التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 3

الدرس في التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعريف الحديث المشهور والعزيز

يتناول تعريف الحديث المشهور والعزيز عند أهل الحديث، حيث يبين أن المشهور هو ما رواه ثلاثة فأكثر ولم يبلغ حد التواتر، بينما العزيز هو ما رواه اثنان ولم يكن فيه انقطاع. يفيد كلا النوعين العلم اليقيني بصحته إذا توفرت شروط معينة.

أحكام الحديث الآحاد ودرجة صحته

يناقش أقسام الحديث الآحاد وهي المشهور والعزيز والغريب، ويشرح أحكامها ودرجة اليقين التي توفرها، مع مناقشة آراء مختلف المذاهب الفقهية حول حجية خبر الآحاد وهل يحقق العلم أو الظن.

الخلاف حول حجية خبر الآحاد

يتناول الخلاف بين الجمهور والمعترضين حول ما إذا كان خبر الآحاد يحقق العلم أو الظن، حيث يرى الجمهور أنه يحقق العلم إذا حفته القرائن بينما المعترضون يرون أنه لا يرقى إلى العلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقفنا عند قول المصنف -رحمه الله- ولاحى بهذا التقرير الفرق بين العلم الضروري والعلم النظري، إذ الضروري يفيد العلم بلا استدلال، والنظر يفيد لكن مع الاستدلال على الإفادة. وقلنا بأن الراجح أن الحديث إذا صح سنده إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- فإنه يفيد العلم والعمل، يفيد العلم كما يفيد العمل، أي العلم اليقيني. وهذا مذهب من حزم -رحمه الله- وجماعة من المحققين، كابن القيم -رحمه الله- وغيرهم. قال: وأن الضرورية يحصل لكل سامع، والنظري لا يحصل إلا لمن فيه أهلية النظر. قال: وإنما أبهمت شروط المتواتر في الأصل، يعني في "النخبة"، لأنه على هذه الكيفية ليس من مباحث علم الإسناد، إذ علم الإسناد يبحث فيه عن صحة الحديث أو ضعفه، ليعمل به أو يترك، من حيث صفات الرجال، يعني العدالة والضبط، وصيغ الأداء. والمتواتر لا يبحث عن رجاله، بل يجب العمل به من غير بحث. نعم، المتواتر ما يبحث عن رجاله، يعني في صفاتهم، وإنما البحث إنما يكون بالنظر في رواية هذا الحديث، وكثرة من رواه. فإن كثرة هؤلاء، كما مر بالشروط الماضية، التي تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، ويكون استنادهم إلى أمر محسوس، مما يفيد العلم القطعي اليقيني بثبوت هذا الخبر. ولهذا قد يقبل الخبر المتواتر، وإن كان ناقله كافرًا أو فاسقًا. ففرق بين المتواتر الذي يراد ويقصد في علم الحديث، وبين المتواتر بالمعنى العام. قال: فائدة ذكر ابن الصلاح أن مثال المتواتر على التفسير المتقدم يعز وجوده، يعني قليل، يقل أن يوجد مثله على ما ذكر في شروط المتواتر، يعني يرويه جماعة تحيل تواطؤهم على الكذب، ويكون ذلك من أوله إلى منتهى، إلى آخره. يقول ابن الصلاح -رحمه الله- أن مثل هذا يعز أن يوجد. قال: إلا أن يدعى ذلك في حديث "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، يعني يقول: إلا أن يكون وقوع ذلك في مثل هذا الحديث، الذي هو متواتر، رواه أكثر من أربعين صحابيًا عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهكذا رواه جمع كثير، بكل طبقة من طبقاته، فهو متواتر لفظًا ومعنى. بل ذكر أنه رواه أكثر من مئة الصحابي. قال: وما ذكره من العزة ممنوع، يعني يقول الحافظ: ما ذكره ابن الصلاح من أن هذا عزيز ليس بصحيح. وكذا ما ذكره غيره من العدم، يعني أنه مثل هذا لا يوجد بالكلية. ودعه ابن حبان، وكذلك الحازمي، قال: لأن ذلك نشأ عن قلة الإطلاع على كثرة الطرق، وأحوال الرجال، وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطئوا على كذب، أو يحصل منهم اتفاقًا. ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجودًا، وجود كثرة في الأحاديث، أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم، شرقًا وغربًا، المقطوعة عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها، إذا اجتمعت على إخراج حديث، وتعددت طرقه، تعددًا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، إلى آخر الشروط، أفاد العلم اليقيني بصحته، إلى قائله. وهذا كما قال العلامة الألباني -رحمه الله- يؤكد أن ما ذكر سابقًا من شروط التواتر، إنما يعرفه العلماء النقاد من أهل الحديث، وليس لكل أحد. قالوا: مثل ذلك في الكتب المشهورة كثير، يعني رواية الحديث المتواتر على هذا الوصف، هذا كثير في كتب السنة، يعني أن تروى من طرق عديدة، ويكثر الرواة لرواة هذا الحديث، وتستحيل عادة تواطؤهم على الكذب، فإنه يفيد العلم اليقيني. قال: والثاني، وهو أول أقسام الآحاد، يعني الآن انتهى من قسم المتواتر، سأتكلم عن القسم الثاني، وهو وصول الخبر إلينا عن طريق الآحاد، وهو ما سوى المتواتر. قال: ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين، وهو المشهور عند المحدثين، سمي بذلك لوضوحه. أول أقسام الآحاد هنا ذكر المشهور، الحديث المشهور، وهو ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين، يعني ثلاثة فأكثر، ولم يبلغ حد التواتر، هذا يسمى المشهور. قال: وهو المشهور عند المحدثين، يعني يسمى عند أهل الحديث بالحديث المشهور، سمي بذلك لوضوحه، ولو قال: بظهوره، لكان أفضل وأبلغ، يعني لشهرته وظهوره واشتهاره. قال: وهو المستفيض، على رأيين، على رأي جماعة من أئمة الفقهاء، وأيضًا قول جماعة من الأصوليين، وبعض المحدثين، كما ذكر السخاوي -رحمه الله- في "فتح المغيث"، يعني جعلوا المشهور والمستفيض بمعنى واحد، وأن هذين اللفظين من الألفاظ المترادفة، لا فرق بين المشهور والمستفيض. قال: سمي بذلك لانتشاره، من فاض الماء، يفيد فيضًا، يعني إذا كثر حتى سال على طرق الوادي، فإذا فاض الماء من جوانب الإناء، ووقع، أصبح يتساقط من جوانبه، يقال: فاض الماء. فهكذا سمي المشهور بالمستفيض، لأنه كالذي فاض وخرج من محله، حتى اشتهر. قالوا: منهم من غاير بين المستفيض والمشهور، بأن المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواء، والمشهور أعم من ذلك. هؤلاء فرقوا بين المستفيض والمشهور، المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواء، يعني يكون كل الطبقات متساوية، مثلًا يرويه خمسة عن خمسة عن خمسة، هذا يسمى مستفيضًا. والمشهور أعم من ذلك، قد يكون في طبقة ثلاث، في طبقة خمس، في طبقة ستة، فتختلف طبقات رواة هذا الخبر، ففرقوا بهذا التفريق. قالوا: منهم من غاير على كيفية أخرى، قالوا: وليس من