الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 148، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يذكر المقال الأقوال الثلاثة في رؤية الله: قول أهل البدع برؤيته في الدنيا والآخرة، وقول الجهمية والمعتزلة بنفيها في الدارين، وقول أهل السنة والجماعة وهو الوسط بأن الله يرى في الآخرة ولا يرى في الدنيا. ويستدل على نفي الرؤية في الدنيا بحديث «لن تروا ربكم حتى تموتوا» وقصة موسى، وعلى ثبوتها في الآخرة بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.
يستعرض المقطع الأدلة اللغوية على أن الفعل (نظر) المعدى بـ (إلى) يقتضي الرؤية البصرية بالعين لا التفكر، ويرد تأويلات أهل البدع التي تصرفه إلى الانتظار أو نظر القلب. كما يستدل بقرينتين سياقيتين: ذكر (وجوه) الدال على وجود العينين الناظرتين، ووصفها بـ (ناضرة) نتيجة للنظر إلى الرب سبحانه.
يستعرض المقطع أدلة من القرآن الكريم على رؤية المؤمنين لله تعالى يوم القيامة، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ مفسراً الزيادة بالنظر إلى الرب، وبقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ دالاً على أن حجب الكفار يستلزم رؤية الأولياء. ويذكر أن الرؤية تكون في موطنين: في عرصات يوم القيامة وفي جنات النعيم.
يختتم المتحدث الدرس الحالي مؤجلاً تكملة الموضوع للدرس القادم، ويختم بقوله "والله تعالى أعلم"، مع الإشارة إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، فيقول الشيخ العلامة حافظ حكمي -رحمه الله تعالى- في كتابه "أعلام السنة المنشورة"، السؤال: مئة وثلاثة وثلاثون: ما الدليل على أن المؤمنين يرون ربهم تبارك وتعالى في الدار الآخرة؟ علماء العقيدة في مصنفاتهم قد يتناولون رؤية الرب سبحانه وتعالى في مباحث الصفات، وقد يذكرون ويتناولون هذه المسألة في مباحث اليوم الآخر، فيذكرون في كتاب في مباحث الصفات؛ لأن لها علاقة بصفات الله عز وجل، وهو النظر إلى ربنا سبحانه وتعالى، وأيضًا له تعلق بمباحث اليوم الآخر؛ لأن هذه الرؤية إنما تكون في يوم القيامة، في يوم القيامة. ولذلك الناس في هذه المسألة، مسألة رؤية الله عز وجل، طرفان ووسط. الطرف الأول: وهم القائلون إن الله يرى في الدنيا والآخرة، وهؤلاء قوم من أهل الخرافة والبدع، وقولهم لا شك أنه قول باطل، ترده الأدلة الشرعية كما سيأتي معنا. والطرف الثاني: وهم القائلون إن الله لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، وهؤلاء هم الجهمية والمعتزلة ومن نحا نحوهم من أهل البدع والأهواء. والقول الثالث، وهو القول الوسط، قول أهل السنة والجماعة: بأن الله سبحانه وتعالى يرى في الآخرة ولا يرى في الدنيا. لا يرى في الدنيا سبحانه وتعالى، ومما يدل على ذلك، وهو نفي رؤيته سبحانه وتعالى في الدنيا، قوله صلى الله عليه وسلم: «تعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا»، يعني وأنتم في هذه الدنيا لا ترون الله سبحانه وتعالى، وإنما ترونه بعد أن تموتوا، أي في الدار الآخرة. وفي كتاب الله عز وجل كذلك ما يدل على نفي رؤيته سبحانه وتعالى في الدنيا، لما سأل موسى ربه سبحانه وتعالى أن ينظر إليه، ماذا قال له ربنا سبحانه وتعالى؟ ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، أي في الدنيا لن تراني؛ فإن هذا الجسم لا يحتمل رؤية الله العظيم سبحانه وتعالى. فإذا كان هذا الجبل العظيم الذي هو غاية في القوة والغلظ والشدة مات واندك لما تجلى ربنا سبحانه وتعالى إليه، فكيف بابن آدم، هذا المخلوق الضعيف؟ وأما في الآخرة فستأتي الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة على رؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتعالى. قال: الجواب: قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. بدأ المؤلف رحمه الله تعالى كما هي عادته في بيان أدلة الكتاب أولاً. فمما يدل على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة هذه الآية: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ بالضاد، وهي من النظارة والبهاء، فالمؤمنون يوم القيامة لما يتمتعون به من النعيم ترى على وجوههم النظارة والحسن والبهاء. ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ بالضاد، أي من النظر. وهذه الآية من أقوى أدلة الكتاب، ومن أوضح أدلة الكتاب في إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، من عدة وجوه: الوجه الأول: من حيث اللغة، فالنظر عند أهل اللغة إذا عُدِّي بـ "إلى" فإنه لا يراد به إلا نظر العين. النظر إذا عُدِّي بحرف الجر "إلى" فإنه لا يراد به إلا نظر العين، أي الرؤية البصرية. تقول مثلاً: "انظر إلى هذا المسجد"، يعني نظر بالعين. وكما قال الله عز وجل: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾، أي بأعينكم. فالنظر إذا عُدِّي بـ "إلى" فلا يدل إلا على رؤية العين. وأما إذا عُدِّي بـ "في" فيراد به التفكر بالقلب. لأن أهل البدع يقولون: ماذا يردون باستدلال أهل السنة بهذه الآية؟ يقولون: النظر هنا بمعنى التفكر، بمعنى التفكر، وبمعنى كذلك نظر القلب، يعني تفكر القلب، وليس المراد به نظر العين. فهذا يرد عليهم أولاً باللغة كما تقدم، أن النظر هنا عُدِّي بـ "إلى": ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ولا يدل النظر على التفكر بالقلب إلا إذا عُدِّي بـ "في"، إلا إذا عُدِّي بحرف الجر "في"، كما قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، يعني يتفكرون ويتأملون بعقولهم وقلوبهم. تقول مثلاً: "تفكر في خلق هذا الإنسان"، ما تقول: "تفكر إلى خلق هذا الإنسان". لا، نعم، بمعنى... يعني أنظر ما فيه من الآيات، فتقول: "انظر إلى خلق هذا الإنسان"، يعني تفكر في خلق هذا الإنسان. فهذا مما يرد عليهم به أولاً. وأما إذا عُدِّي النظر بنفسه بدون حرف جر، فأحيانًا تكون بمعنى الانتظار. وأن من أهل البدع من يقول: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ يعني منتظرة، بمعنى الانتظار. وهذا أيضًا يرد عليهم بأن النظر لا يكون معناه معنى الانتظار إلا إذا عُدِّي بنفسه، أي بدون حرف الجر، كقول الله سبحانه وتعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾، هنا عُدِّي الفعل بنفسه، فهنا بمعنى الانتظار. هذا أولاً من حيث اللغة، يرد عليهم بهذا من حيث اللغة. ثم يرد عليهم كذلك، أو مما يدل على أن هذه الآية صريحة في إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وجود قرينتين في الآية تدل على ذلك: القرينة الأولى: في قوله ﴿وُجُوهٌ﴾، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، فلفظة "وجوه" تدل على أن العينين في الوجه، على أن العينين في الوجه، وبالتالي يكونان هما الناظرتين، هما الناظرتان. وبالتالي هذا ليس هو التفكر والتأمل، وإنما هو النظر، بدليل ذكر الوجه، بدليل ذكر الوجه. فالوجه... فالوجه موضع وجود العينين الناظرتين، فهذا يدل على أن المراد بذلك معنى النظر لا معنى التفكر. والقرينة الثانية التي تدل على أن الآية صريحة في ذلك: قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، فذكر نتيجة النظر. ما هو نتيجة النظر؟ نتيجة النظر: نظارة الوجه. نتيجة النظر: نظارة الوجه. فإن العينين إذا نظرت إلى ما يسرها استبشر الوجه، وكذلك أشرق وتلألأ الوجه، هذا أمر معلوم. فذكر هنا نتيجة النظر، نتيجة النظر وهو النظارة، وهو النظارة. فهذا يدل أيضًا على أن الآية صريحة في ذلك، وأن المراد بالنظر هنا نظر البصر، ليس التفكر، ليس التفكر. نعم. قال: وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. ومعنى الآية: للذين أحسنوا، أي من عباد الله المؤمنين المتقين المحسنين، يكرمون يوم القيامة بالحسنى، والحسنى هي الجنة، الحسنى هي ماذا؟ هي الجنة. وقوله: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾، فُسِّرَت الزيادة بالنظر إلى الرب سبحانه وتعالى. من الذي فسر هذا؟ الذي فسر هذا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما جاء في الأحاديث الصحيحة، في صحيح مسلم من حديث صهيب، أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الزيادة في هذه الآية بالنظر إلى الرب سبحانه وتعالى، إلى النظر إلى الرب سبحانه وتعالى. وهذه الآية لها آية، أو هذه الآية وردت بمعناها آية أخرى في سورة قاف، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾. فقد جاء أيضًا بإسناد صحيح عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أنه فسر المزيد برؤية الله سبحانه وتعالى. فهذه الآية أيضًا تذكر من آيات الاستدلال بهذه المسألة، وهي رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. وقال تعالى في الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. قال: فإذا حجب أعداءه لم يحجب أولياءه. وهذا الاستدلال استدل به الإمام مالك رحمه الله تعالى. فاستدل أهل السنة بهذه الآية على رؤية المؤمنين لربهم؛ لأن الكفار طالما أنهم يحجبون عن ربهم، وهذا من عذاب الله عز وجل لهم أنهم يحجبون عن رؤيته، فمن نعيم المؤمنين الذي يكرمهم الله عز وجل به أن يروا ربهم يوم القيامة. فالآية كذلك صريحة في رؤية المؤمنين لربهم: فإذا حجب أعداءه عن رؤيته، ولم يجعلهم يتمتعون برؤيته، فلم يحجب أولياءه، فجعلهم يتلذذون ويتنعمون برؤيته سبحانه وتعالى. هذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية. ورؤية الرب سبحانه وتعالى، رؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتعالى، هذا... هذه المسألة أو هذا الأمر يكون يوم القيامة في موطنين، يكون يوم القيامة في موطنين، وفي موضعين. فأهل السنة يعتقدون أن المؤمنين يرون ربهم في موضعين في الآخرة: الموضع الأول: كما تقدم معنا في عرصات يوم القيامة، كما جاء في الحديث: «إنكم تعرضون على ربكم». وأما الموضع الثاني: فهو في جنات النعيم، فأعظم نعيم يتنعم به أهل الجنة هو النظر إلى الرب سبحانه وتعالى، سبحانه وتعالى. ثم ذكر المؤلف أدلة رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة بأدلة السنة، بأدلة السنة، وانتهى الوقت. إن شاء الله نأخذ ذلك في الدرس القادم، إن شاء الله تعالى. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.