الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع مكانة زيد بن ثابت ككاتب للنبي ودوره المحوري في جمع القرآن الكريم بأمر أبي بكر، مبيناً كيفية بحثه عن الآيتين الأخيرتين من سورة التوبة حتى وجدهما عند أبي خزيمة الأنصاري. ويوضح أن عدم وجودهما مكتوبتين عند غيرهما لا يدل على انفرادهما بالرواية بل لحفظ الصحابة وقلة الكتّاب آنذاك.
يناقش المقطع رواية إسرائيل بن يونس ومكانته بين الحفاظ، ثم يسرد حديث نزول آية الجهاد وسؤال ابن أم مكتوم الأعمى فنزلت الاستثناء لذوي الأعذار. ويؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يكتب، وإنما كان زيد بن ثابت يكتب الوحي.
يسرد المقطع تفاصيل مفاوضات صلح الحديبية حيث اعترض سهيل بن عمرو على صيغة البسملة ونسب الرسالة، فقبل النبي التعديل وأمر علياً بالمحو فامتنع ثم انقاد. ويناقش خطأ أبي الوليد الباجي في نسبة كتابة الصلح للنبي وتكفير بعض المغاربة له، مبيناً أن الكاتب كان علياً وأن مثل هذه الأخطاء لا توجب تكفيراً.
يحذر المقطع من تضخيم الأخطاء وافتعال التبريرات للطعن في الأشخاص، مؤكداً أن هذا السلوك لا يليق بأهل العلم ولا بمن يبتغون وجه الله. ويختتم بالشكر لله تعالى على توفيقه.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب كاتب النبي عليه الصلاة والسلام. كاتب النبي، وفي نسخة: كتاب النبي. ولم يذكر البخاري هنا إلا زيد بن ثابت من كتاب النبي عليه الصلاة والسلام. وزيد إنما أثبت أو أسلم بعد الهجرة، وقد كان هناك في مكة أيضا من يكتب للنبي عليه الصلاة والسلام، منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، يُقال إنه أول من كتب له بمكة. عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثم ارتد، ثم بعد ذلك أسلم في الفتح، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، لكن أجاره عثمان، وهو أخوه من أمه. وقد كان يكتب للنبي عليه الصلاة والسلام أيضا الوحي جماعة من الصحابة، منهم الخلفاء الأربعة، والزبير بن العوام، وخالد بن الوليد، وغيرهم من أهل مكة، وكذلك من الأنصار أبي بن كعب، وأيضا غيرهم ممن كان يكتب للنبي عليه الصلاة والسلام. لكن يُقال إن البخاري قد استوفى هذا في السيرة، قد ذكر بعض الأشياء في السيرة، فهنا أراد مثالا ممن كان يكتب للنبي عليه الصلاة والسلام، فذكر هذين الحديثين، وفيهما أن كاتب النبي عليه الصلاة والسلام كان زيد بن ثابت. قال: حدثنا يحيى بن بكير، ويحيى بن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري، قال: نُسب إلى جدة، وإنما هو يحيى بن عبد الله. قال: حدثنا الليث، وهو ابن سعد، أبو الحارث الفهمي المصري، إمام أهل مصر، وكان تاجرا، تاجر في العسل والزيت وغيرهما، ولم توجب له زكاة سنة من السنوات، لم توجب في ماله زكاة، مع أنه تاجر وكثير الأموال، من كثرة نفقاته، كان ينفق كثيرا. قال: حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب أن ابن السباق قال: إن زيد بن ثابت قال: أرسل إلي أبو بكر رضي الله عنه، فقال: «إنك كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فاتبع القرآن». فتتبعت حتى وجدت آخر سورة التوبة آيتين مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدهما مع أحد غيره: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ إلى آخر السورة. فهذا الحديث قد تقدم، وذكره البخاري رحمه الله عندما أرسل أبو بكر إلى زيد لأجل أن يجمع القرآن، فتتبع القرآن، أي تتبع الصحف التي عند الصحابة، فأخذها وكتبها. ولا