الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع سبب جمع أبي بكر الصديق للقرآن خوفاً من ضياعه بموت القراء، ويبين أن هذا العمل مصلحة مرسلة لا بدعة، مستدلاً بقول النبي ﷺ بأخذ سنة الخلفاء الراشدين. كما يفرق بين المصلحة المرسلة والبدعة بضابط وجود المقتضى في عهد النبي ﷺ، مستشهداً بأقوال ابن تيمية والشاطبي، ومثال المولد النبوي كبدعة لوجود مقتضاه في عهد النبوة دون فعله.
يميز المقطع بين المصالح المرسلة المشروعة التي تطرأ لضرورة عامة دون تقصير من المسلمين — كتدوين الدواوين واستخدام الميكروفونات وجمع القرآن — والبدعة التي تحدث لتعويض تقصير في الدين. ثم يروي كيف خاف حذيفة بن اليمان من اختلاف القراءة في فتوح أرمينيا وأذربيجان، فاستشار عثمان بن عفان الذي أمر بنسخ مصحف موحد من صحف حفصة على يد لجنة برئاسة زيد بن ثابت وثلاثة من قريش.
أمر عثمان بن عفان رضي الله عنه بنسخ المصاحف على حرف قريش لحسم الخلاف في القراءات، وأمر بإحراق ما سواه منعاً للاختلاف، ورد الصحف إلى حفصة. ويوضح المقطع الفرق بين جمع أبي بكر الذي ضم جميع الآيات والقراءات السبع، وجمع عثمان الذي وحد المصحف على قراءة واحدة هي قراءة قريش، مع ذكر قصة فقدان آية من الأحزاب وعثورهم عليها عند خزيمة بن ثابت.
توضح الفقرة أن جميع القراءات المتداولة اليوم — سواء السبع أو العشر أو الأربعة عشر — ترجع في أصولها إلى قراءة مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو المرجع المعتمد للقراءات القرآنية.
بسم الله الرحمن الرحيم وقال: حدثنا موسى، وهو ابن إسماعيل، أبو سلمة التبوذكي، من قري، قال: حدثنا إبراهيم، وهو ابن سعد، إبراهيم بن سعد، إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، قال: حدثنا ابن شهاب، أن أنس بن مالك حدث، أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينيا وأذربيجان مع أهل العراق، أي: كانوا في الغزو، فرأى حذيفة أن القراء والحفاظ يموتون، قال: فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، هنا في القراءة اختلاف القراءة، وفي حديث أبي بكر أنه خاف أن يموت القراء، أن القتل... أن عمر جاء إلى أبي بكر، وقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، القراءة بمعنى الحفاظ، فخاف أبو بكر أن يذهب كثير من القرآن كما قال عمر، فانشرح صدر أبي بكر لكلام عمر، ثم شرح الله عز وجل صدر زيد بن ثابت، فجمع القرآن. وهل هذا الجمع يعتبر بدعة؟ قلنا: لا، أولاً: لأنه سنة سنها الصديق رضي الله عنه وعمر الفاروق، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ سنتهما. وأيضاً: أن فعلهما هذا من المصالح المرسلة، لماذا؟ لأن النقص... كما قلنا: ليس من المسلمين التقصير، ليس من المسلمين، فإذا كان التقصير ليس من المسلمين، فإذا أحدث شيئاً للمصلحة، فهذه مصلحة مرسلة، وليست بدعة، وليست بدعة. فتجد كثيراً من هؤلاء ما يفرقون بين المصالح المرسلة وبين البدع، فالمصلحة المرسلة إنما تحصل لأجل مصلحة للمسلمين، ولا يكون التقصير منها الإسلام، كأن الواقع يفرض عليهم هذا، مثل ما فعلوه هنا في جمع القرآن، لما خافوا أن القرآن يذهب، وآيات من بعدهم... من بعدهم قد ذهبت آيات عليهم، فأمر أبو بكر أن يجمع القرآن، فهذه مصلحة مرسلة لأجل أمور الإسلام، ولأجل أيضاً أن يبقى هذا القرآن، وهذا أيضاً مصداق قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾، فهي كما قلنا من المصالح المرسلة، لا من البدع. وبعضهم يقول: إن شئت سميتها مصلحة مرسلة، وإن شئت سميتها بدعة، وهذا كلام باطل، فهناك فرق بين المصلحة المرسلة والبدعة، فالمصلحة المرسلة يكون التقصير ليس من المسلمين، وأما البدعة فيكون التقصير من المسلمين، فيحدثون شيئاً لأجل تقصيرهم، يحدثون