الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر المقطع مثل الحياة الدنيا بالماء الذي ينزل من السماء ثم ييبس، مبيناً سرعة زوالها وتقلب أحوال أهلها. كما يوضح أن قدم الصدق عند الله هي شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم والأعمال الصالحة التي تتقدم المؤمن.
يشرح المقطع أن آيات الكتاب هي أعلام الهداية، وأن دعاء أهل الجنة يكون بالتسبيح. كما يبين رحمة الله بعباده حيث لا يعجل العقوبة رغم استعجالهم بالدعاء على أنفسهم غضباً.
يعرض المقطع أقوال المفسرين في أن الحسنى هي لا إله إلا الله أو الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم مستدلاً بحديث صهيب. ويختم ببيان أن الكبرياء في القرآن تعني الملك والسلطان في الأرض.
يختتم المتحدث عرض المعاني التي ذكرها الإمام البخاري في مقدمة سورة يونس. ويشير إلى أن الدرس القادم سيتناول الباب والحديث المذكورين بالتفصيل مع نسب الترجمة إلى نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «سورة يونس»، أي: ما جاء في تفسير بعض الآيات من سورة يونس. قال: «باب»، وقال ابن عباس: «فاختلط»، أي: فنبت بالماء من كل لون. ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾. قال ابن عباس: كما روى هذا الأثر ابن جرير الطبري عن ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: «اختلط، فنبت بالماء كل لون». لما اختلط الماء، اختلط هذا الماء بنبات الأرض، فطلعت الفواكه والخضروات، وكل مما يأكل الناس من الحنطة والشعير وسائر الحبوب وغيرها. وهذا مثال ضربه الله عز وجل للدنيا، وكيف أن الدنيا تأتي بألوانها وأشكالها عند الإنسان من المال، ومن العرَض، مما يكون في هذه الدنيا من الرفاهية. ثم إن هذه الدنيا تذهب عليه، إما تذهب بموته، وإما تذهب وهو لا يزال في الحياة، فيمسخها الله عز وجل عليه في فترة من الفترات؛ يكون غنيًا، يأتي عليه يومًا ويكون فقيرًا معدمًا لا شيء عنده. وقد ضرب الله عز وجل للدنيا قصتي أصحاب الجنة في سورة «ن»، فإنه حصل لهم مثل ذلك. وكذلك أيضًا صاحب الجنة، صاحب البستان في سورة «الكهف»، أيضًا مثالًا ضربه الله عز وجل لمن تمسك بالدنيا. وقد يبدل الله عز وجل العبد، فيأخذ عليه المال الذي معه ويذهب بماله، ابتلاءً من الله سبحانه وتعالى، مثل ما ابتلَى الله عز وجل أصحاب الجنة كما في سورة «ن». قال: «وقوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾». وهذه قال: «وقال زيد بن أسلم»، أنا لم يذكر في هذه الآية تفسيرًا، كأنّه أراد أن يذكر حديثًا أو شيئًا ثم لم يذكر شيئًا. قال: «وقال زيد بن أسلم: ﴿لَهُمْ قَدَمُ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾». قال محمد عليه الصلاة والسلام. وقال مجاهد: «خير». قدم صدق، أي: قدم خير. وكلام زيد بن أسلم رحمه الله، زيد بن أسلم العدوي: «لَهُمْ قَدَمُ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ»، أي: قال محمد: «قدم الصدق هو محمد عليه الصلاة والسلام». وهذه التفاسير ليس فيها تعارض، كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «إنما قدم صدق عند ربهم»، أي: أن محمدًا عليه الصلاة والسلام شفيع لهم، كما جاء عن الحسن وقتادة: «أنه يشفع لهم»، فهذا قدم صدق عند الله عز وجل لهم، أمر خير لهم عند الله، أن النبي عليه الصلاة والسلام يشفع لهم. وقال مجاهد: «خير»، أي: خير عند الله. وهذا الخير قد يكون هو هذا الذي ذكره زيد بن أسلم، رحمهم الله جميعًا. فأيضًا في الآية الأخرى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. قال أيضًا: «خير». وجاء عن مجاهد أنه قال: «صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم»، أن كله قدم صدق عند الله، شيء تقدمهم هو الأعمال الصالحة. وأيضًا قد يكون هذا الذي تقدمهم هو شفاعة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكلها عبارات صحيحة. قال: «وقال مجاهد: ﴿خَيْرٌ﴾». قال: «يقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾»، يعني: هذه أعلام القرآن. ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾، أي: أعلام، وأيضًا دلائل تدل على أن هذا من الله سبحانه وتعالى، والذي يجب على أهل... على الناس أن يوحدوه سبحانه وتعالى. فـ «آيات الكتاب»، أي: أعلامه سبحانه وتعالى، وأيضًا ما يدل به ويهدي به الناس إلى طريق الحق. قالوا: «قوله: ﴿دَعْوَاهُمْ﴾»، أي: دعاؤهم. ذكر الحافظ أن هذا قول أبي عبيدة. وقد ذكرنا من قبل أن الإمام البخاري رحمه الله يذكر أكثر تفاسير القرآن من تفسير أبي عبيدة معمر بن المثنى، معمر بن المثنى النحوي، ومعمر بن المثنى له كتاب «مجاز القرآن»، أي: معاني القرآن. وإن كان أبو عبيدة يميل إلى المعتزلة، بخلاف تلميذه أبي عبيد القاسم بن سلام، فهو من أهل السنة. لكن الإمام البخاري يختار المعاني، الإمام البخاري معروف رجل من علماء السنة وعلماء التوحيد والدعوة، وهو يعرف المعاني التي لا تكون صحيحة أو تخرش في الاعتقاد، وقد ردّ رحمه الله على المعتزلة في كتب، ومنها كتابه العظيم الذي ألفه في «خلق أفعال العباد»، وقد ردّ فيه على المعتزلة. قال: في معنى قول: «دعواهم فيها: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾»، أنا