كتاب التفسير من صحيح البخاري 8

كتاب التفسير من صحيح البخاري 8

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سلسلة رواة حديث البخاري: مسدد ويزيد بن زريع وسليمان التيمي وأبو عثمان النهدي

يستعرض المحور سلسلة السند في صحيح البخاري بدءاً من الإمام مسدد بن مسرهد مروراً بيزيد بن زريع وسليمان التيمي وصولاً إلى أبي عثمان النهدي. ويبين مراتب هؤلاء الرواة في الحفظ والعدالة وشروط الصحبة التي تؤهلهم لرواية الحديث النبوي.

قصة الصحابي الذي قبل امرأة وتوبته ونزول آية الحسنات يذهبن السيئات

يروي أبو عثمان النهدي عن ابن مسعود قصة صحابي قبل امرأة في خلاء ثم أسرع إلى النبي معترفاً بذنبه. فنزلت آية {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} وبيّن النبي أنها كفارة لمن عمل بها من أمته.

الصلاة كفارة للذنوب الصغائر وتفسير آية الحسنات يذهبن السيئات

يبيّن المحور أن الصلوات الخمس كفارة للذنوب الصغائر ما اجتنبت الكبائر مستدلاً بآية هود وحديث معاذ. ويقرر مذهب أهل السنة أن الحسنات تمحو السيئات ولا تمحو السيئات الحسنات إلا الشرك والكفر والنفاق.

تكفير الذنوب بالعبادات والفرق بين الصغائر والكبائر

توضح العبادات أنها تكفر الذنوب الصغيرة بينما الكبائر لا تكفر إلا بالتوبة النصوح. ويستثنى من ذلك الغزوات في سبيل الله والحج المبرور اللذين يكفران جميع السيئات كما رجح شيخ الإسلام ابن تيمية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ ﴾. قال: وزلفا: ساعات بعد ساعات، ومنه سميت المزدلفة: الزلف، منزلة بعد منزلة. وزلفا من الليل: أي ساعات من الليل، أو ساعات بعد ساعات. قال: وأما زلفا فمصدر من القربة، ازدلفوا: اجتمعوا، أزلفنا: أي جمعنا. قال رحمه الله: حدثنا مسدد، وهو مسدد بن مسرهد، أبو الحسن البصري، كان حافظا كبيرا. قال أحمد بن محمد العجلي رحمه الله صاحب كتاب الثقات: كان مسدد يملي علي حتى أضجر، فإذا ضجرت قال: يا أحمد، إن هذا الحديث لا يمل. وكما كان يقول رحمه الله، فيملي بعد ضجري ستين حديثا أو خمسين حديثا أو ستين حديثا، وهذا لشدة حفظه رحمه الله، حفظه الله. قال: ثم أتيته مرة أخرى، أي جاء إلى البصرة مرة أخرى، فرأيت الناس مزدحمين عليه، أي كان وحده، فكان يحدثه حتى يمل، حتى يضجر من كثرة الأحاديث، فجاء في وقت ووجده قد امتلأ عنده الناس وازدحموا عنده، فقال: قد أخذت حظي منه، أنا سليت نفسي بهذا لأنه لم يستطع أن يزاحم، فقال: قد أخذت حظي منه، أي قد أعطاني حديثا كثيرا. قال مسدد: حدثنا يزيد بن زريع، وهو أبو معاوية البصري رحمه الله، كان الإمام أحمد يسميه ريحانة البصرة، بل إن الإمام يحيى بن سعيد القطان فضله على ابن علية من أهل البصرة ومن حفاظها، وكذلك أيده أحمد بن حنبل رحمهم الله. ومعلوم أن ابن علية كان حافظا كبيرا، حتى لما كان أهل الكوفة يقولون: عندنا حفاظ، يقولون له: البصرة عندنا حفاظ مثل ما عندكم حفاظ، فهاتوا حفاظكم، وجنبوا ابن علية، كأنه حافظ كبير لا أحد مثله، لكن حكم هؤلاء الإمام يحيى بن سعيد القطان وتبعه أحمد وغيرهم على أن يزيد بن زريع أحفظ من ابن علية وأدخل منه. قال: حدثنا يزيد بن زريع وهو أوثق الناس في سعيد بن أبي عروبة، كان الإمام أحمد يقول: إذا جاءك الحديث من طريق يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة فلا تبالي ألا تسمعه من أحد غيره. وجاء مقيدا في التفسير: إذا سمعت قال أحمد رحمه الله: إذا سمعت التفسير من يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة فلا تبالي ألا تسمعه من غيره، على أنه ثقة، لو أخذت به فهو ثقة، وكلامه قل أن يخطئ فيه. قال: حدثنا سليمان التيمي، وهو سليمان بن طرخان التيمي، أبو المعتمر رحمه الله، كان من أهل السنة، شديد في السنة، وكان كذلك ثقة في الحديث، وإن تكلم بعضهم في بعض حفظه، وكان أيضا رحمه الله رجلا زاهدا. قال: عن أبي عثمان، وأبو عثمان هو النهدي، عبد الرحمن بن مل، ويقال ابن مل، وابن مل، أنا ثلاثي، عبد الرحمن بن مل، ويقال ابن مل، ويقال ابن مل، وهو كان من حضر الجاهلية، ولد في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، ولد في الجاهلية فهو من المخضرمين، ويقال أنه أسلم في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، أسلم في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه لم ير النبي عليه الصلاة والسلام، والصحابي لا يكون صحابيا حتى يرى النبي عليه الصلاة والسلام في حال إسلامه، لو رآه في حال كفره ثم أسلم فهو ليس بالصحابي، لكن لو رآه حال إسلامه، لو أسلم في حياة النبي عليه الصلاة والسلام لكنه لم يره أيضا ليس بالصحابي. إذن لأبي عثمان هذا النهدي أسلم في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولهذا قال العلماء: الصحيح أن مروان بن الحكم أنه ليس صحابيا، مروان بن الحكم صحيح أنه ليس من الصحابة، لماذا؟ لأنه لم ير النبي عليه الصلاة والسلام، ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكن كان بالطائف لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفى أباه إلى الطائف، فلهذا لم ير النبي عليه الصلاة والسلام فهو ليس صحابيا، لكنه تابعي ثقة كما قال ابن حبان. قال: عن أبي عثمان عن ابن مسعود رضي الله عنه، هو الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله عنه، كان حافظا من حفاظ الصحابة ومن مفتي الصحابة رضي الله عنهم، كان عمر يثني عليه جدا، بل النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: من أراد أن يسمع القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد، كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع قراءته. قال عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن رجلا أصاب من امرأة قبلة في خلاء، فأتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذكر ذلك له، فأنزلت عليه ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ ﴾. قال الرجل: ألي هذه؟ قال: لمن عمل بها من أمتي. فهذا الحديث فيه يحكي ابن مسعود هذه القصة التي حصلت في زمن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفيه أن هذا الرجل من الصحابة رضي الله عنه أصاب من امرأة قبلة، كما جاء في بعض الروايات أنها عجبته فلم يستطع أن يملك نفسه، لكن سرعان ما وجد مغبة ذلك في نفسه وقلبه، فأراد أن يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، وقال: اعمل فيما شئت، كما جاء في حديث معاذ في مسلم، قد تكون القصة واحدة وقد تكون مختلفة، أي قصة أخرى، لكن المؤدى واحد. فهذا أيضا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا يدل على سرعة توبة الصحابة رضي الله عنهم، كما وصفهم الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾، وكانوا يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذا حصل من الرجل خطأ فإنه يأتي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى يكفر عنه ذلك الخطأ، وهو يبحث عن كفارة لهذا الخطأ. فهذا الرجل الصحابي رضي الله عنه، ذكروا في بعض روايات من هذا الصحابي، لكن ليس المراد أن يذكر اسمه، وإنما المراد أخذ العبرة من هذه القصة، وأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا رجاعين، وإن حصل منهم الذنب لكنهم كانوا يرجعون بسرعة، يرجعون إلى الله جل وعلا، وهذا هو المؤمن الحق، فإنه كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وأتى بقوم يذنبون ثم يستغفرون الله»، وقال الله عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم»، فالخطأ وارد، لكن المؤمن إذا وقع في الخطأ يرجع إلى الله ويتوب وينوب إلى الله سبحانه وتعالى، فكانت قلوبهم حية رضي الله عنهم. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء في حديث معاذ قال: يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي، فقال له: أولا سكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال له: أصليت معنا؟ قال: نعم، قال: قد غفر الله لك. وفي هذه القصة أنه قال: فأنزلت عليه، أي هذه الآية: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ ﴾. طرفا نهار: قيل الصبح والمغرب، وقيل الصبح والعصر. معنى قيل أنها الصبح والمغرب: هذا طرفا نهار، وقيل أن ما هي الصبح والعصر وليس المغرب، فالمراد أنه أراد صلاة الفجر وصلاة العصر أو صلاة المغرب، والمراد إقامة الصلوات، فإنها كفارة للذنوب، وقد جاءت الأحاديث المتكاثرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الصلاة تكفر الذنوب، كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر. قال أيضا في قولي جل وعلا: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾، ومذهب أهل السنة على هذا: على أن الحسنات هي التي تذهب السيئات، وليس هناك سيئات تذهب الحسنات بالكلية. ليس هناك سيئات تذهب الحسنات بالكلية، وهذا من فضل الله عز وجل على الناس وعلى أهل الإسلام، أنه ليس هناك سيئات، أي سيئات غير الشرك والكفر، ليس هناك سيئات غير الشرك والكفر والنفاق، هذه الأشياء تخرج من الملة، أقصد السيئات غير هذا، هذه الأشياء فإنها ليس هناك سيئة تذهب الحسنات كلها، وهذا الذي عليه أكثر أهل السنة. وأما ما جاء في نفي بعض الأعمال وإحباطها فهذا يحمل على إحباط بعضها، أو ما يكون مناسبا لذلك الأمر، مثلا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من ترك صلاة العصر متعمدا فقد حبط عمله»، هذا إن حملناه على الكفر فكلام صحيح، وإن حملناها على غير الكفر، معنى أن الذي يترك الصلاة حتى تذهب جدواها غير كافر، فالمراد أنه يذهب الحسنات التي من الصلاة، حسنات الصلاة يذهبها، وليس كل الحسنات. وكذلك قال جل وعلا: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ ﴾، أنها ذكرى للذاكرين، يتذكر العبد أنه متى ما فعل المعصية فإنه يتوب إلى الله جل وعلا ويفعل الحسنة بعده، فإن الحسنة تمحو السيئة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر ومعاذ. قال الرجل: ألي هذه؟ قال: لمن عمل بها من أمتي، أي أنها آية عامة ليست خاصة بأحد. وجاء في رواية في حديث معاذ أنه قال عمر رضي الله عنه: بل لكلنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق عمر، فهي عامة للمسلمين جميعا، أنه من عمل ذنبا فتاب الله عز وجل عليه، أو فعل حسنة، إذا كان هذا على مذهب أهل السنة أيضا أو أكثرهم، إذا كانت هذه سيئة من الصغائر، فإنها تمحوها الحسنة بعدها من الصلاة والصيام والصدقة، كما قال في حديث حذيفة، كما قال عمر لما سأل عن الفتنة، قال حذيفة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في بعض الروايات يقول: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة»، فقال عمر رضي الله عنه: ليس عن هذا أسألك، إلى آخر الحديث. فوجدنا هنا أنه تبين أن هذه الذنوب الصغيرة تكفرها هذه العبادات، لكن الكبائر الصحيح أنها لا تكفر إلا بالتوبة، إلا بعض العبادات فإنها تكفر الذنوب جميعا، كהגזوات في سبيل الله، وكالحج المبرور، فإنها تكفر السيئات جميعا، كما اختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. إن شاء الله هذا ما يذكر، ونكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. شكرا للمشاهدة.