شك أن زيد كان يحفظ القرآن، أنا من حفظة القرآن، فلذلك قال: فلم أجد آيتين من سورة التوبة، أنا لم يجدها، عرف أنها غير موجودة، ولم يجدها، أي لم يجدها مكتوبة عند أحد من الصحابة. قال: ثم وجدتها مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدهما مع أحد غيره. وليس معنى ذلك أنها جاءت عن طريقه فقط، لا، فهم يحفظونها، يحفظونها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لم يجدوها مكتوبة، لأن في زمن الصحابة الكُتّاب قليل، الذين يكتبون كانوا قليلا، أكثرهم يحفظون. قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، وهو العبسي، والبخاري أكثر عنه، خاصة روايته عن إسرائيل، فهو ممن كان يتقن الحديث، إسرائيل، وتكلم عليه الإمام أحمد بسبب تشيعه. قال: قال عن إسرائيل، وهو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، هو من حفاظ أهل الكوفة، إلا أنه غلط في أشياء. قال عن أبي إسحاق، واعتبره كثير من أهل العلم، اعتبر إسرائيل أوثق الناس في أبي إسحاق، حتى قدمه عبد الرحمن بن مهدي على شعبة وسفيان، إلا أن أكثر أهل العلم كأحمد وابن معين وغيرهما يقدمون سفيان وشعبة على إسرائيل وغيرهم، حتى قال أبو حاتم: سفيان أفضل من مئة من مثل إسرائيل، وزهير بن معاوية، وكذلك زائدة. أنا أذكر هؤلاء الثلاثة، قال: سفيان مثل مئة منهم. قال عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء، وأبو إسحاق قد سمع من البراء بن عازب، فلذلك البخاري يذكر حديثه، وأما مسلم فلم يروي من طريقة أبي إسحاق عن البراء، لكن البخاري أكثر عنه لأنه يرى أنه قد لقيه. قال: لما نزلت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله﴾، إنا قبل أن تنزل: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر﴾، فلما نزلت هذه الآية: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله﴾، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ادعوا لي زيدا، وليأتِ باللوح والدواة والكتف أو الكنف والدواة»، فيأتي بوسائل الكتابة حتى يكتب هذه الآية. ثم قال، أي قال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد: «اكتب: لا يستوي القاعدون». قال: وخلف ظهر النبي صلى الله عليه وسلم، وخلف ظهر النبي عليه الصلاة والسلام عمر بن أم مكتوم الأعمى. هنا سُمّي في الحديث عمر، وفي بعض الحديث يُسمى عبد الله، ولهذا اختلف العلماء في اسمه، هل هو عبد الله أو عمر؟ لكن أكثر الصحابة سمّوه عمر، ولعله يسمى بعمر ويسمى بعبد الله، وهو أسدي قرشي. قال: وخلف ظهر النبي عليه الصلاة والسلام عمر بن أم مكتوم الأعمى، فقال: يا رسول الله، فما تأمرني؟ فإني رجل ضرير البصر. فنزلت مكانها: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله غير أولي الضرر﴾، أن لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله. وظهر فيها خطأ حصل في الرواية، وإلا فقد جاءت رواية أخرى بتأخير غير أولي الضرر، بمعنى بعد قوله: لا يستوي القاعدون من المؤمنين، وهو أيضا من المتواتر في القرآن، لا يشك في هذا، لكن قد يكون يحصل بعض الخطأ من بعض الرواة فيرويه هكذا. فخلاصة هذا الحديث أن أراد يثبت الإمام البخاري أن هناك من كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فذكر زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه. أما النبي صلى الله عليه وسلم فما كان يكتب، لأنه عليه الصلاة والسلام أمّي، ومن قال أنه كتب فقد أخطأ في بعض روايات أو فهم بعض الروايات خطأ. فالنبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية لم يكتب، وما فهمه بعضهم أنه كتب، فقد يكون فهمه من ظاهر النص، وإلا كان الذي يكتب علي بن أبي طالب. ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله»، فقال سهيل بن عمرو: لو كنا نؤمن بأنك رسول الله ما قاتلناك، فقال: أو قال قبلها، لما قال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال سهيل: لا نعرف الرحمن الرحيم، لكن اكتب: بسمك اللهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: «امحها واكتب: بسمك اللهم». ولما قال: من هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال: لو كنا نؤمن بأنك رسول الله ما قاتلناك، بل اكتب: محمد بن عبد الله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لعلي: «امحها»، فقال: والله لا أمحها، أي علي رضي الله عنه، قال: والله لا أمحها. قال: فدلني عليها، فدله عليها، فمحاها النبي عليه الصلاة والسلام، ثم كتب، أي علي رضي الله عنه: محمد بن عبد الله. وبعض الفضلاء والعلماء الكبار، أبو الوليد الباجي رحمه الله، ذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام كتب، كتب في الحديبية، وقام عليه بعض المغاربة، وحتى أن بعضهم كفره، لأنه كأنه يقول أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كاتبا وليس أميا. وهذا الكلام غير صحيح، حتى لو حصل مثلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب، فتكون معجزة، كتب من معجزة له عليه الصلاة والسلام أنه كتب. لكن قد فهم أبو الوليد الباجي رحمه الله من الحديث أن الذي كتب هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الصحيح أن الذي كتب هو علي رضي الله تعالى عنه. فلذلك فمثل هذه الأمور لا يكفر بها الشخص، ولا يضلل، أو غير ذلك. لكن أحيانا يحضر الحسد وأمور أخرى، فتحضر في هذا الباب، وإلا قد يخطئ الإنسان، ويعلم من مجموع ما هو عليه من تعظيمه للنبي عليه الصلاة والسلام، وكذا. وقد يكون يخطئ في مثل هذا، مثل ما أخطأ وكيع بن الجراح رحمة الله عليه، لما روى ذاك الحديث الذي فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام بعدما مات نتن بطنه، رواه هكذا، وهو موجود معنا، لكنه مرسل، حديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا عن أحد من الصحابة، فظنه ثابتا فرواه في مكة، فأخذوا هذا الحديث وكفره بعض أهل مكة، وساروا به إلى الوالي حتى كاد أن يقتله. فلما سمع سفيان بن عيينة رحمة الله عليه سمع هذا الكلام، دخل على الوالي وقال: تدري من هذا؟ هذا إمام أهل الكوفة وعالمهم، وهذا بعد موت سفيان الثوري. فقال للوالي: هذا عالم أهل الكوفة، وكيع بن الجراح الرؤاسي. فقال: ولما جاء بهذا الحديث، قال: هذا حديث مشهور ومعروف. قال سفيان: ولم أكن قد سمعته، لكن يريد أن يخلص وكيعا من هذا، قال: هذا حديث مشهور، رواه الرجل على شهرته، معنى: وكيع رواه على شهرته، فعفى عنه، لكن بشرط أنه يخرج من مكة، فخرج رحمه الله. وهذا كما قلنا يحصل، كذلك حصل لابن أبي داود شيء من هذا، أبو بكر بن أبي داود صاحب السنن، صاحب الحائية، وغيره من العلماء. فقد يكون الحسد يكبر هذه المسائل، وتظهر على غير ما أراد الشخص، ما أراد الشخص. فتجد من مثلا يريد أن يذم هذا الشخص، يكبر المسألة، ويأتي بأشياء وتبريرات ولوازم غير لازمة له، لكنه يأتي بها لأجل أن يطعن في هذا الشخص. فمثل هذه الأمور لا ينبغي أن تكون بين أهل العلم، وبين من يريد وجه الله جل وعلا. فنكتفي بهذا، والله تعالى شكرا أبدا، شكرا جل وعلا.