الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 665

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 665

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 665، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث لعن اليهود وتحايلهم على الشحوم

يشرح الشيخ مقبل الوادعي حديث ابن عباس في لعن النبي صلى الله عليه وسلم لليهود لتحايلهم على تحريم الشحوم ببيعها وأكل أثمانها، مستدلاً بقرآنيات أهل السبت. ويقرر جواز لعن الطائفة الكافرة وصفاً بخلاف لعن المعين لنهي العلماء عنه لاحتمال إسلامه.

الحيل الشرعية والمحظورة والفرق بينهما

يبين المقطع الفرق بين الحيل المشروعة للخروج من المآزق كالحيل في الطلاق، والحيل المحرمة لتحليل الحرام كما فعل اليهود. ويحذر من كتاب الحيل المنسوب لأبي إسحاق الحنفي المعتزلي الذي أباح المحرمات كارتداد المرأة للخلع.

قاعدة تحريم ثمن المحرم وتطبيقاتها الفقهية

يستعرض المقطع القاعدة الفقهية القائلة بأن تحريم الأكل يستلزم تحريم البيع والثمن، مع استثناءات للبيع بقصد الانتفاع لا الأكل. ويطبق ذلك على بيع الحمير للركوب والقرود للزراعة وشحم الميتة للدهن والطلاء.

تحريم بيع الحرام لارتباطه بتحريم أكله

يؤكد المقطع أن بيع الشيء الحرام غير جائز لارتباطه بتحريم أكله، مستنداً إلى القاعدة الشرعية: إذا حرم الله أكل شيء حرم ثمنه. ويعد ذلك خلاصة ما ورد في حديث لعن اليهود المذكور سابقاً.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا مسدد، وهو ابن مسرهد أبو الحسن البصري، قال: حدثنا بشر بن المفضل وخالد بن عبد الله -أي الواسطي- حدثاهما، يعني: حدثا مسددًا. بشر بن المفضل من حفاظ البصرة، وخالد بن عبد الله أيضًا من واسط من حفاظها، خالد بن عبد الله الطحان. قال: عن خالد الحذاء، وهو أبو المنازل، قال: عن بركة، وبركة هو أبو الوليد، تكلم بعض في حفظه. قال مسدد: في حديث خالد بن عبد الله عن بركة أبو الوليد، ثم اتفقا عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا عند الركن، قال: فرفع بصره إلى السماء فضحك، فقال: «لعن الله اليهود ثلاثًا، إن الله تعالى حرم عليهم الشحم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه». ولم يقل في حديث خالد بن عبد الله الطحان: «رأيت»، وقال: «قاتل الله اليهود». هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح إلا بركة أبو الوليد، وقد وثقه البزار كما في تهذيب التهذيب. فهذا الحديث فيه لعن النبي عليه الصلاة والسلام اليهود على مكرهم وعلى حيلهم، أهل اليهود أهل مكر وأهل حيل، تحايلوا على شرع الله جل وعلا، وقد ذكر الله عز وجل أشياء كثيرة من حيلهم، من أخذهم الرشوة وأكلهم الربا، وكذلك أيضًا ذكر مثلًا لأهل القرية التي كانت حاضرة البحر، إذ يعدون في السبت، تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعًا، ويوم لا يثبتون لا تأتيهم، لا تأتيهم الحيتان يوم السبت، حتى قال المفسرون: حتى تخرج إلى الساحل، فعملوا لها شبكًا من يوم الجمعة، شبكوا يوم الجمعة ثم يأخذونه الأحد، وقد دخل فيه الصيد، وظنوا بهذا أنهم لم يصطادوا في السبت، فعاقبهم الله عز وجل على ذلك. وهكذا هذا ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام هنا، أنهم احتالوا على الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وقد جاء هذا في الصحيحين في حديث جابر بن عبد الله. وفي هذا الحديث كما قلنا لعن اليهود، وأنه جائز أن يلعن اليهود كعامة، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، وقد تواردت الآيات والأحاديث لأن بعض الناس استشكل قول بعض العلماء عدم لعن المعين ولو كان كافرًا، فإذا عين إنسان معينًا أو جماعة عينهم، ولو كانوا هؤلاء كفارًا، فلا ينبغي، ويقول بعضهم: لا يجوز، وبعضهم يقول: لا ينبغي أن يلعنهم لأنهم قد يصلحوا، قد يدخلوا الإسلام، ويستدلوا بحديث عبد الله بن عمر لما نزل قول الله جل وعلا: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لعن أناسًا بأعيانهم، وهؤلاء الذين لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم أكثرهم أسلم، فلذلك نهى الله عز وجل نبيه فقال: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾. لكن لعن الطائفة كلها لا بأس، بل هذا جاء في القرآن، قد لعنهم الله عز وجل في عدة آيات: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾. وأيضًا معنى لعن النصارى كذلك، لعن هذه الطائفة التي قد اتسمت بالكفر، ومن دخل دينهم أيضًا يعتبر كافرًا، فلذلك يجوز لعنهم، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يلعنهم، وكذلك الصحابة، كان عمر أيضًا يقول: «اللهم العن كفرة أهل الكتاب»، صح ذلك عن عمر من عدة طرق، أنه كان في رمضان يأمر الأئمة، وكذلك هو يفعل ويأتي بذلك الدعاء: «اللهم إنا نستعينك ونستغفرك»، وفي آخره يقول: «اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويقاتلون أولياءك». وأما الأمر الثاني هنا فهو حيلة اليهود التي اتبعوها في مثل هذه الأمور، فالله عز وجل حرم عليهم شحوم الميتة، فقاموا فباعوها وأكلوا أثمانها، وفي حديث جابر: أذابوها فجعلوها زيتًا وباعوا الزيت، وباعوا الزيت زيت الميتة، وهذا من باب الحيلة. ولما قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث جابر: «إن الله حرم عليكم الخمر والميتة والأصنام»، فذكروا شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود، فقال: «هو حرام». فإن اليهود لما حرمت عليهم الشحوم أذابوها وباعوها وأكلوا أثمانها. وجاء عند أهل السنن وأحمد الحديث بأبي هريرة، لكن بعض العلماء يضعفه: «لا ترتكبوا مثل ما ارتكبت اليهود، فاستحلوا حرمات الله بأدنى الحيل». فعُرف اليهود بهذه الحيل، والأمر الأشد أنه وجد في أهل الإسلام من يتحايل على المحرمات ويتحايل على الشرع. ولهذا ألف رجل يقال له أبو إسحاق كذا من الحنفية -أنسي، بل هم حنفية معتزلة- ألف كتابًا سماه «كتاب الحيل» ويحتال على الشرع، وقد حذر العلماء من هذا الكتاب، بل ذكر الإمام أحمد أن هذا زنديق، أن الذي ألف هذا الكتاب زنديق، يريد أن يحل ما حرم الله، حتى ذكروا أن من الحيل أنه إذا أرادت المرأة أن تخلع زوجها وليس عندها عوض، ترتد عن الإسلام، إنا وصل إلى هذه السذاجة بل والكفر والزندقة، أنها ترتد عن الإسلام حتى لا تحل له، ثم إذا أسلمت بعد ذلك فإنها لا تحل له، أو إذا وعدها أحد بالزواج تسلم ثم تتزوج، وهذا معنى حيلة خطيرة وفيها أيضًا الكفر، كيف يرضى أن ترتد المرأة؟ فلذلك حذر العلماء من هذا الكتاب، شمل التحذير عن جماعة من السلف: ابن المبارك، ووكيع، وأحمد، غيرهم. وقد أيضًا اشتهر عند الحنفية مثل هذه الحيل، وإن كان ليس معنى مثل هذه الحيل الكبيرة، لكنها عندهم حيل يحتالون بها على كيف يخرج الشخص من الحرام، وكيف يخرج الشخص بدون أن يكون آثمًا، وكذلك تجده في كتب كثير من الفقهاء سواء كان الشافعية أو الحنابلة، لكن بعضها جائز، يعني حيل شرعية تكون ليست حيلًا من هذا الحرام أو في ارتكاب محرم، وإنما تكون حيلًا شرعية مثل ما يذكرونها في مسائل الطلاق، في مسائل الطلاق، عندما يطلق الرجل مثلًا خاصة في تعليق الطلاق، يقول مثلًا الرجل لامرأته: «إذا خرجت من البيت فأنت طالق»، فيبحثون لها عن حيلة تخرجها من هذا الطلاق، مثل ما ذكر، أو ذكر بعضهم من هذه الحيل: أن امرأة قال لها زوجها وجدها في درج البيت: «إن وقفت مكانك في الدرج فأنت طالق، وإن صعدت فأنت طالق، وإن نزلت فأنت طالق»، أحصرها، قال لها: «إن وقفت في هذا المكان فأنت طالق، وإن صعدت فأنت طالق، وإن نزلت فأنت طالق»، فقامت وكانت ذكية، فرمت بنفسها من هذا الدرج، وخرجت من طلاقه، على هذه حيلة صحيحة، خرجت من طلاقه برمي نفسها لأنها ما صعدت ولا نزلت ولا بقيت في مكانها، فمثل هذه الحيل لا بأس بها لإخراج المرأة من الطلاق أو لغير ذلك من الأمور. حيانًا بعض الناس يأتي مثلًا تجد في غضب يطلق ضرته ويعلق طلاقها بشيء قد لا تستطيع أن تخرج منه أو هو يخرج منه، فقد يوجد له حيلة تفعلها مثلًا فتخرج من هذا الطلاق، فهذا لا بأس به. أما التحايل على الحرام وبوقوع حرام مثلًا فهذا لا يجوز، مثل ما حصل لهؤلاء، حرم الله عز وجل عليهم الشحوم فذابوها وباعوها زيتًا وأكلوا أثمانها، فمثل هذه الحيلة حرام، وقد ذكرها الله كما قلنا عن اليهود. ثم مسألة ثالثة في هذا الحديث وهي قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه». هذه قاعدة من القواعد الفقهية التي أخذها العلماء، وهي أن الله عز وجل إذا حرم شيئًا فحرم بيعه، حرم بيعه، فكل شيء محرم فإذا بيع لأجل أكله فإنه يعتبر حرام، سواء كان من حيوانات ومن غيرها. لكن أحيانًا جوز بيعه إذا كانت له منفعة، مثل الحمار، وما ذكرنا: الحمار يباع لأجل المنفعة، أما إذا بيع لأجل الأكل فهو حرام، لا يجوز أن يباع لأجل الأكل لأنه محرم أكله، فإذا عرف إنسان أن هؤلاء مثلًا من الكفار ومن غيرهم يأكلون الحمر، فيأتون ويشترون الحمر من عنده، فهنا لا يبيع لهم، لا يجوز له أن يبيع لهم على مذهب الجمهور خلافًا للحنفية. أيضًا إذا كان يعلم أن هؤلاء يستخدمون هذا الحمار في الغش في طعام الناس، مثل ما حصل من بعضهم يعملون بعض الأكلات من لحوم الحمر أو لحوم الكلاب، فهذا أيضًا لا يجوز أن يباع لهم. وأما إن كان لأجل النفع، مثل ما كان قديمًا ينتفعون بالحمر لأجل الماء، إتيان الماء، ولأجل الركوب أحيانًا وغير ذلك، فهذا لا بأس به، لا بأس في بيعه مثل هذه الأمور المباحة. وأما شيء لا ينتفع به فلا يجوز بيعه، ولهذا اختلف العلماء في القرود هل يجوز بيعها أو لا يجوز، مع أنه قد قال أكثر العلماء بل جمهور العلماء، بل بعضهم حكى الاتفاق على تحريم أكل القرود، ثم اختلفوا في بيعها، فهل يجوز أن تباع هذه القرود؟ ذكر بعض العلماء: إن كانت لفائدة فلا بأس، إن كان هناك فائدة ترجى من هذا القرد لأجل مثلًا يستخدمه في الزراعة، يأتي له بالثمار، يأتي له بكذا، يصعد النخل، يصعد الأشجار الطويلة، يستخدمه في هذا، فلا بأس أن يشتريه للنفع، وأما إن كان لغير ذلك فلا يجوز، أي للأكل أو للعب، مثل ما الآن يبيعونه أو يشترونه للعب ولأجل الأطفال، فإن هذه ليست منفعة بل هي مضرة غالبًا، فهكذا فهذه قاعدة كما قلنا، لكن لها استثناءات كما هو معروف، أن القواعد الفقهية وهي حديث أصلًا، وهي من الحديث، لكن له استثناءات من الأحاديث الأخرى. النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن زيت الميتة وما يدهن به الجلود ويطلى به السفن، قال: «لا، هو حرام». وقد بيّن شيخ الإسلام أن النبي عليه الصلاة والسلام إنما قصد بيعه ولم يقصد استخدام الزيت، ولهذا ذهب أحمد في رواية، وهو أيضًا ترجيح شيخ الإسلام، على أنه يجوز أن تباع أو أن يباع هذا الزيت، الزيت الذي أعد من شحم الميتة، لأجل طلاء السفن، ولأجل كذلك طلاء الجلود أو دهن الجلود، لأن هذه منفعة. لكن كما قلنا: إذا لم يكن هناك منفعة فلا يجوز أن يباع الحرام، لأن النبي عليه الصلاة والسلام حرم أكله، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه، أي بيعه. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.