مباحث هذا الفن، يعني ذكر هذه التفاصيل ليس هذا من علم الحديث، وإنما هذا مبحثه بأصول الفقه. قال: ثم المشهور يطلق على ما حُرر هنا، يعني المشهور في اصطلاح أهل الحديث، وعلى ما اشتهر على الألسنة، فيشمل ما له إسناد واحد فصاعدًا، بل ما لا يوجد له إسناد أصلا. يعني المشهور له اعتباران أو استعمالان، استعمال عند أهل الحديث، وهو ما رواه ثلاثة فأكثر، ولم يبلغ حد التواتر، هذا مشهور اصطلاحي. وهناك مشهور بمعنى عام، هو مشهور في الاستعمال، وهو ما اشتهر على ألسنة الناس، فقد يكون صحيحًا، وقد يكون ضعيفًا، وقد يكون موضوعًا. قال: والثالث العزيز، يعني من أقسام الآحاد الحديث العزيز، قال: والثالث العزيز، وهو أن لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين، يعني أن تكون في أقل طبقة من طبقات سند الحديث، راويان عن راويين، لا يقل ذلك عن اثنين، ولو زاد لا يضر، قد تكون مثلًا بطبقة أخرى يرويه ثلاثة أو أربعة أو خمسة، لكن أقل طبقة يرويه اثنان عن اثنين. قال: وسمي بذلك إما لقلة وجوده، يقول: هذا قيل له عزيز، بمعنى أنه مما يعز وجوده، مما يعز وجوده لقلته. قال: وإما لكونه قويًا بما يجيئه من طريق أخرى، يعني يقول: إما لهذا المعنى، وإما لهذا المعنى. قال: وليس شرطًا للصحيح، خلافًا لمن زعمه، يعني بعضهم زعم أن الحديث العزيز شرط للحديث الصحيح، أن يكون عزيزًا. قال: وهو أبو علي الجبائي، من المعتزلة، متوفى سنة ثلاث وثلاثمائة للهجرة. وطائفة من المعتزلة من طوائف الضلال المنح، فهم لا يقبلون حديث الآحاد، لا يقبلون حديث الآحاد، ولا يثبتون به العقائد. ولهذا اشترطوا في الحديث أن يكون عزيزًا، لا بد أن يروي أكثر من واحد. قال: وإليه يومئ كلام الحاكم أبي عبد الله في "علوم الحديث"، حيث قال: "الصحيح أن يرويه الصحابي يزول عنه اسم الجهالة". وهذه العبارة، يعني فيها ما فيها، كيف صحابي يزول عنه اسم الجهالة؟! الصحابة عدول، حتى لو لم يعرف اسمه، هو عدل، ما يضر. قال: بأن يكون له راويان، ثم يتداوله أهل الحديث إلى وقتنا، كالشهادة على الشهادة. هذا كلام الحاكم -رحمه الله- في كتابه "علوم الحديث". فظهر كلامه أنه يقول: لا بد في الحديث الصحيح أن يكون عزيزًا، لأنه قال: "يرويه اثنان"، يرويه اثنان من الصحابة، ويتداوله أهل الحديث عنهم، يعني اثنين فأكثر، إلى وقتنا، كالشهادة على الشهادة. وهذا أيضًا فيه نظر، وليس بصحيح، فلا يشترط في الحديث الصحيح أن يكون عزيزًا. قال: وصرح القاضي أبو بكر بن العربي، وهو محمد بن عبد الله بن محمد، أبو بكر بن العربي المالكي، وهو من أهل السنة، خلافًا للآخر بن العربي، المنكر الذي هو من رؤوس المتصوفة، صاحب كتاب "الفتوحات المكية"، والفصوص الذي عنده شطحات، يعني كفرية، عياذًا بالله. قال: في شرح "البخاري" بأن ذلك شرط البخاري، ونص كلامه: قال أبو بكر بن العربي: "مذهب البخاري أن الصحيح لا يثبت حتى يرويه اثنان عن اثنين". نقله عنه المناوي في "اليواقيت". ثم عقب عليه بقوله: "وهو باطل"، نعم هو كذلك. قال: وأجاب عما أورد عليه من ذلك، يعني من العربي أورد عليه حديث "إنما الأعمال بالنيات"، أول حديث في صحيح "البخاري"، وهو حديث فرد، غريب، ما رواه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا عمر، ولا عن عمر إلا علقمة، ولا عن علقمة إلا التيمي، ولا عن التيمي إلا يحيى بن سعيد، ثم رواه عن يحيى جماعة، فهو حديث فرد، وغريب. أول حديث في صحيح "البخاري"، وآخر حديث في صحيح "البخاري" كذلك، غريب، حديث "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبححان الله العظيم". اعترض عليه بهذا، كيف تقول: شرط البخاري، وهذا أول حديث في "البخاري" ليس بعزيز؟! قال: وأجاب عما أورد عليه من ذلك بجواب فيه نظر، لأنه قال: فإن قيل: حديث الأعمال بالنيات فرد، لم يروه عن عمر إلا علقمة. قلنا: قد خطب به عمر -رضي الله عنه- على المنبر، بحضرة الصحابة، فلولا أنهم يعرفونه لأنكروه. هكذا قال. قال: ولا يلزم من سكوتهم، وعدم إنكارهم، وجود السماع، أنهم سمعوا هذا من النبي -عليه الصلاة والسلام-. وكذلك عدم تفرد عمر، ولو سلمنا جدلًا أنه يلزم من سكوتهم أن عمر لم يتفرد به، طيب علقمة، علقمة تفرد برواية هذا الحديث عن عمر، وعنه التيمي كذلك، فإذا هذا الاعتراض، أو هذا الرد ليس بشيء. قال: وتعقب بأنه لا يلزم من كونهم سكتوا عنه أن يكونوا سمعوه من غيره، وبأن هذا لو سلم في عمر، منع في تفرد علقمة، فعلقمة هو الوحيد الذي روى هذا الحديث عن عمر، حيث أنه لم يروه غيره من التابعين في هذه الطبقة. ثم تفرد محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة، ثم تفرد يحيى بن سعيد الأنصاري عن التيمي، هؤلاء كل واحد تفرد عن الآخر، ما رواه يعني هذا الحديث أحد غيرهم. قال: يحيى بن سعيد به عن محمد، على ما هو الصحيح المعروف عند المحدثين. قال الإمام الخطابي في "علام الحديث": "ولا أعلم خلافًا بين أهل الحديث"، لأن هذا الخبر لم يصح مسندًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا من رواية عمر بن الخطاب، وقد غلط بعض الرواة، فرووه إلى آخره. قال: وقد وردت لهم متابعات، لا يعتبر بها لضعفها، يعني هناك متابعات من تابع علقمة، أو تابع محمد بن إبراهيم، لكن هذه المتابعات ضعيفة، إذن وجودها كعدمها، فما زال الحديث ماذا؟ فردًا، ما زال الحديث فردًا، غريبًا. قال: وكذا لا نسلم جوابه في غير حديث عمر -رضي الله عنه-، يعني أنه يوجد في الصحيح غير حديث عمر، من أحاديث الفرد، والأحاديث الغريبة، فكلام هذا، يعني كلام العربي مردود. قال: وقال ابن رشد، وهو الفهري، توفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، له كتاب على صحيح "البخاري" اسمه "ترجمان التراجم". قال: "ولقد كان يكفي القاضي في بطلان ما ادعى أنه شرط البخاري، أول حديث مذكور فيه". وادعى ابن حبان نقيض دعواه، فقال: "إن رواية اثنين عن اثنين إلى أن ينتهي، لا توجد أصلا". الإمام ابن حبان، صاحب "الصحيح"، ادعى أن رواية اثنين عن اثنين، لا توجد أصلا. قال: قلت، أي الحافظ: وإن أراد به أن رواية اثنين فقط عن اثنين فقط، لا توجد أصلا فيمكن أن يسلم، يقول: هذا قد نسلم له، يعني في كل الطبقات اثنين عن اثنين فقط، لا تزيد. قال: أما صورة العزيز التي حررناها، وهو أن يكون في أقل طبقة من الطبقات اثنين، فموجودة، بأن لا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين، يعني هذا يقول: لا نسلم له فيه أنه لا يوجد. قال: مثاله ما رواه الشيخان، أي البخاري ومسلم، من حديث أنس، والبخاري من حديث أبي هريرة: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين". الحديث الآن عندنا صحابيان، أنس وأبو هريرة، رواه عن أنس قتادة وعبد العزيز بن صهيب، اثنان عن الصحابي أنس. ورواه عن قتادة شعبة وسعيد، أي أبي عروبة، هذان اثنان يرويان عن قتادة. ورواه عن عبد العزيز إسماعيل بن عليا، وعبد الوارث، ورواه عن كل جماعة، يعني عن إسماعيل بن عليا جماعة، ورواه عن عبد الوارث جماعة، فهذا الآن صورة العزيز، وجد في أقل طبقة رواية اثنين عن اثنين. قال: والرابع الغريب، وهما يتفرد بروايته شخص واحد، في أي موضع وقع التفرد به من السند، سواء كان في أول السند، جهة الصحابي، أو بعده، على ما سيقسم إليه الغريب المطلق، والغريب النسبي، سيتكلم عليه فيما سيأتي، سيذكر نوعي الغريب، المطلق والنسبي. لكن نعرف هنا أن من أقسام الآحاد ما يسمى بحديث الغريب، وهو ما رواه راو واحد فقط، فكل غريب ما رواه راو فقط في طبقة من طبقات السند، ولو طبقة واحدة، لا يوجد فيها إلا راو واحد، في الطبقات الأخرى أكثر من واحد، فهو حديث غريب. قال: وكل هذه الأقسام الأربعة المذكورة، يعني المتواتر والمشهور والعزيز والغريب، سوى الأول، أي المتواتر، وهو المتواتر، آحاد، يعني حديث الآحاد يشمل المشهور والعزيز والغريب، هذه الثلاثة من أقسام الأحاد. ويقال لكل منها خبر واحد، يقال لكل منها خبر خبر واحد، معنى خبر واحد، أي خبر أحد، ولا يشترط من خبر الأحد لما يقال خبر أحد أن يكون رواه واحد فقط، لا. المقصود ما كان رواته أقل من رواة المتواتر، ما لم يبلغ درجة المتواتر، سواء كان مشهورًا أو عزيزًا أو غريبًا. قال: وخبر الواحد في اللغة ما يرويه شخص واحد، وفي الاصطلاح ما لم يجمع شروط المتواتر. قال: وفيها، أي في الآحاد المقبول، وهو ما يجب العمل به عند الجمهور، ما يجب العمل به عند الجمهور، أي جمهور أهل الحديث والفقه، خلافًا للمعتزلة والرافضة وغيرهم. وقولهم برد حديث الآحاد مردود، لكن قوله: "ما يجب العمل به" كان الأولى أن يذكر حد المقبول، كما قال هنا: "وفيها المردود"، وهو الذي لم يترجح صدق المخبر به، فكان الأولى أن يقول: "في المقبول"، وهو الذي ترجح صدق المخبر به، ثم حكمه أنه يجب العمل به، أنه يجب العمل به. إذن حديث الآحاد منه ما هو مقبول، مما صحت رواته، وكان رواته من أهل العدل والضبط والصحة، إسناده للنبي -صلى الله عليه وسلم-. ومنه ما هو مردود، بسبب ضعف إسناده، وضعف رواته. قال: وفيها المردود، الذي لم يترجح صدق المخبر به. قال: لتوقف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها، دون الأول، وهو المتواتر، يعني المتواتر ما يحتاج أن يبحث في رواته، بخلاف الآحاد، فيحتاج البحث في رواته، حتى نعلم صحة هذا الحديث من عدم صحته. قال: فكل مقبول، يعني المتواتر، لإفادته القطع بصدق مخبره، بخلاف غيره من أخبار الآحاد. والصحيح كما ذكرنا أن خبر الواحد يفيد العلم، ويجب العمل به، ولا يفرق من حيث إفادة العلم والعمل بين المتواتر والآحاد، فيجب العمل بهما جميعًا. طيب، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا لأهل الأهواء، المعتزلة، ومن صار على طريقتهم. قال: لكن إنما وجب العمل بالمقبول منها، لأنها إما أن يوجد فيها أصل صفة القبول، وهو ثبوت صدق ناقل، أو أصل صفة الرد، وهو ثبوت كذب ناقل. إنما وجب العمل بالمقبول منها، يعني من أخبار الآحاد، لأنها إما يوجد فيها أصل صفة القبول، وهو ثبوت صدق ناقل، أن يكون رواته من الثقات الذين يقبل حديثهم، ومن عدل ووثق. أو يكون فيه أصل صفة الرد، ممن تكلم فيه ورد حديثه لكذبه وعدم صدقه. قال: أو لا، فالأول يغلب على الظن ثبوت صدق الخبر، لثبوت صدق ناقله، فيأخذ به، يعني الذي ثبت صدقه أن ناقله فيه ووثق وعدل، فهذا يغلب على الظن صدق هذا الخبر، وثبوت هذا الخبر. قال: والثاني ممن تكلم في رواته، يغلب على الظن كذب الخبر، لثبوت كذب ناقله، فيطرح، أي يرد. قال: والثالث إن وجدت قرينة تلحقه بأحد القسمين، التحق، وإلا فيتوقف فيه، فيتوقف فيه. وإذا توقف عن العمل به، صار كالمردود، يعني من حيث عدم العمل به. والصحيح كما ذكرنا أن خبر الواحد إذا صح سنده، وجب العمل به، وأفاد العلم والعمل، أفاد العلم والعمل. قال: وإذا توقف عن العمل به، صار كالمردود، لا لثبوت صفة الرد، بل لكونه لم توجد فيه صفة توجب القبول، والله أعلم. قال: وقد يقعوا فيها، أي في أخبار الآحاد المنقسم إلى مشهور وعزيز وغريب، ما يفيد العلم النظري بالقرائن، يعني قد تحف قرائن ودلائل تجعل هذا الخبر الآحاد يفيد العلم اليقيني، هذا على القول بأن خبر الآحاد لا يفيد إلا الظن، إلا إذا حفته القرائن، وهذا قول الجمهور، جمهور أهل العلم. أما القول بأن خبر الآحاد لا يفيد العلم مطلقًا، فهذا قول جمهور المتكلمين، وجمهور المعتزلة والخوارج. قال: ما يفيد العلم النظري بالقرائن، على المختار، خلافًا لمن أبى ذلك، من أبى ذلك وقال: إن خبر الآحاد لا يفيد العلم مطلقًا. هذا قول جمهور أهل الكلام، وجمهور المعتزلة والخوارج. قال: والخلاف في التحقيق لفظي، لأن من جوز إطلاق العلم، قيده بكونه نظريًا، وهو الحاصل عن الاستدلال، يعني عن الاستدلال والنظر. ومن أبى الإطلاق، كجمهور المتكلمين، خص لفظ العلم بالمتواتر، وما عداه عنده كله ظني. لكن لا ينفي أن ما احتفى بالقرائن أرجح مما خلى عنها. طيب، وإذا كان أرجح، ما فائدة هذا الرجحان؟ إذا كانوا يقولون: خبر الآحاد لا يفيد العلم، لا يفيد العلم مطلقًا، إذا وجدت القرائن هو ما زال في محله، في محل ظن، يعني نحن جزء بثبوته، ولا نوقن بذلك، بل يحتمل أن يكون غير ثابت، كغيره من أحاديث الآحاد. إذا الخلاف حقيقي ومعنوي، ليس لفظيًا كما يقول الحافظ، يعني هو خلاف لفظي، نحن نقول: يفيد العلم إذا حفته القرائن، هم يقولون: لا يفيد إلا الظن. والخلاف ليس لفظيًا مجردًا، نحن نقول: يفيد العلم باللفظ، وهم يقولون: يفيد الظن، وفي النهاية أن الحديث الآحاد الذي حفته القرائن أرجح، لا عندهم أنه في درجة الظن، ولا يرتفع إلى درجة العلم أبدًا. إذا الخلاف ليس لفظيًا، بل حقيقي، فعندهم خبر الآحاد، وإن حفته القرائن، لا يفيد القطع، لا يفيد القطع أبدًا، وهذا خلاف قول الجمهور. طيب، إلى هنا صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.