كتاب التفسير من صحيح البخاري 3

كتاب التفسير من صحيح البخاري 3

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شعبة بن حجاج وأول من فتش في الرجال وعلم الجرح والتعديل

شعبة بن حجاج كان أول من فتش في أحوال الرواة بالبصرة بدقة، وتبعه تلاميذه مثل يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي. يعتبر العلماء النقد في الرواة نصيحة لله ولرسوله، وأن السكوت عنه يضيع حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

النقد في رواية الحديث: الصلاح لا يغني عن الضبط

صلاح الراوي وعبادته لا يكفيان لقبول روايته، بل لا بد من الضبط والمذاكرة، كما ظهر في حال يزيد الرقاشي وأبان بن أبي عياش. أصر شعبة بن الحجاج على بيان حال أبان رغم صلاحه قائلاً: «الأمر دين».

سند حديث صيام عاشوراء وفضله

يروي الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في صيام يوم عاشوراء، مبيناً مكانة سعيد وقصة قتله، وسبب صيام النبي اقتداءً بموسى، وتخيير الصحابة بعد فرض رمضان، مع فضل تكفير سنة ماضية.

ذكر حديث نجاة موسى وغرق فرعون في تفسير آية البحر

يتناول الحديث الوارد في تفسير آية ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ...﴾ نجاة موسى وقومه وغرق فرعون وجنوده، وقد ورد في مواضع متعددة واكتفى المؤلف بذكره هنا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله: باب ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ [يونس: 90]، ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 90]. ﴿قَالَ آَلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: 91-92]. قال: ننجيك، أي: نلقيك على نجوة من الأرض، وهو النشز: المكان المرتفع. قال: حدثني محمد بن بشار، الملقب ببندار، محمد بن بشار البصري. قال: حدثنا غندر، وهو محمد بن جعفر البغدادي، غبطر البغدادي، حافظ من أصحاب شعبة، لازم شعبة عشرين سنة، وكان شعبة زوج أمه، فمن غندر ربيب شعبة. قال: حدثنا شعبة. وكتاب غندر حكم لأصحاب شعبة، كتاب غندر يتحاكم إليه أصحاب شعبة، معنى: إذا اختلفوا في حديث، اختلفوا في لفظة، اختلفوا في كذا، تحاكموا إلى كتاب غندر، يتحاكموا إلى كتاب غندر، فهو حكم بين أصحاب شعبة، كما أن كتاب محمد بن خازم الضرير حكم لأصحاب الأعمش. قال: حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبة، وهو بن حجاج، أبو بسطام، أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش في الرجال بالعراق. ليس أول من سأل، فهناك من سأل عن الرجال قبل شعبة، وهو محمد بن سيرين، قال: «سموا رجالكم ولنسمي رجالنا، حتى نعرف أهل السنة فنأخذ منهم، ونعرف أهل البدع فندعهم». فابن سيرين هو أول من سأل عن الرجال، لكن أول من فتش في الرجال واهتم بهذا الباب هو شعبة بن حجاج رحمه الله. ثم تلاه تلاميذه، وأيضًا كذلك مالك بن أنس، لكن مالك بن أنس يترك الرجل أحيانًا ولا يتكلم، ولا يتكلم به، لكن شعبة يتكلم، يبين حاله، يبين حال هذا الراوي، فلذا يقال: إن أول من فتش في الرجال في البصرة هو شعبة بن حجاج، ثم تبعه تلاميذه: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أئمة الإسلام. وقد أجمع العلماء، كما حكاه غير واحد، على أن هذا نصيحة. وكما قال يحيى بن سعيد القطان لما قيل له: «لو جئت يوم القيامة وكان هؤلاء خصماؤك» -أي: هؤلاء الذين تتكلم فيهم- فقال: «لئن يكون هؤلاء خصمائي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». قال: «أن يكون هؤلاء خصومي يوم القيامة أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». يقول: «لما لم تنف الكذب عني، لما لم تنف الكذب عني». فلذا فهذا الباب باب نصيحة. وكما تكلم الإمام أحمد في رجل، وكان عنده أبو تراب، رجل من العباد، فقال: «لقد اغتبت يا شيخ». قال: «اسكت، لو لم نتكلم فمن ذا الذي يعرف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» أو كما قال. وقال له رجل من أصحابه: «يا أبا عبد الله، ليس هذا غيبة». قال: «لا، إذا لم أتكلم أنا ولم تتكلم أنت، فكيف يعرف الثقة من غيري؟» أو كما قال رحمه الله. بمعنى: كيف يعرف إذا لم يتكلم في الرجال، فكيف يعرف من هو الثقة الذي يؤخذ عنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن غير الثقة؟ يقول الإمام أبو الزناد، عبد الله بن ذكوان رحمه الله: «أدركت بالمدينة مائة رجل ممن يروي الحديث، لا يؤخذ عنهم الحديث، يقال: إنهم ليسوا من أهله». يقال: إنهم ليسوا من أهله. إن هناك الحديث له أهل، والمقصود بهم العباد: هم أناس صالحون، لكنهم ليسوا ممن يؤخذ عنهم الحديث، ليسوا ممن يؤخذ عنهم الحديث؛ لأنهم مشتغلون بالعبادة، وتركوا الحديث، فإذا حدثوا وهموا، وظهرت الأخطاء في أحاديثهم. ولهذا كان يقول: «يا يحيى بن سعيد، ما رأيت الصالحين أكذب في شيء منهم في الحديث». ما رأيت الصالحين أكذب منهم في شيء منهم في الحديث. أي: هم يتعمدون الكذب، حاشاهم، لكنهم انشغلوا بأشياء غير الحديث، والحديث يحتاج إلى مذاكرة، يحتاج إلى مراجعة، يحتاج إلى تعاهد. لكن تجد هؤلاء طلبوا العلم وهم في شبابهم، ثم ذهبوا إلى العبادة وتركوا العلم، ثم احتج إليهم بعد ذلك لما كانوا شيوخًا كبارًا، أدركوا أناسًا من أصحاب رسول الله وأدركوا كذا، فاحتاج الناس إليهم فسألوهم عن الحديث. وانظر إلى يزيد الرقاشي، وكذلك غير من كان في طبقته، فإنهم أدركوا... يزيد الرقاشي أدرك أنسًا وسمع منه الحديث، لكنه تعبد بعد ذلك وترك الحديث، ثم لما شاخ وصار من الصالحين ممن اشتهر بالصلاح، احتاج الناس إلى حديثه لأنه قد سمع من أنس. وكذلك أبان بن أبي عياش، أبان كان من الصالحين ممن اشتهر بالصلاح في البصرة، وكان قد سمع من أنس، وكان قد سمع من أنس، لكنه تعبد وترك الحديث، ثم احتج إليه. ولهذا اشتهر أبان بن أبي عياش بالعبادة والطاعة، حتى أن الناس حبوه، فكان بعض العلماء ينكر على شعبة كلامه في أبان بن أبي عياش، لأجل أن يخاف... كما قال سفيان: «أخاف على شعبة أن يسقط من أجل كلامه في أبان بن أبي عياش». ولهذا اجتمع بعض السلف: حماد بن زيد، وأيضًا كذلك سفيان الثوري، وجماعة من أهل البصرة والكوفة، وألزموا شعبة أن يسقط عن أبان بن أبي عياش لشهرته عند الناس بصلاحه، حتى لا يساء الظن بشعبة رحمه الله. فسكت فترة من الزمن، ثم أنه بعد ذلك رأى أن هذا أمر دين. فقال حماد بن زيد رحمه الله: «لقيني شعبة بعد ذلك في يوم، في يوم مطر، فقال: يا أبا إسماعيل، الكلام الذي قلت لكم في أبان بن أبي عياش، وأني أسكت، إني متراجع، والأمر دين، والأمر دين». فالمهم أن هذا الأمر قد أجمع العلماء عليه، وعلى أنه ليس من الغيبة في شيء، بل هو طاعة لله. ولهذا كان شعبة يقول: «تعالوا نغتاب في الله ساعة»، أو يقول: «تعالوا نغتاب في الله»، ويريد الكلام على الرواة. قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، وهو جعفر بن إياس بن أبي وحشية البصري رحمه الله. قال: عن سعيد بن جبير. أبو بشر ليس بصري، سعيد بن إياس بن أبي وحشية. قال: عن سعيد بن جبير، وهو أبو محمد، الوالبي، العسدي، وهو أصله كوفي، وجلس في مكة فترة يطلب العلم عند ابن عباس، وكذلك في الطائف، وهو من أخص تلاميذ ابن عباس، من أخص تلاميذ ابن عباس وأفقههم، أفقه أصحاب ابن عباس، وسعيد بن جبير أعلمهم وأوسعهم معرفة بكلام ابن عباس، غير عكرمة. وكان يقول سعيد... سعيد بن جبير لما سئل: من أعلم؟ قال: عكرمة. قال: «عليكم بعكرمة، فإنه أعلم بعلم ابن عباس؛ لأنه كان يلازمه». قال: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وقصة التي حصلت في قتل سعيد بن جبير، الذي قتله الحجاج، صحيحة، لكن القصة المشهورة التي رواها أبو محمد السمرقندي، القصة الطويلة المشهورة، هذه غير صحيحة، وهي من حكايات السمرقندي، وأنا حكاية موضوعه. لكن قتل سعيد قد صح أنه قتله الحجاج، ومات بعده بخمسة عشر يومًا. قال: عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو حبر الأمة وترجمان القرآن، رضي الله عنهما. قال: قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة، واليهود تصوم عاشوراء، فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «أنتم أحق بموسى منهم، فصوموا». فهذا الحديث فيه صيام يوم عاشوراء، وبداية أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصيام. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يصوم وهو في مكة، كما جاء في حديث عائشة، وحديث عبد الله بن عمر: كان يصوم عاشوراء وهو في مكة. ولما جاء إلى المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فلما سألهم عن ذلك، قالوا: هذا يوم نجى الله عز وجل فيه موسى عليه السلام. فقال عليه الصلاة والسلام: «نحن أحق بموسى، أحق بموسى منهم؛ لأنه نبي من أنبياء الله عز وجل، وهو على الإسلام، وأما هؤلاء اليهود فهم قد خرجوا من دين الله، خرجوا من الإسلام، فهم ليسوا أحق به، بل أهل الإسلام أحق به». فقال عليه الصلاة والسلام: «نحن أحق به»، أو: «نحن أحق بموسى منهم، فصوموا». فصام الصحابة رضي الله عنهم. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصيام عاشوراء، ما جاء في حديث سلمة بن الأكوع، وحديث ابن عباس، وغيرهم من الصحابة، الأمر بالصيام يوم عاشوراء، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم يرسل في القرى من ينادي في الناس: «أن اليوم عاشوراء، فمن أصبح صائمًا فليتم صومه، ومن أصبح مفطرًا فليمسك». ومن أصبح مفطرًا فليمسك، مفطرًا فليمسك. فدل على أنه أمر بالصيام في ذلك اليوم. وأيضًا في عاشوراء بعد ذلك، لما افترض، أو فرض الله عز وجل رمضان، خير النبي صلى الله عليه وسلم بين صيامه وعدمه. وجاء في حديث قتادة استحباب صيام عاشوراء، وأنه يكفر سنة ماضية. وذكر هذا الحديث في تفسير هذه الآية: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾، على أنه ذكر شيئًا من نجاة موسى وأصحابه، وغرق فرعون وأصحابه وجنوده، فلذا ذكر هذا الحديث. وإن لا، فقد ذكر هذا الحديث في عدة مواضع. فإن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.