الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 146، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يقرر الشيخ حافظ حكمي عقيدة أهل السنة في بقاء الجنة والنار أبدياً رداً على المخالفين، مستدلاً بآيات صريحة كقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ و﴿عَطَاءٌ غَيْرُ مَجْذُوذٍ﴾ التي تؤكد خلود النعيم واستمراره دون انقطاع. ويبين أن نعيم الجنة دائم لا يفنى بخلاف ملذات الدنيا، مؤكداً خلود أهلها فيها وعدم موتهم.
يستدل النص بآيات قرآنية متعددة على أن النار باقية لا تفنى لأن أهلها لا يموتون فيها ولا يخرجون منها، والعذاب مستمر دائم. ويوضح أن الكفار والمجرمين يخلدون في النار أبداً، بينما عصاة الموحدين يعذبون ثم يخرجون منها، مما يؤكد اختصاص الخلود بأهل الكفر والشرك.
يوضح المقطع أن أهل النار لا يفنون ولا يموتون فيها استدلالاً بقوله تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾، لأن فنائهم سينهي العذاب بانتهاء المعذبين لكنهم يبقون في العذاب المستمر. ويشير إلى أن الأحاديث المتعلقة ستؤخذ في الدرس القادم لضيق الوقت.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين. وبعد، قال الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال: مئة واثنان وثلاثون: ما الدليل على بقائهما لا تفنيان أبداً؟ تقدم معنا أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار موجودتان الآن ومخلوقتان الآن، قد تقدم أدلة ذلك في السؤال الذي قبل هذا. وأيضاً من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار باقيتان لا تفنيان أبداً، وذكر المؤلف على ذلك أدلة كثيرة. قد يقول قائل: هذه أمور لربما تكون من المسلمات. نعم، هذا عند أهل الإسلام وعند أهل الحق، لكن للأسف هناك طوائف خالفت في مثل هذه الأصول، فأهل السنة والجماعة يقررون هذه العقيدة رداً على أولئك المبتدعة. فقد مر معنا في مسألة أن الجنة والنار ليست مخلوقتين الآن، وإنما يخلقهما الله عز وجل يوم القيامة، هذا قول كما مر معنا المعتزلة، وقد تقدم الرد عليه. وهذه المسألة أيضاً خالفت فيها طوائف من أهل البدع، فمنهم من قال بفناء الجنة والنار، وهؤلاء هم الجهمية. وذهبت طائفة أخرى من أهل البدع إلى فناء حركات أهل الجنة والنار، وهذا من الفلسفة. كيف حركات أهل الجنة والنار؟ بمعنى أن عمل أهل الجنة في الجنة ينتهي، وعمل أهل النار في النار ينتهي. معنى العمل: يعني ما يتنعم به أهل الجنة في الجنة، وما يتعذب به أهل النار في النار. وهذا كله باطل. ومنهم من ذهب إلى بقاء الجنة وفناء النار. هذه أقوال ينقلها أهل العلم، وهي تخالف نصوص الكتاب والسنة. وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموعة من كتبه الإجماع على هذه المسألة، وهي بقاء الجنة والنار، وأنهما لا تفنيان، وأنهما لا تفنيان. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى جواباً على هذا السؤال: أن الجنة لا تفنى، وكذلك النار لا تفنى. بدأ أولاً بأدلة بقاء الجنة، وقال: الجواب: قال الله تعالى في الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿فِيهَا عَطَاءٌ غَيْرُ مَجْذُوذٍ﴾، وقال تعالى: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، وغيرها من الآيات. فأخبر تعالى بأبديتها، أي الجنة، وأبدية حياة أهلها، وعدم انقطاعها عنهم، وعدم خروجهم منها. فهذه الأدلة صريحة واضحة بيّنة في بقاء الجنة إلى ما لا نهاية. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿فِيهَا خَالِدِينَ أَبَدًا﴾، والأبدية بمعنى الاستمرار وعدم الانتهاء، وهذا في آيات كثيرة جداً في القرآن، عندما يذكر نعيم الجنة وخلود الجنة يؤكد هذا الخلود بقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَبَدًا﴾. وهكذا قوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾، هذه الجنة إذن أهلها لا يخرجون منها، إذن هم فيها، وطالما أنهم لا يخرجون منها فهي باقية ببقائهم، وطالما أنهم باقون فيها لا يخرجون منها فإذن لا تفنى هذه الجنة. هذا دليل واضح. واستدل بقوله تعالى: ﴿عَطَاءٌ غَيْرُ مَجْذُوذٍ﴾، غير مجذوذ يعني غير مقطوع، فالعطاء غير المقطوع أي مستمر، أي لا ينتهي ولا يفنى، هذا العطاء وهو في الجنة، إذن الجنة لا تفنى. دليل واضح صريح. وهكذا قوله تعالى: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾، هذه الفاكهة لا تقطع عن أهلها. فالآن في الدنيا لربما من كان أغنى الناس في هذه الأرض ويستطيع أن يمتلك أي شيء يريده من نعيم هذه الدنيا يحرم من بعضها في بعض الأوقات، تقطع عنه لأن الفواكه في الدنيا لها مواسم، لها مواسم. فمثلاً لربما يأتي زمان لا يوجد مثلاً العنب، ما تجد ولا عنبة واحدة لأن هذا الوقت ليس موسمها. في وقت من الأوقات مثلاً لا تجد البطيخ، لا تجد كذلك المانجو. رجل مستطيع يشتري الحب المانجو بمليون، عنده أموال لكن لا يجدها، مقطوعة. أما الجنة فأي شيء يشتهيه ساكنها يناله في أي وقت وفي أي لحظة، فهي لا تقطع عن أهلها ولا تمنع عنهم. ما في ممنوع من النعيم في الجنة كما قال الله عز وجل: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾، أي شيء تشتهيه تناله في الجنة. إذن لا مقطوعة بمعنى دائمة الوجود، فإذن هي باقية مستمرة لا تفنى، هذا النعيم لا يفنى. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾، النفاد بالدال أي الانقطاع، ما له من انقطاع. ﴿وَإِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا﴾ أي في الجنة، ليس لهم انقطاع. هذا دليل أيضاً على بقاء الجنة ونعيمها. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ أي في الجنة، إلى قوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾، لا يموتون. إذن إذا كان لا يموتون فهم باقون فيها إلى أبد الآبدين، إذن هذه الجنة باقية ببقائهم، فإذن لا تفنى. هذه أدلة أيضاً صريحة. قال: وغيرها من الآيات، فأخبر تعالى بأبديتها، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وأبدية حياة أهلها في قوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾، وعدم انقطاعها عنهم: ﴿عَطَاءٌ غَيْرُ مَجْذُوذٍ﴾، ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾، ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾، عدم انقطاعها عنهم، وعدم خروجهم منها: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾. هذه كلها أدلة صريحة في خلودهم في الجنة، وأن الجنة لا تفنى. قال: وكذلك النار. قال تعالى: ﴿فِيهَا﴾، أي أن النار أيضاً لا تفنى، باقية. قال تعالى: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. مثل ما تقدم في أدلة أهل الجنة، كذلك في أمر النار أهلها. قال الله عز وجل: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ هذا وجه الشاهد. فحكم الله عز وجل على أبدية الكفار في النار، فهي باقية ما بقي الكفار فيها، وهم خالدين فيها أبداً، إذن النار لا تفنى. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. والعصيان في القرآن عصيانان: النوع الأول من العصيان عصيان أكبر، والنوع الثاني عصيان أصغر. فالعصيان الأكبر هو الكفر، هو الكفر، وهذا هو المراد به في هذه الآية لدلالة الآية عليه في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، أي مخلدون في النار لا يخرجون منها، وهذا هو حال الكفار. وأما النوع الثاني من أنواع العصيان فهو عصيان أصغر، وهي المعاصي دون الكفر. فمن زنى يقال له عاصٍ، لكن هذا العصيان ما يخلد صاحبه في النار كما هي عقيدة أهل السنة، وإنما إن شاء الله أن يؤاخذه لهذه الكبيرة وهذه المعصية، عذبه في النار بقدر معصيته ثم يكون مآله إلى الجنة. فإذن المراد هنا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي العصيان الأكبر وهو عصيان الكفر، فهو في النار خالداً فيها. فهذا دليل على بقاء النار وأنها لا تفنى. وقال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾، هذا في حق الكفار المشركين، فإنهم لا يخرجون من النار، هم يتمنون الخروج لكن لا يخرجون منها. فهذا دليل على بقاء النار، طالما أن أهلها الذين يعذبون بها لا يخرجون منها فهي باقية لا تفنى. وقال تعالى: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. ومعنى ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ يعني لا يخفف عنهم من العذاب، لا يخفف عنهم من العذاب. كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، لا يخفف عنهم. وقال سبحانه وتعالى كذلك: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾. فلا يخفف عنهم العذاب. طالما أنه لا يخفف عنهم العذاب، فإذا النار باقية لا تفتر ولا تخمد ولا تنتهي، بل هي مستمرة في الإحراق وفي تعذيب من فيها. فهذا دليل على بقائها. وأما قولهم: ﴿فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾، يعني هم في هذا العذاب ساكتون، سكوت اليأس. لأن الإبلاس: سكون اليأس. إنسان يأس من شدة الحزن والهم والغم فإنه يسكت ولا ينطق بشيء. فهذا أيضاً دليل، هذه الآية دليل على بقاء النار وأنها لا تنتهي ولا كذلك تفتر وتخمد، بل مستمرة في عذاب من فيها. وقال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾. فهم لا يموتون لأنهم إذا ماتوا لم يشعروا بعذاب النار، فإذا ماتوا خلاص انتهت النار. فقوله: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ أي أنهم أحياء في هذه النار والعياذ بالله، لا يموتون فيها، وبالتالي فيستريحون، ولا يحيون فيها حياة هانئة مستقرة، وإنما هم فيها في حياة العذاب والنكال والهم والغم. فهذه الحال دائمة بهم لا تنقطع عنهم، لا تنقطع عنهم. ولذلك يتمنون الموت، ونادوا: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾، ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾، يتمنون. هذه أمنية أهل النار، أمنية أهل النار أن يموتوا، أن يموتوا، لأنهم حال كونهم أحياء في النار يعيشون حياة العذاب والعياذ بالله. إذن هذا دليل على بقاء النار، إذ أن أهلها المعذبون بها لا يموتون بل يعذبون فيها. ولذلك قال: ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾، لا تفتر هذه النار ولا تخمد، بل مستمرة في عذاب أهلها. هذا دليل على بقائها، دليل على بقائها. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾. وهذا أيضاً دليل آخر، فأهل النار لا يموتون فيها ولا يحيون، لا يموتون فيستريحون من العذاب، ولا يحيون حياة هنيئة حياة مستقرة. فلذلك يتمنون الموت، لأن هذه الحياة التي يعيشونها في الحقيقة ليست بحياة، بل هي عذاب ونكال وهم وغم والعياذ بالله. والإجرام يقال فيه ما قيل في العصيان، فالإجرام إجرام أكبر وإجرام أصغر. فالإجرام الأكبر هو الكفر والشرك، وهو المراد به في هذه الآية، وهو المراد به في هذه الآية، والسياق يدل على ذلك في قوله: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾. وسيأتي معنا أن العصاة من أهل التوحيد الذين يدخلون النار فإنهم يموتون فيها ثم يخرجون منها كالفحم، ثم بعد ذلك يرشون بماء فينبتون كما ينبت حميل السيل، كما سيأتي معنا في الحديث. وأيضاً مما يدل على أن السياق المراد به الإجرام الأكبر أن قائل ذلك هم السحرة الذين آمنوا بالله، فقالوا لفرعون: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾، أي على ما كانوا عليه قبل الإيمان، وما كان عليه قبل الإيمان هو الإجرام الأكبر، هو الكفر بالله سبحانه وتعالى. وأما الإجرام الأصغر فهو ما دون الكفر والشرك كسائر المعاصي. قال: فأخبر تعالى في هذه الآيات وأمثالها أن أهل النار الذين هم أهلها، خلقت لهم وخلقوا لها، أنهم خالدون فيها أبداً. إذن فهي باقية لأن أهلها في العذاب أبداً. قال: فنفى خروجهم منها بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾، ونفى انقطاعها عنهم بقوله: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾، فلا يأتي زمن لا يعذبون فيها، بل العذاب مستمر. قال: ونفى فناءهم فيها بقوله: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾، لأنهم إذا فنوا، إذا انفنوا، انتهت النار بانتهاء من يعذب فيها، لكنهم لا يموتون فيها، فإذا هم مستمرون في العذاب. وذكر جملة من الأحاديث، لكن لانتهاء الوقت إن شاء الله تعالى نأخذها في الدرس القادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر