التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 4

الدرس في التعليق على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية تلقي العلماء للصحيحين بالقبول

تلقي العلماء للصحيحين بالقبول يفيد العلم اليقيني للأحاديث الواردة فيهما، مع وجود استثناءات لأحاديث قليلة انتقدها بعض الحفاظ أو ورد فيها تعارض. هذا التلقي يعد دليلاً على صحة الأحاديث الواردة في الصحيحين.

شروط إفادة الخبر العلم في الحديث النبوي وعلاقتها بالصحيحين

يشترط في إفادة الخبر العلم في الحديث النبوي توفر شروط معينة مثل وجودها في الصحيحين أو كونها مشهورة أو رواها الأئمة، ومعرفة أحوال الرواة والاطلاع على العلل. هذه الشروط تضمن صحة الحديث وعدم وجود تعارض أو نقد.

تعريف الفرد المطلق والفرد النسبي في علم الحديث وتطبيقاتهما

الفرد المطلق هو التفرد في الرواية عن الصحابي، بينما الفرد النسبي هو التفرد في أثناء السند. أهل الحديث يفرقون بين استخدام الأسماء والأفعال المشتقة في وصف الحديث، مما يدل على دقة علم الحديث.

خاتمة وذكر كتاب النكت على ابن الصلاح

المؤلف أثنى على كتابه النكت على ابن الصلاح واختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. هذا يدل على أهمية هذا الكتاب في علم الحديث وحرص المؤلف على الدعاء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه «نزهة النظر في شرح نخبة الفكر»: قال «والخبر المحتف بالقرائن لأنواع»، منها ما أخرجه الشيخان، أي البخاري ومسلم، في صحيحيهما، مما لم يبلغ حد المتواتر، يعني ما كان فيها من أحاديث الآحاد، إما كان غريبًا أو عزيزًا أو مشهورًا. قال «فإنه احتفت به قرائن»، منها جلالتهما في هذا الشأن، يعني جلالة صاحبي الصحيحين، البخاري ومسلم، فما لهما من مرتبة عظيمة في هذا العلم، في علم الحديث، وما لهما من شروط اشترطاها في صحيحيهما، من التزام شروط لذكر الحديث وصحته، إلى آخره. فهذه من القرائن التي احتفت بهذين الكتابين. قال «وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما»، يعني من أصحاب الصحاح. قال «وتلقي العلماء كتابيهما بالقبول»، تلقي العلماء كتابيهما بالقبول، أي اعتقادًا وعملًا. فالعلماء قبلوا ما في الصحيحين مما أخرجاه في كتابيهما، وهذا التلقي كما سيذكر رحمه الله، يعني يكفي في إفادة العلم. قال «وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر». نعم، هذا التلقي، كون علماء تلقوا ما في هذين الكتابين بالقبول، وقبلوا ما فيهما من الأحاديث، وعملوا بهما، هذا يعني يجعلنا نجزم بصحة هذه الأحاديث، ثبوتها، وكذلك أنها مما قالها النبي عليه الصلاة والسلام، يقينًا لا شك فيه، إلا أحرف يسيرة انتقدها بعض الحفاظ، كالدارقطني رحمه الله. وبعضها تم فيه الانتقاد، وبعضها لم يتم فيه الانتقاد، ذاك في الجملة. فأكثر ما فيه ما هو صحيح، فهذا يعني يفيد العلم اليقيني، يفيد العلم اليقيني أن هذه الأحاديث ثابتة، يقينًا، عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال «إلا أن هذا مختص بما لم ينقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين». نعم، كما ذكرنا أنه يعني هناك أحرف يسيرة، وأحاديث قليلة، انتقدها الحفاظ. قال «وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه»، التجاذب يعني التخالف، لم يقع فيه التعارض بين مدلوليه، يعني ما دل عليه متن الحديث من أحكام. قال «مما وقع في الكتابين»، حيث لا ترجيح، لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما، من غير ترجيح لأحدهما على الآخر. وهذا في الاستثناء في الحقيقة، يعني كما يقال فيه نظر، لماذا؟ لأنه لا يوجد أصلا، لا يوجد في الأدلة الصحيحة شيء من التعارض الحقيقي، الذي لا يمكن أن يجمع بين مدلولي الدليلين، بحيث أنه يكون هذا معارضًا لهذا، من غير إمكان الجمع أو الترجيح. هذا لا يوجد. فما كان في ظاهره شيء من ذلك، فلا بد وله توجيه، يجمع به بينه وبين الأدلة الأخرى التي عارضتها في الظاهر. ومرجع ذلك في أصول الفقه، في مبحث ترتيب الأدلة، وكيف التعامل معها. فالمقصود أن مثل هذا لا يوجد، إلا أن يكون يعني بين دليل صحيح، ودليل ضعيف، فحينئذ يقدم الصحيح، ويرد الضعيف. أما أن يكون بين دليلين صحيحين، ويحصل بينهما التعارض، ولا يمكن الجمع بينهما، أو الترجيح، بأن يكون أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا، فهذا يعني لا يوجد له مثال صحيح. فكون المصنف رحمه الله يقول: يعني أن هذا إفادة العلم مختص بالأحاديث التي لم ينتقدها الفاظ، أو الأحاديث التي لم يقع بينها التجاذب والاختلاف والتعارض بين مدلولي الحديثين، ولا يمكن الترجيح بينهما. فمثل هذا يقول: يستحيل أن يفيد العلم، والتناقض بينهما واقع. وهذا غير موجود أصلا. غير موجود أصلا. طيب، لأن يعني حصول التناقض بين قضيتين، لا يمكن الجمع بينهما، هذا شيء مستحيل، يعني أن يوصف الشيء بوصفين متناقضين. ولا، والمراد بالتناقض، يعني أن يوصف الشيء بوصفين، ما يمكن اجتماعهما في وقت واحد. مثلا يقال: فلان متحرك وساكن، فلان متحرك وساكن، هذا الشيء بارد وحار، ما يمكن، إما يكون حارًا، وإما أن يكون باردًا. وهذا يقال: مثل هذه المسألة، يعني أن يأتي دليلان، أحدهما يحل والآخر يحرم، ثم لا نستطيع أن نجمع بينهما، ولا أن نرجح بينهما، هذا لا يوجد. فإن وجد مثل ذلك، إما أن يكون هناك جمع بينهما، وإما أن يكون هناك ترجيح، لأن يكون أحدهما ناسخًا، والآخر منسوخًا. نعم. قال «وما عدا ذلك»، يعني ما عدا الأحرف أو الأحاديث التي انتقدها الحفاظ، أو ما كان بينهما تعارض في مدلوليهما. قال «فالإجماع حاصل على تسليم صحته». ليس الكلام الآن على صحة الحديث وضعفه، الكلام على إفادته العلم، أو عدم إفادته العلم. فكان ينبغي أن يقول: «وما عدا ذلك، فالإجماع حاصل على إفادته العلم»، على إفادته العلم، لأنها فته القرائن. وإن كان هذا ليس فيه إجماع، يعني وفيه خلاف. صح، فلولا كان يقول ذلك، فقول يعني أكثر أهل العلم، مثلا، أو الجمهور من العلماء، على أنه يفيد العلم. قال «فإن قيل: إنما اتفقوا على وجوب العمل به»، يعني إذا ادعى مدع وعترض معترض بأنه الاتفاق إنما على وجوب العمل، لا على صحة معناه، لا على صحة معناه. قال «وسند المنع أنهم متفقون على وجوب العمل بكل ما صح، ولو لم يخرجه الشيخان». فلم يبق للصحيحين في هذا مزية، يعني على غيره من الأحاديث التي خارج الصحيحين. قال «والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة». نعم، يعني كأننا ننقل الاتفاق على وجوب العمل، أو على الصحة، ما في الصحيحين. وهذا وحده ليس كافيًا، لأن كذلك ما صح مما خارج الصحيحين، يجب العمل به. يجب العمل به. إذا هناك مزية أخرى، تزيد في الصحيحين على غير ما من الكتب. وهو ما ذكر من تلقي العلماء لهذين الكتابين، ولجلالة مؤلفيهما، وكذلك أيضًا قوة شروطهما، التي اشترطاها في هذين الكتابين. قال «وممن صرح بإفادة ما خرجه الشيخان العلم النظري». إذن الحافظ رحمه الله يرى أن ما في الصحيحين يفيد العلم النظري، للعلم اليقيني. والصحيح أنه يفيد العلم اليقيني. قال «الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني»، وهو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، «من إمام المتكلمين». قال «قالوا: من إمام الحديث أبو عبد الله الحميدي»، أبو عبد الله الحميدي، وهو شيخ البخاري رحمه الله. قال «أبو الفضل بن طاهر وغيرهما»، وهو البغدادي. «وشيخ الإسلام رحمه الله نقل أن الأخبار التي تلقتها الأمة بالقبول، تصديقًا وعملًا، بموجبه، أفاد العلم عند جماهير العلماء، من السلف والخلف». قال «وذكره جمهور الأصوليين في أصول الفقه». انظروا، شيخ الإسلام ينقل عن جمهور علماء، أن الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول، تصديقًا وعملًا، بموجبه، أفاد العلم. أراد بهذا العلم، علم اليقيني، لا علم النظري، العلم اليقيني. ونقل هذا أيضًا عن طائفة من المحدثين، والفقهاء، والأصوليين. هذا الكلام في «مجموع الفتاوى»، المجلد الثامن عشر. طيب، قالوا: «يحتمل أن يقال: المزية المذكورة»، كونه أحاديث الصحيح، «والقول الأول الذي ذكرناه»، قول الإمام ابن حزم رحمه الله، وابن القيم، «ومن أخذ بقولهما»، حول قوي. «إذا صح الحديث، وثبت بسند صحيح، للنبي عليه الصلاة والسلام، فإننا نجزم بإفادته العلم»، بإفادته العلم اليقيني، «أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله». نعم. قال «ومنها المشهور»، أي من أحاديث الآحاد. قال «ومنها المشهور»، أي المشهور عند أهل الحديث، الذي صلحوا عليه. قال «إذا كانت له طرق متباينة»، يعني مختلفة، سالمة من ضعف الرواة، والعلل. المشهور يريد أن المشهور كذلك يفيد العلم، قد يفيد العلم، كالمتواتر، إذا كانت له طرق متباينة، طرق كثيرة مختلفة، سالمة من ضعف الرواة، والعلل، ليس فيها ضعف في رواتها، وليس لها علة قادحة. قال «من مثل هذا يفيد العلم». قال «وممن صرح بإفادته العلم النظري»، الأستاذ أبو منصور البغدادي، وهو عبد القاهر بن طاهر، وهو أصولي، متوفى سنة ست وأربعمائة من الهجرة. قال «والأستاذ أبو بكر بن فورك»، أبو بكر بن فورك، وهو محمد بن الحسن، وهو أصولي، متكلم، من أهل الكلام. قتله محمود بن سوبتكين، محمود بن سوبتكين، في ولايته، لماذا؟ لأنه قال: «كان الرسول عليه الصلاة والسلام رسولًا في حياته». قال: رسولًا في حياته فقط، «وأن روحه قد بطل وتلاشى، وليس هو في الجنة»، يعني روحه، كلام زندقة. فلهذا قتله محمود بن سوبتكين رحمه الله. قال «وغيرهما»، يعني من أهل الكلام. قال «ومنها المسلسل»، المسلسل بالأئمة، الحفاظ، المتقنين، حيث لا يكون غريبًا، لا يكون غريبًا، يعني لا يكون فيه تفرد في السند، بل يرويه كل واحد من الحفاظ عن الآخر. كالحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل، طبعًا، مراد بن سلسل هنا، المسلسل بمعنى اللغوي، لا المعنى الاصطلاحي، لا المعنى الاصطلاحي عند أهل الحديث، أنه المراد أن يتسلسل الرواة، أن يتتابع في نقل هذا الحديث، يرويه عن إمام، والإمام يرويه عن إمام آخر، وهكذا. قال «كالحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل مثلًا، ويشاركه فيه غيره، كعن الشافعي، ويشاركه فيه غيره عن مالك بن أنس». فإنه يفيد العلم عند سامعه، بالاستدلال، من جهة جلالة رواته، وأن فيهم من الصفات اللائقة، الموجبة للقبول، ما يقوم مقام العدد الكثير، من غيرهم. نعم، وهذا الحديث بهذا السند، هو ما زال أحد، لكن يقول: أراد بهذا أن من القرائن التي تحف بالحديث، وتجعله مما يفيد العلم، أن يكون رواته أئمة، كحديث يرويه الإمام أحمد، ويشاركه فيه غيره من الأئمة، في الرواية عن الإمام الشافعي، ويشارك الإمام الشافعي غيره من الأئمة، في الرواية، رواية هذا الحديث عن مالك بن أنس. نعم، عن مالك بن أنس، ويشارك مالك بن أنس غيره في