كتاب التفسير من صحيح البخاري 196

كتاب التفسير من صحيح البخاري 196

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 196، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم الحلف بغير الله وكفارة الحلف باللات والعزى

يستعرض المقطع حديث أبي هريرة الذي نهى فيه النبي ﷺ عن الحلف باللات والعزى، وأمر من حلف بهما أن يقول لا إله إلا الله. يبين أن الحلف بغير الله يعد شركاً، مستدلاً بأحاديث النهي عن الحلف بالآباء والأمانة والأنداد مع ذكر سياق الإسناد.

تفصيل أحكام الحلف بغير الله والفرق بين الشرك الأكبر والأصغر

يوضح المقطع أن الحلف بغير الله يكون شركاً أكبر إذا صاحبه تعظيم للمحلوف به كتعظيم الله، ويكون شركاً أصغر إذا كان عن عادة أو إكرام. كما يفرق بين المقامرة المحرمة التي تتحقق من طرفين وتتحمل الغنم والغرم، والسبق المشروع الجائز من طرف واحد في الخف والحافر والنصل.

أحكام المسابقة والمقامرة وقصة مراهنة أبي بكر الصديق

يبين المقطع جواز المسابقة في الخيل والرمي ونحوها مما يعين على الجهاد دون اشتراط المحلل، مستدلاً بحديث «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل». ويسرد قصة مراهنة أبي بكر للمشركين على انتصار الروم، ويذكر كفارة من قال لصاحبه تعال أقامرك.

خاتمة الدرس وتفويض العلم المطلق لله تعالى

يختتم المتحدث الدرس بذكر ما ورد في الحديث النبوي الشريف محل الشرح. ويختم كلامه بتفويض العلم المطلق لله تعالى وحده لا شريك له.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد. قلنا: إنه المسند الجعفي، ومشايخ البخاري ممن يسمى بعبد الله بن محمد أربعة: أبو بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن محمد بن أبي أسماء، وابن أبي الأسود. قال: أخبرنا هشام بن يوسف. أنا إذا رأيت هشامًا قبل معمر فهو هشام بن يوسف القاضي الصنعاني، فهو هشام الذي يروي عن معمر. وهشام الذي يروي عن عروة هو هشام بن عروة. وهشام الذي يروي عن قتادة ويحيى بن أبي كثير هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي. وكذلك هشام الذي يروي عن محمد بن سيرين وحفصة وأبناء سيرين جميعًا هو هشام بن حسان الكردوسي. فهؤلاء المشتهرون باسم هشام من الرواة، ويعرف بشيخه غالبًا. قال: أخبرنا معمر، هو ابن راشد. وقال الإمام محمد -رحمه الله-: ما قارنت أحدًا في طلب العلم بمعمر إلا رأيت معمرًا أطلب منه في العلم. كان حريصًا جدًا على طلب العلم، مع أنه كان يذهب للتجارة، كان يعمل لامرأة من أهل البصرة يبيع بزها. فكان إذا ذهب إلى بلاد، أول ما يفكر أنه يطلب العلم. فجمع بين العلم والتجارة، واستفاد كثيرًا، واستفاد علمًا عظيمًا. جاء إلى المدينة وهو صغير، في بداية ما عمل مع هذه المرأة، فوجد الزهري يحدث في المسجد النبوي، فأتى بجزئه وجلس معه، وسمع من الزهري. أول ما سمع من الزهري في المدينة. ثم أيضًا جاءه إلى الرصافة، والرصافة منطقة بالعراق تعتبر من الشام قديمًا، معنا على الحدود القديمة. فوجد الزهري أيضًا في الرصافة، وكان كلما ذهب إلى مكان سمع من مشايخه. لهذا أدرك ناسًا من الكبار من أصحاب البصرة، أدرك قتادة وغيره من المشايخ، وثابتًا أيضًا. قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من حلف فقال في حلفه: واللات والعزة، فليقل: لا إله إلا الله. ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك، فليتصدق». فهذا الباب كما ذكرنا، وهذا الحديث فيه عدة مسائل. المسألة الأولى: فيه أنه لا يجوز أن يحلف بغير الله -جل وعلا-، لا يجوز أن يحلف بغير الله. ومن حلف بغير الله فقد أشرك، كما جاء في الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد، حديث عبد الله بن عمر: «من حلف بغير الله فقد أشرك». وإن كان فيه شيء من الانقطاع، لكن قد جاء ما يشهد له من حديث سالم عن أبيه، أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «من حلف بغير الله»، فقال فيه قولًا شديدًا. أي: من حلف بغير الله فقد أشرك. وكذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من حلف بالأمانة فليس منا». وهو أيضًا حديث صحيح، أخرجه النسائي وغيره. من الأحاديث التي تدل على أن الحلف لا يجوز أن يحلف بغير الله. ومن ذلك أيضًا ما جاء في الصحيحين، حديث نافع عن ابن عمر، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أدرك عمر يحلف بأبيه، فقال: «لا تحلفوا بآبائكم، ولا بأمهاتكم، ولا بالأنداد. من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت». فدل هذا الحديث على عدم جواز الحلف بغير الله. وقد قال العلماء: إن من حلف بغير الله تعظيمًا لهذا المحلوف به كتعظيمه لله، فهذا يعتبر شركًا أكبر، مثل ما جاء في هذا الحديث، فإن الذي يحلف باللات والعزة إنما يعظمها كتعظيم الله. لهذا قال: «فليقل: لا إله إلا الله». حتى لو كان من باب الخطأ، وغالبًا أنه من باب الخطأ؛ لأن هؤلاء الصحابة -رضي الله عنهم- تعود بعضهم أن يحلف باللات والعزة، فلهذا أحيانًا يحلف على معتاد. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فليقل: لا إله إلا الله». كأنه يخرج منها بهذه الشهادة، وأنه قالها خطأ أو عن غير عمد. فدل هذا الحديث على أن من حلف بمُعظَم عنده، فإنه يعتبر من الشرك الأكبر. وأما إن كان ليس عن تعظيم، وإنما عن تعاهد أو نحو ذلك، أو عن إكرام لهذا المحلوف به، مثل من يحلف بأبيه، يحلف بأمه، يحلف مثلًا بالكعبة، بالنبي -عليه الصلاة والسلام-، وكل ذلك يعتبر من الشرك، لكنه من الشرك الأصغر إذا لم يكن عن تعظيم وإنما عن إكرام فقط. فهذا يعتبر شركًا أصغر. هذا الذي قاله العلماء في التفريق بين الحلف، أو بين الحلف متى يكون شركًا أصغر ومتى يكون شركًا أكبر. وليس هناك ضابط صحيح إلا ما ذكر: إن كان من هذا التعظيم، إن كان حلفه تعظيمًا للمحلوف به كتعظيم الله، فهذا يعتبر شركًا. مثل من يحلف بالأموات بالمقبورين، على أنه يعتقد أنهم أولياء ينفعون ويضرون، فالحلف بهم يعتبر شركًا أكبر. فقال: «من حلف فقال في حلفه: واللات والعزة، فليقل: لا إله إلا الله». أيضًا فيه مسألة: أنه إذا كان يعتقد شيئًا ثم تركه، وبقي هذا الشيء معلقًا في لسانه، فإنه لا يضره، لكن إن كان من الشرك فليقل: لا إله إلا الله. فقال: «من حلف فقال في حلفه: واللات والعزة، فليقل: لا إله إلا الله». أيضًا فيه: أنه إذا أراد أن يدخل الإسلام لا يشترط أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، لو قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، تكفيه. ومعناها: أنها تشهد كذلك، لا إله معبود بحق إلا الله، وهو نفي للألوهية من دون الله، وإثبات الألوهية لله -جل وعلا-. قال: «ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك، فليتصدق». هذه المقامرة سُميت مقامرة لأنها قمار يشبه القمار، فيقول: تقامرني على كذا. نحن عندنا يقولون: تخاطرني، فيقول: تقامرني على الفوز، أو على شيء من هذه المسابقات أو غيرها. فهذه المقامرة إذا كانت من الطرفين، أن هذا يدفع وهذا يدفع، والفائز يأخذ، فهذا مقامرة من القمار الذي لا يجوز؛ لأنه يحتمل الغنم والغرم. فلهذا فهو لا يجوز. وأما إن كانت هذه المقامرة من طرف واحد، فأكثر أهل العلم على جوازها إذا كانت من طرف واحد. فكثير من أهل العلم على جوازها، مثلًا يقول له: يلعب شيء من اللعب الذي قد يكون مثلًا فيه فائدة أو لا يكون فائدة، على القول بالجواز، فيقول له: إن غلبتني أعطيك كذا وكذا، إن غلبتني أعطيك كذا وكذا. فهذا أكثر العلم على أنه ليس من القمار؛ لأنه من جهة واحدة. وإنما القمار يكون من جهتين، يكون اللاعب فيها إما خاسرًا وإما مستفيدًا، يحتمل أنه يستفيد ويحتمل أنه يخسر، فهذا قمار. أما إذا كان من جهة واحدة فليس هناك احتمال إلا واحد: إما أنه يدفع أو لا يدفع، إما أنه يدفع أو لا يدفع، فهو لا يستفيد شيئًا، لا لا يكون في احتمال الغنم والغرم. واشترط بعض العلماء في المقامرة حتى في الأشياء التي يجوز المقامرة فيها، هناك أشياء أجاز بعض العلماء المقامرة فيها، مثل ما جاء في الحديث: «لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر». «لا سبق إلا في نصل» -نصل: معنى سهم-، أو خف، أو حافر. أي: إما في المسابقة بالرمي، أو بالخيل، أو بالإبل. فهذه المسابقة تجوز، ولو كانت عن طريق المقامرة، ولو كانت عن طريق المقامرة. وبعضهم منع من ذلك، ولو كانت هذه الأشياء أو ما يشبهها، إلا إن وجدوا، إن أدخلوا محللًا. إن أدخلوا محللًا بينهم، كيف المحلل؟ محلل: يكون ثالث يسابق معهم، مثلًا مسابقة خيل، دخل اثنان، وهذا قال: إن غلبتني أو إن سبقت، إن سبقتني أعطيك كذا، وإن سبقتك أو إن سبقتك تعطيني كذا. وهنا يقول: لا بد أن يدخل، أن يدخل معهما ثالثًا يحلل. فهذا الثالث لا يدفع شيئًا، وإنما إذا فاز أخذ المال، لكنه لا يدفع شيئًا في هذه المقامرة أو في هذه المسابقة، فهذا يسمونه محللًا. والصحيح أنه لا داعي لهذا المحلل؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أجاز المقامرة في هذه الأشياء التي هي لها فوائد في الجهاد في سبيل الله وغيره، مثل مسألة الرمي وغيره. فإذا كان مثلًا سيتراهنان اثنان على مال، يقول: رميت أو أتيت بالهدف أو أصبت الهدف، فأعطني كذا، وإن لم تصبه أعطيك كذا. فهذا الصحيح أنه جائز؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- أجازه: «لا سبق إلا في خف، أو حافر، أو نصل». وأما هذه المقامرة التي في الحديث، فهي مقامرة بالكلام، مثل ما حصل من أبي بكر مع مشركي قريش، لما أنزل الله -عز وجل-: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [الروم: 1-4]. فقال المشركون: كيف ينصر الله حول الروم، وقد غلبهم كسرى؟ أن المجوس غلبوا الروم وشردوهم. فقال هؤلاء أهل الشرك: كيف يغلبونهم؟ فقال أبو بكر: والله سيغلبون. قالوا: أتقامر؟ قال: نعم، أو أتراهن. أنا هنا مراد به المقامرة، الرهان أيضًا. فقال: نعم، أي أبو بكر. فقالوا: كم سنوات؟ قال: خمس. فأنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- على أبي بكر لما حدد لهم السنوات؛ لأن في الآية: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، والبضع من ثلاثة إلى تسع. فلما حدد لهم أبو بكر، حصلت أو لم تحصل هزيمة الفرس بعد خمس سنوات، وإنما حصلت بعد ست سنوات. بعد ست سنوات قام هرقل بخطة دمر فيها دولة الفرس، أو فاز عليهم. لما استولى كسرى على الشام، جاء إلى المكان الذي كان يستولي عليه الروم، فغلبهم فيها وشردهم. فلما كان قيصر، قيصر الروم، كان يهرب من كسرى، أوصل به الهروب إلى قرب فارس، إلى قرب فارس. فاستغل الموقف، وأن كسرى بن هرمز كان في الشام هو جيشه وقوات جيشه، فدخل عليهم، أي دخل على أهله في فارس، دخل فارس قيصر واستولى عليها، وجاء قوات، جاء الخبر إلى كسرى، فجن جنونه، وخرج من الشام. والمهم: أيدهم الله -عز وجل- وغلب عليهم النصارى، أو الروم، فهزمهم بعد ذلك قيصر، وفر بعد ذلك كسرى إلى فارس وجلس فيها، وذهب كل ما جناه من تلك الغزوة التي غزاها. فالمهم: أن أبا بكر -رضي الله عنه- راهن المشركين في هذه الآية، فهذا المراهنة أو المقامرة. ولهذا النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول هنا: «من قال لصاحبه: تعال أقامرك، فليتصدق». معنى: إذا قال الإنسان لصاحبه: تراهن على كذا وكذا، أو على أني سأفعل كذا وكذا، فهنا إذا قال: تراهن، أو قال: أقامرك، أو قال: أخاطره، فإنه كفارة هذا الكلام أن يتصدق. كفارة هذا الكلام أن يتصدق بأي شيء يتصدق، حتى ولو كان بشيء قليل، حتى بطعام، حتى بتمرة. فالمهم أنه يتصدق بشيء، يخرج من أو كفارة لهذه الكلمة. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.