شيئاً لأجل تقصيرهم، في مثلاً... في هذا السبب الذي أحدثوه، وذكرنا قبل أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك كلام الشاطبي، يدل على أن: إن كان المقتضى موجوداً معنا في إحداث هذا الشيء، والمقتضى موجود في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا يكون بدعة. أنا مثلاً: المولد، المولد، كان المقتضى موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أنهم يجتمعون في يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، أو في ليلة الاثنين، أو كذا، ويأتون بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لم يفعلوا، فدل على أنه بدعة. وإذا كان المقتضى غير موجود في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، ينظر: فإن كان لتقصير من المسلمين، فلا يحدث حتى لا يكون بدعة، فإذا أحدث لأجل تقصير المسلمين، فيكون بدعة، وأما إذا أحدث ليس لأجل تقصير المسلمين، وإنما اقتضت المصلحة ذلك، فلا يكون بدعة. فلذلك مثلاً: هذه السنة التي سنها الخلفاء، مثل جمع القرآن، كذلك سن عمر الديوان، وعن سن الديوان الذي يكتب فيه الناس ومراتبهم ورواتبهم، فكل ذلك مما يكون من المصالح المرسلة التي لا يكون فيها التقصير من أهل الإسلام، وإنما الوضع الذي جعلهم يفعلون هذا. وأيضاً: إذا كان من الخلفاء، يكون كما قلنا سنة عن الخلفاء. طيب. وأيضاً: إذا كان التقصير ليس من المسلمين، كما قلنا، فإنه لا يكون مصلحة مرسلة، وليست بدعة، مثل: ذكرنا مثالاً، مثل هذه الميكروفونات التي ترفع صوت الأذان، كان قديماً بيوت الناس صغيرة غالباً، وأيضاً ليس هناك شيء مزعج يزعج الهواء والجو، أما الآن: تجد ضوضاء من السيارات، من كذا، فإذا أذن الإنسان مثلاً فوق بيت، أو فوق سطح، ما سيسمعه إلا من كان قريباً منه، ما سيسمعه إلا من كان قريباً منه، لكن كان قديماً يؤذن، أو يؤذن المؤذن على سطح المسجد، أو على منارة المسجد، فيسمعه كل من في المدينة أو القرية، يسمعه كل من في المدينة أو القرية، والآن الناس كثرت، وكما قلنا: صارت بيوتهم على خلاف ما كان في السابق، فلذلك ما يسمعون الأذان، لو أذن بدون ميكروفون ما سيسمع، فهذا الأمر حصل ليس تقصيراً من المسلمين، وإنما الوضع الذي هم فيه يعيشون، حصل، أو كان هذا الإحداث سببه هذا، فلذلك فهو من المصالح المرسلة، وليس من البدع. وأما مثلاً: إحداث شيء لأجل تقصير من المسلمين، فهذا كما ذكر شيخ الإسلام أنه يعتبر بدعة، وأكثر البدعة الإضافية مثل هذا، إما أن يكون مقتضاها موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنها تحدث لأجل تقصير من المسلمين، فيحدثون شيئاً من دين الله عز وجل، فيحصل مثل هذا. طيب، قال: قالوا: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، يعني: في خلافته رضي الله عنه، كان يغازي أهل الشام في فتح أرمينيا وأذربيجان مع أهل العراق، يعني: لما كانوا في فتح هذه المدن، بعد... بعد فارس، قال: فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. وهذا أيضاً أمر وقع عليهم، ليس أنهم تقصير منهم، لأن القراءات انتشرت، وكل واحد يقرأ بقراءة، فحصل بينهم اختلاف، بل هذا الاختلاف حصل أيضاً بين الصحابة رضي الله عنهم، فرأى عثمان، وهو خليفة الراشد، أنه يجمعهم على قراءة واحدة، وليس المراد بالقراءات هذه القراءات السبع والعشر، هذه تعتبر كلها قراءة من مصحف عثمان. قال: فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسل إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، لأنه تقدم معنا في الحديث الذي سبق، أن الصحف التي كتبها زيد بن ثابت كانت عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم كانت عند عمر حياته، ثم أعطاها لابنته حفصة، فلما أراد أن يجمع القرآن عثمان، أخذ هذه الصحف من حفصة، وردها إليها. قال: فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، كما قلنا: أن هؤلاء... يعني: زيد بن ثابت أنصاري، والبقية من المهاجرين من قريش، عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي، وسعيد بن العاص الأموي، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن أبي ربيعة المخزومي، فهؤلاء من أهل قريش الثلاثة، وزيد أنصاري. قال: فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم... وهؤلاء كلهم حفاظ، حفاظ قرآن، قال: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، وقد تكلمنا على هذه المسألة قبل. قال: حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. وهذا التحريق أجازه العلماء لفعل عثمان رضي الله عنه، وإنما حرق المصاحف الأخرى حتى لا يختلط عليهم القرآن، حتى لا يختلط عليهم القرآن. وأيضاً: كذلك كثر الناس في الكتابة، يكتبون القرآن، ويكتبون السنة، وهذا غالباً يحصل فيه الخلاف، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الأمر نهى عن كتابة السنة، ثم بعد ذلك أجاز. قال ابن شهاب: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، وخارجة يعتبر من فقهاء سبعة، قال: أنه سمع زيد بن ثابت قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، وهذه الرواية تابعة للرواية الأولى، أنا في... في عهد أبي بكر، قال: قد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها، فالتمسناها، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت، وفي الرواية التي سبقت: أن الآية التي لم يجدها زيد، ما أحد وجدها بعد ذلك، مع أبي خزيمة الأنصاري: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾، حتى خاتمتها، وهنا ذكر هذه الآية من المؤمنين، في سورة الأحزاب، قال: فألحقناها في سورتها في الصحف. طيب، فهذا الحديث فيه أيضاً كما قلنا: جمع القرآن على مصحف واحد، ليش الفرق بينما فعله أبو بكر، وبينما فعله عثمان؟ فأبو بكر جمع القرآن كله برواياته، وكذلك بقراءاته السبع، أي: التي أنزل عليها القرآن، أنزل القرآن على سبعة أحرف، فجمع هذه القراءات أبو بكر رضي الله تعالى عنه، أمر زيد بن ثابت أن يجمع كل القرآن، لأن القرآن كان مفرقاً، ليس هناك مصحف واحد، وإنما مفرق في أجزاء، منهم من معه أكثر الأجزاء، ومنهم من معه بعضها، ومنهم مع بعض الآيات، لكن كان أكثرهم يحفظونه عن ظهر قلب، فلذلك لما استحر القتل بالحفاظ، أمر أبو بكر، أو دخل عمر على أبي بكر، وقال: اجمع القرآن، وخشي أن القرآن ينسى، فجمع، فأمر الصديق رضي الله عنه زيد بن ثابت أن يجمع القرآن، أي: برواياته، وبكل ما أنزل من القرآن. ثم لما حصل الاختلاف لعهد عثمان في القراءات، ورأى حذيفة أن الاختلاف شديد، فقال لعثمان: أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فكتب عثمان على قراءة واحدة، أنا على قراءة قريش، على حرف قريش، كتب القرآن على حرف قريش، فلذلك: مصحف عثمان، فجمعه القرآن في عهد عثمان ليس كجمعه في عهد أبي بكر، ففي عهد أبي بكر جمع كل الآيات، وجعلها في مصحف واحد، وفي عهد أبي بكر الصحف موجودة، أو في عهد عثمان الصحف موجودة، حتى أنه كان في المسجد مكان في سارية يسمى مكان المصحف، كما جاء في حديث سلمة بن الأكوع، قال: كان يصلي عند السارية التي فيها المصحف، ثم أن عثمان رضي الله عنه كتب القرآن على قراءة، جمع فيها جميع الأحرف، وعند الاختلاف جعله على قراءة قريش، على قراءة قريش، فجعل مصحفاً واحداً، وهذه كما قلنا: القراءات الآن التي تقرأ، عن القراءة السبع، أو العشر، أو الأربعة عشر، هذه كلها على قراءة عثمان، على قراءة مصحف عثمان رضي الله تعالى عنه. طيب، هذا ما يذكر، والله تعالى أعلم.