الدرس في أحاديث قيام الليل 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع معنى التهجد لغةً وشرعاً بأنه الصلاة بعد النوم، ويستعرض هدي النبي ﷺ في قيام الليل حيث كان ينام أوله ثم يقوم نصفه ويصلي. كما يشير إلى اجتهاده في العشر الأواخر من رمضان وبيان أن صلاة الليل كانت واجبة عليه ﷺ ومستحبة للأمة.
توضح الآيات أن صلاة الليل كانت واجبة على النبي ﷺ فقط بينما هي مستحبة للأمة، ويرد قول من أوجبها على الأمة بتأويله للحث. وتفسر عبارة "نافلة لك" بأنها إما نسخ للوجوب أو تعني التطوع لأن ذنوب النبي مغفورة، مع ذكر أسانيد الحديث عن ابن عباس.
يشرح المقطع حديث ابن عباس رضي الله عنهما في دعاء النبي ﷺ عند قيامه لصلاة التهجد، مبيناً ألفاظه وأنه يُعد من أدعية الاستفتاح. كما يناقش زيادة راوٍ ضعيف (عبد الكريم بن أبي المخارق) في الحديث، ويوضح الخلط بينه وبين الراوي الثقة عبد الكريم بن مالك الجزري.
يوضح المقطع أن عبارة «ولا حول ولا قوة إلا بالله» لم تثبت في الحديث النبوي، وأن ورودها جاء من طريق راوٍ ضعيف هو عبد الكريم بن أبي أمية. والصحيح أن هذه الزيادة غير ثابتة سواء قيلت من باب الذكر أو رويت بإسناد سفيان.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن شاء الله تعالى، كما ذكرنا، نقرأ في صحيح البخاري في باب التهجد بالليل، وفي بعض النسخ: كتاب التهجد. قال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله: «باب التهجد بالليل، وقوله عز وجل: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾». التهجد الذي ذكره العلماء: أنه العمل بعد نوم، فالعمل الذي يأتي بعد النوم في الليل يسمى تهجدًا، وهو السمر في العبادة والطاعة، كما قال علقمة: «التهجد: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾، التهجد: الصلاة بعد نوم، الصلاة بعد نوم». وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام من سنته أنه يصلي بعد أن ينام، وغالب صلاته على صلاة نبي الله داود: ينام أول الليل، ويقوم نصفه، ثم يصلي، وينام بعد ذلك سدسه، فكان هذا دأب النبي عليه الصلاة والسلام. وأحيانًا يغير، وغالب صلاته -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعد نوم، إلا ما جاء في العشر الأواخر من رمضان، فإن عائشة رضي الله عنها قالت: «إذا دخلت العشر شد مئزره، وأيقظ أهله، وأحيا ليله». وهذا محتمل أنه لا ينام، ومحتمل أنه ينام يسيرًا؛ لأن قوله: «أحيا ليله» ليس المراد أنه كله، وإنما غالبه، أحيا الليل غالبه. وليس المراد أيضًا أنه في صلاة، وإنما في طاعة وعبادة: إما صلاة، وإما ذكر، وإما قراءة قرآن، فهو يستغل الليل في طاعة الله جل وعلا. فسنة النبي عليه الصلاة والسلام غالبًا أنه يتهجد، أي يصلي بعد نوم، ولم يثبت عنه أنه كان يصلي قبل أن ينام، أي صلاة الليل، إلا أحيانًا جاء عنه أنه صلى أربعًا قبل أن ينام، ثم نام، ثم لما قام صلى خمسًا. لكن كان يوصي بعض أصحابه بأن لا يوتر قبل أن ينام، أبى أن يوتر، أقصد: قبل أن ينام. وقد قال -ما سيأتي إن شاء الله تعالى-: «من ظن أنه سيقوم فليجعل صلاته في آخر الليل، ومن ظن أنه لا يقوم فليصل ثم لينم». وقال: «واجعلوا آخر صلاتكم وترًا». وقوله جل وعلا: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾. اختلف المفسرون في قوله: «نافلة لك». ومعلوم أن صلاة الليل واجبة على النبي عليه الصلاة والسلام، لقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. فكان قيام الليل أيضًا... قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. فتبين من هذه الآيات أن صلاة الليل كانت على النبي عليه الصلاة والسلام واجبة، وهذا الذي دلت عليه الدلالة، وقال به جمهور العلماء. وشذ بعض السلف فقالوا بوجوبه على الأمة، بوجوب صلاة الليل على الأمة، مثل ما جاء عن محمد بن المنكدر رحمه الله أنه كان يقول: «لا بد من صلاة الليل، ولو كحلًا بشاة، ولو كحلًا بشاة». فحمله العلماء على أنه يرى الوجوب، وقد يحمل أيضًا على أنه أراد الحث، أراد الحث على قيام الليل، وأن الإنسان لا يفرط في قيام الليل، فقال: «لا بد من قيام الليل، ولو كحلًا بشاة، ولو بقدر أن تحتلب شاة، أو قال: كحل بناقة». فالصحيح أن صلاة الليل ليست واجبة، وإنما هي مستحبة على الأمة، لكن على النبي عليه الصلاة والسلام واجبة. فقال بعض العلماء: إن هذه الآية نسختها أيضًا، نسخت قيام الليل، فقال: «نافلة لك». وجاء عن ابن عباس أنه قال: «نافلة لك»: أي إتمام الصلاة وإكمالها وإبقاؤها، وليس المراد أصل الصلاة، فأصل الصلاة واجب على النبي عليه الصلاة والسلام. وجاء عن مجاهد أنه قال: «إنما قال الله عز وجل: نافلة لك؛ لأن الله عز وجل قد غفر ذنوب نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو بصلاة هذه كأنه يتنفل؛ لأن ذنوبه مغفورة، لأن ذنبه مغفور، فلذلك فهذه الصلاة لا تكون كفارة له، وإنما هي من باب التطوع والنفل، من باب العبادة والزيادة». وهذا كلام وجيه من مجاهد رحمه الله. والمهم أن «نافلة لك» على أنه طاعة لربك جل وعلا. قال: «حدثنا علي بن عبد الله» وهو ابن المديني، أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن المديني. «المديني» هنا ليس نسبة إلى المدينة، وإنما هي نسبة إلى المدائن، فعلي رضي الله عنه رحمه الله، أبوه كان من المدائن، المدائن هذه منطقة في العراق، ثم سكن بغداد، فهو بغدادي رحمه الله. قال: «حدثنا سفيان» وهو ابن عيينة، ومحمد الهلالي المكي أصله كوفي. قال: «حدثنا سليمان بن أبي مسلم». ورواه بعضهم عن أبي الزبير، بعضهم رواه عن سليمان بن أبي مسلم، وبعضهم رواه عن أبي الزبير كما رواه مالك بن أنس رضي الله عنه رحمه الله، فرواه مالك عن أبي الزبير عن عطاء، أو عن طاوس عن ابن عباس. والظاهر أن هذا الحديث جاء عن ابن عباس من عدة طرق: عن طاوس، وعن عطاء. قال: «حدثنا سليمان بن أبي مسلم عن طاوس» وهو ابن كيسان، اليماني، أنه سمع ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: «كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا قام من الليل يتهجد». إذا قام من الليل يتهجد، يعني: يصلي بعد نومه، قال: «اللهم لك الحمد، أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، لك ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السماوات والأرض، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق، والساعة حق». الساعة: بمعنى القيامة. «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، أو قال: لا إله غيرك». قال سفيان: «وزاد عبد الكريم أبو أمية: ولا حول ولا قوة إلا بالله». قال سفيان: «قال سليمان بن أبي مسلم: سمعه من طاوس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي عليه الصلاة والسلام». فهذا الحديث يخبر ابن عباس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا قام من الليل يأتي بهذا الدعاء. وأذكره كثير من أهل العلم على أنه دعاء استفتاح، على أنه دعاء استفتاح للصلاة، يعني: قرأه في أدعية الاستفتاح، إذا كبر أتى بهذا الدعاء، فكان يجعله في أول صلاة، استفتح به عليه الصلاة والسلام، استفتح بهذا الدعاء: «اللهم...» أو قال: «اللهم لك الحمد، أنت قيوم السماوات والأرض»، ثم ذكر في آخره أنه يقول: «لا إله إلا أنت، أو لا إله غيرك». أما الزيادة التي ذكرت في كلام أبي أمية، وهو عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ليس هنا، ذكره البخاري ليس من باب الاحتجاج، وإنما فقط من باب الحكاية، حكاية سفيان أنه كان إذا حدث عبد الكريم بن أبي أمية بهذا الحديث زاد: «ولا حول ولا قوة إلا بالله». وعبد الكريم بن أبي المخارق ضعيف جدًا في حفظه، وعنده شدة غفلة، فكان حفظه ضعيفًا، روى عنه مالك ثم تركه، قال: «أغرني سمته، أغرني جلوسه في المسجد»، ثم بعد ذلك ترك حديثه. ولم يخرج له البخاري ولا مسلم، وغلط من قال: إن البخاري ومسلم أخرجا له، وإنما أخرجا لعبد الكريم بن مالك الجزري، وعبد الكريم بن مالك الجزري ثقة ثبت. فالحديث ليس في هذه العبارة: «ولا حول ولا قوة إلا بالله»، لأن بعض من ألف في الأذكار فإنه يأتي بهذه العبارة في الحديث: «ولا حول ولا قوة إلا بالله»، والصحيح أنها لم تثبت، وإنما من طريق عبد الكريم بن أبي أمية، إما أنه يقولها من باب الذكر، وإما أنه يرويها بالإسناد الذي يذكره سفيان، والصحيح أن هذه الزيادة لا تصح. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.