الرواية، مثلا عن نافع، ويشارك نافع غيره في الرواية عن ابن عمر، مثلا. فحديث بهذا السند، يقول: لا شك أنه يفيد العلم، أنه يفيد العلم، وأنه ثابت، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله. قال «ولا يتشكك من له أدنى ممارسة بالعلم، في أخبار الناس، أن مالكًا مثلا، لو شافه بخبر، أنه صادق فيه». إذا انضاف إليه من هو في تلك الدرجة، ازداد قوة، وبعد عما يخشى عليه من السهو. نعم، يعني الآن الإمام مالك، يعرف يعني منزلته في العلم، والصدق، والعدالة، والضبط، والإتقان. فلو أخبر بخبر، لا يشك السامع أن الإمام مالك صادق، فإذا جاء آخر، ونقل نفس الخبر، الذي ذكره الإمام مالك، هذا يزيد، يزيد الخبر قوة، يزيد الخبر قوة. كأنه يقول: هكذا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، مما ينقله أمثال هؤلاء، إلى إمام من الكفاية، ويوافقهم غيرهم، ممن هو مثلهم، هذا مما يزيد الحديث قوة في ثبوته. قالوا: «هذه الأنواع التي ذكرناها»، لا يحصل العلم بصدق الخبر منها، إلا للعالم بالحديث، المتبحر فيه. قال «العارف بأحوال الرواة، المطلع على العلل». نعم، هذه الأنواع التي ذكرها، يعني من أنواع الحديث، والقرائن التي تحف بالحديث، لا يعلم يعني يحصل العلم بصدق الخبر فيه، إلا للعالم بالحديث، الذي يعرف حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، وعنده خبرة ومعرفة بعلم الحديث، المتبحر، الذي عنده يعني الاطلاع، وتعمق في علم الحديث، الذي يعرف أحوال الرواة، من حيث الضبط، والعدالة، والصدق، ونحو ذلك. فمثل هذا يعني يحصل له العلم بثبوت هذه الأخبار، ودلالتها على العلم. قال «وكون غيره لا يحصل له العلم بصدق ذلك، لقصوره عن الأوصاف المذكورة، لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور». والله أعلم. قال «ومحصل الأنواع الثلاثة التي ذكرناها»، يعني مما تحفها القرائن. الأول يختص بالصحيحين، يعني كون الحديث في الصحيحين. الثاني بما له طرق متعددة، كالمشهور، كمثال المشهور، ذكره، وله طرق عديدة، ورواة ثقات، وليس له علة. فهذا يفيد العلم. الثالث بما رواه الأئمة، كالمثال ذكره، ورواة الإمام أحمد عن الشافعي، والشافعي عن مالك بن أنس، ويوافقهم غيرهم من الأئمة. قال «ويمكن اجتماع الثلاثة في حديث واحد»، يعني يكون الحديث في الصحيحين، ويروي هؤلاء الأئمة بعضهم عن بعض، ويكون له طرق متعددة. قال «فلا يبعد حينئذ القطع بصدقه». والله أعلم. فالحافظ رحمه الله، مع جلالته، ترون عنده شيء يعني من التجديد في باب إفادة الخبر العلم، أخبار الأحاديث. وهذا والله أعلم، لعله تأثر رحمه الله بمذاهب أهل الكلام، الأشاعرة، ومن سلك طريقتهم. وإلا فإنه يعني قول جمهور أهل العلم، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن الحديث إذا حفته القرائن، وتلقته الأمة بالقبول، فإنه يفيد العلم. فإنه يفيد العلم. كون الأمة تلقته بالقبول، هذا كافي في إفادة العلم. نعم. وهكذا إذا وجدت قرائن أخرى، كذلك. وعلى القول الأول، إذا صح الحديث، وثبت بسند صحيح، فإنا نجزم بإفادة هذا الخبر العلم، وكذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله. قال «ثم الغرابة إما أن تكون في أصل السند»، أي في الموضع الذي يدور الإسناد عليه، ويرجع، يعني هو موضع ملتقى الطرق، أو ما يسمى بمخرج الحديث، أن يروى الحديث من عند طرق إلى فلان، ثم من طريق أخرى مثلا إلى عبد الله بن دينار، ومن طريق أخرى إلى عبد الله بن دينار. فعبد الله بن دينار هو إيش؟ هو أصل، يسمى مخرج الحديث، مخرج الحديث، أو الذي يدور عليه الإسناد. طيب، ولو تعدد الطرق إليه، ولو تعدد الطرق إليه. هذا يسمى أصل السند. فيسمى هذا التفرد الفرد المطلق. فإذا حصل التفرد فيما بعد الرواية عن الصحابي، فمثلا روى الحديث أبو هريرة، ورواه عن أبي هريرة محمد بن السيرين، ورواه عنه غيره، ثم تفرد بعض الرواية بالرواية عن أحد من روى عن محمد بن السيرين، مثلا. هذا يسمى فردًا نسبيًا. واضح؟ إذا حصل التفرد في الرواية عن الصحابي، إذا حصل التفرد بالرواية عن الصحابي، فهذا يسمى الفرد المطلق، لأن التفرد في أصل السند. وإن حصل فيما بعد ذلك، بمن بعد التابعي، في أثناء السند، هذا يسمى الفرد النسبي. قال «فالأول الفرد المطلق»، قال «كحديث: نهي عن بيع الولاء وعن هبته»، تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر. يعني ما رواه عن ابن عمر إلا عبد الله بن دينار. ما رواه عن ابن عمر إلا عبد الله بن دينار. هذا يسمى الفرد المطلق. يسمى الفرد المطلق. يعني هنا قوله: «ثم الغرابة إما تكون في أصل السند»، أي الموضع الذي يدور الإسناد عليه، ويرجع، يعني هو موضع ملتقى الطرق، أو ما يسمى بمخرج الحديث. قال «وغالبًا يتفرد به راو عن ذلك المتفرد»، كحديث «شعب الإيمان». حديث «شعب الإيمان»، الإيمان بضع وستون، أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان. هذا الحديث تفرد به أبو صالح عن أبي هريرة، وتفرد به عبد الله بن دينار عن أبي صالح. واضح؟ تفرد به أبو صالح عن أبي هريرة، يعني ما روى عن أبي هريرة إلا أبو صالح. وتفرد به عبد الله بن دينار عن أبي صالح. فما رواه عن أبي صالح إلا عبد الله بن دينار. قال «وقد يستمر التفرد في جميع رواته، أو أكثرهم». وفي «مسند البزار»، والمسمى بـ«البحر الزخار»، ومطبوع. قال «في مسند البزار»، و«المعجم الأوسط» للطبراني، أمثلة كثيرة لذلك، يعني من هذا المفرد، أو التفرد المطلق. هذا أيضًا من أنواع التفرد المطلق. نعم، مثال ذلك ما ذكره صاحب الحاشية هنا، ذكر البزار حديث علي: «قال لي عبد الله المسلم، وقد وضعت رجلي في غرز الركاب: لا تأتي العراق، فإنك إن تأتيها أصابك بها ذباب السيف». قال «ويم الله، لقد قالها، ولقد قالها النبي صلى الله عليه وسلم لي قبله». ثم عقب البزار بقوله: «هذا الحديث لا نعلم رواه إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بهذا الإسناد، ولا نعلم رواه إلا عبد الملك بن أعين، عن أبي حرة، ولا رواه عن عبد الملك بن أعين إلا ابن أعين». والحديث سنده صحيح. نعم، هذا تفرد مطلق. طيب. قال «والثاني الفرد النسبي». قال «سمي نسبيًا لكون التفرد فيه حصل بالنسبة إلى شخص معين، وإن كان الحديث في نفسه مشهورًا». وإن كان الحديث في نفسه مشهورًا، يعني مشهور من أوجه أخرى، روي من طرق أخرى. لكن من هذه الطريق حصل فيها شيء من التفرد، حصل فيها شيء من التفرد. مثال ذلك حديث يرويه مالك عن نافع عن ابن عمر. يرويه مالك عن نافع عن ابن عمر، ثم يروي راو عن مالك ذلك الحديث، متفردًا بالرواية عنه، لم يتابعه غيره في الرواية عن مالك. هذا يسمى ماذا؟ تفرد نسبي. يعني بالنسبة للإمام مالك، ما روى عنه هذا الحديث إلا فلان. وربما روي الحديث من طرق أخرى، ورواه رواة آخرون. لكن من هذه الطريق، من طريق الإمام مالك، ما روى إلا فلان. هذا يسمى تفرد نسبي. واضح؟ هذا هو التفرد النسبي. طيب. قال «ويقل إطلاق الفردية عليه»، يعني على الفرد النسبي. يقل إطلاق لفظ الفردية عليه. «والغالب يقال له ما يقال له الغريب». يقال له غريب. قال «لأن الغريب والفرد مترادفان». مترادفان. والترادف هي الكلمات التي تختلف ألفاظها، وتتفق معانيها. يقال لها ألفاظ مترادفة. مثل مثلا القيام، أو الجلوس، والقعود. يقال: هذان لفظان مترادفان، بمعنى واحد، لكن ألفاظهما تختلف. فهكذا يقول: الغريب والفرد، هما مترادفان. قال «لغة واصطلاحًا، إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما، من حيث كثرة الاستعمال، وقلته». يعني أن أهل الحديث فرقوا بينهما في الاستعمال. فجعلوا أكثر ما يطلق الفرد على الفرد المطلق. وأكثر ما يطلق الغريب على الغريب النسبي. وإلا يجوز أن تقول للفرد المطلق: الغريب المطلق. وتقول للغريب النسبي: الفرد النسبي. لكن من حيث الأكثر استعمالًا، هو على هذا التفريق. المطلق يقال له الفرد المطلق، والنسبي يقال له الغريب النسبي. قال «فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي». قالوا: هذا من حيث إطلاق الاسم عليهما. وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق، فلا يفرقون. فيقولون في المطلق والنسبي: «تفرد به فلان»، أو «أغرب به فلان». نعم، يقول: من حيث استعمالهم الفعل المشتق، يعني من الغريب، والمطلق، وهو ذكر التفرد، تفرد، أو أغرب. ففي الاستعمال ما يفرقون. يقولون: «تفرد به فلان»، أو «أغرب به فلان»، سواء كان مطلقًا، أو نسبيًا. واضح؟ يعني توسعهم في باب الاستعمال اللغوي، في ذكر الاستعمال، اللفظين. قال «وقريب من هذا اختلافهم في المنقطع والمرسل، هل هما متغايران أو لا؟» فأكثر المحدثين على التغاير، وهو الصحيح، أن بينهما اختلاف وتفرق. فالمنقطع ما يكون فيه السقط في أثناء السند. والمرسل ما يكون السقط في آخر السند، من بعد التابعي. قال «لكنه عند إطلاق الاسم»، يعني اسم الانقطاع، أو الإرسال. قال «وأما لكنه عند إطلاق الاسم»، فأكثر المحدثين على التغاير. لكنه عند إطلاق الاسم، يعني يغيرون عند إطلاق الاسم. وأما عند الاستعمال، استعمال الفعل المشتق، فيستعملون الإرسال فقط. فيقولون: «أرسله فلان»، سواء كان ذلك مرسلًا، أو منقطعًا. يعني يتوسعون في باب الاستعمال، عند استعمال الفعل المشتق، أي من يعني مشتق من مصدرهما، وهو الإرسال، والانقطاع. فيفرقون بينهما عند إطلاق الاسم، اسم المرسل، واسم المنقطع. وعند الاستعمال، استعمال الفعل المشتق، فتوسعون. فربما أطلقوا المرسل على المنقطع. فيقولون: «أرسله فلان»، وإن كان منقطعًا، وإن كان الغالب عندنا في الحديث، أنهم يفرقون، حتى في استعمال الفعل المشتق. يعني يقولون: «هذا الحديث منقطع»، نعم، أو «سند فيه انقطاع». ولا ما يطلقون اسم الإرسال، في الغالب. ما يقولون: «أرسله فلان». ويتوسع في ذلك أهل الأصول. أهل الأصول يطلقون المرسل على كل يعني انقطاع، سواء كان معلقًا، أو منقطعًا، أو معضلًا. يسمونه مرسلًا. لكن الغالب أننا في الحديث، يفرقون. والله أعلم. قالوا: «من ثم أطلق غير واحد ممن لم يلاحظ مواضع استعماله»، على كثير من المحدثين، «أنهم لا يغيرون بين المرسل والمنقطع». يعني يقول: من ثم من جهة استعمال الإرسال. أطلق غير واحد ممن لم يلاحظ مواضع استعماله، يعني من حيث التفريق بين الوصف، وبين الفعل، بين مرسل، وبين أرسل. طيب. قال «على كثير من المحدثين الذين قالوا بالتغاير والتفريق، أنهم لا يغيرون بين المرسل والمنقطع». قال «وليس كذلك لما حررناه»، يعني من ذكر هذه القاعدة. «وقل من نبه على النكتة في ذلك». والله أعلم. نعم. والحافظ رحمه الله، يعتبر ما يقال: الفارس، هذا الميدان، ميدان الحديث. وله على ابن الصلاح، نكت وطرائف، وطوائف، أفردها في كتابه «النكت على ابن الصلاح»، فيها فوائد، ولطائف. طيب. إلى هنا. صلى الله عليه وسلم، عن نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. صلى الله عليه وسلم.