يقول: «دعواهم»، أي: دعاؤهم، إذا دعوا يقولون: «سبحانك اللهم». إذا أرادوا أن يدعوا الله عز وجل يقدمون فيها «اللهم»، فيستجيب الله عز وجل لهم. «دعواهم فيها سبحانك اللهم». قال: «قول: ﴿وَحِيقَ بِهِم﴾، دعوا الله». قال: «أحيط بهم»، أي: دنوا من الهلكة. «حاطت بهم خطيئته». قال: وهذا ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾، قال: أي: دنوا من الهلكة. قال: هو أبو عبيدة، كما قال الحاف... أنا قول: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُم مُّحِيطٌ بِهِمْ﴾، أي: أنهم ظنّ الهلاك. قال: «وقال مجاهد: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ﴾». قال: قول الإنسان لولده وماله إذا غضب: «فاللهم لا تبارك فيه، والعن». أنا هذا استعجال. ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾، أي: لأهلك من دُعي عليه، ولأماته. لكن من رحمة الله عز وجل أنه لا يستجيب لشخص، وإلا قد يدعو الشخص على نفسه وعلى ولده. وقد جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تدعوا على أنفسكم ولا على أولادكم، لعله يكون يلاقي ساعة استجابة فيستجاب لكم هذا الدعاء»، كما قال عليه الصلاة والسلام. لكن ربنا سبحانه وتعالى يعفو عن شيء كثير من ذلك. وهذا المراد من هذه الآية: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾، لا أهلكهم، لأهلكوا بذلك الدعاء الذي يدعوه الشخص على نفسه وعلى أولاده أو على ماله. بعض الناس مثلًا يقول: «لا بارك الله في هذا المال»، لكن إذا ذهب عليه تجده يتحسر. فمعنى الآية: لو يعجل الله لهم الاستجابة في ذلك كما يستجاب في الخير، لأهلكهم. أنا الله عز وجل يستجيب لهم في الخير، أما في الشر فلا يستجيب لهم سبحانه وتعالى؛ لأنه رحيم بهم. وجاء عن قتادة رضي الله عنه في هذه الآية أنه قال: «هو دعاء الإنسان على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له». لكن الإنسان عجول، تجده يدعو على نفسه، ويدعو على ماله، ويدعو على أولاده، وعلى ما عنده من الدواب. وقد ورد كما قلنا النهي عن ذلك، ما خرجه الإمام مسلم رحمه الله، وهو حديث جابر في صحيح مسلم، وهو حديث طويل، خرجه الإمام مسلم من طريق عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، أو الوليد بن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله. قال: «وقوله جل وعلا: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾»، أي: مثلها، حسنى. أنا وجاء في ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾، جاء عن عكرمة أنه قال: «لا إله إلا الله». وجاء عن غير أنه قال: «الحسنى هي الجنة، وزيادة النظر إلى وجه الله الكريم». وقد جاء هذا في حديث مرفوع، أخرجه الإمام مسلم رحمه الله من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن صهيب، أو عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب بن سنان، أنه قال: أنه ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا: أن لكم عند الله موعدًا، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، وتزحزحنا عن النار، وتدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم شيئًا هو أحبّ إليهم منه». ثم قرأ هذه الآية: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. وهذا الحديث قد ذكر العلماء أن الذي أسنده إلى صهيب هو حماد بن سلمة، وإلا قد رواه حماد بن زيد، وسليمان بن... وغيره وغيرهم، فقالوا: ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقال بعضهم: ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لكن حماد بن سلمة هو من أثبت الناس في ثابت، كما قال الإمام مسلم رحمه الله: «أجمع العلماء على أن حماد بن سلمة مقدم في ثابت على غيره». حماد بن سلمة مقدم في ثابت على غيره. وهذا الحديث قد حفظه عن ثابت بهذا الإسناد: عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب. وأما الذين أرسلوه فهم حفظوا بذلك، فلذلك فرواية... فرواية حماد بن سلمة رواية صحيحة. قد جاء أيضًا من طريق ابن حجرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «زيادة: النظر إلى وجه الرب»، لكنه في سنن... ضعف. وجاء عن حذيفة موقوفًا، وجاء أيضًا عن أبي بكر الصديق موقوفًا، وجاء عن جمع من الصحابة أن الزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم جل وعلا. قال: «قوله: ﴿الْكِبْرِيَاءُ الْمُلْكُ﴾». قوله: «الكبرياء الملك»، هذا ذكره كما قال الحافظ: عبد الرزاق وصله عن ابن... بن جريج، مجاهد، مجاهد بن جبر رضي الله... رحمه الله، قال: «الكبرياء الملك». وقال الفراء: ذكر هنا قوله: ﴿وَتَكُونَ لَكُمُ الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: الملك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا صَدَقَ صارت مقاليد أمته وملكهم إليه، فقال: ﴿وَلَكُمُ الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: أنهم يملكون هذه الأرض، ويكون الناس أتباعهم. فهذه بعض المعاني التي ذكرها الإمام البخاري في هذا، أو في بداية كلامه على سورة يونس. إن شاء الله في الدرس اللاحق نذكر الباب الذي ذكره، وذكر في الحديث، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر