا، والله تعالى أعلم.