أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 144

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 144

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 144، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة: مباحث الإيمان بالجنة والنار وأصولها الأربعة

ينتقل المؤلف إلى البحث الثالث في اليوم الآخر متناولاً الجنة والنار، ويقرر أربعة أصول للإيمان بهما: وجودهما وخلقهما الآن، وبقاؤهما أبدياً، وكون الجنة دار جزاء للمؤمنين والنار دار عقاب للكافرين، والإيمان بتفاصيل النعيم والعذاب مع التنبيه على أن أعظم نعيم الجنة هو رضوان الله.

تفصيل نعيم الجنة وعذاب النار وطوائف الداخلين

يبيّن المقطع أن أعظم نعيم الجنة هو رؤية المؤمنين لربهم ومخاطبته إياهم فضلاً عن سائر الملذات، ويصف أصناف العذاب في النار وأدنى أهلها، كما يقسم الداخلين الجنة إلى طائفتين تدخلان مباشرة: المتقون الراجحة حسناتهم، والعصاة الموحدون الذين يعفو الله عنهم، بينما يدخل غيرهم بعد تطهيرهم في النار.

الأدلة الشرعية من القرآن والسنة وحديث عبادة بن الصامت

يستعرض المقطع أدلة من القرآن الكريم (سورة التحريم والبقرة) والسنة النبوية تثبت حقيقة الجنة والنار، ويبرز حديث عبادة بن الصامت الجامع للشهادتين والإيمان بعيسى ورد الغلو والجفاء، مع ربط دخول الجنة من أبوابها الثمانية بتحقيق هذه الأصول والأعمال الصالحة.

مناقب أبي بكر الصديق ودخوله أبواب الجنة الثمانية

يثبت النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق رضي الله عنه دخول الجنة من أبوابها الثمانية جميعاً لعظيم عمله وأدائه لأصول العبادات، مما يجعله مكرماً بهذا الشرف العظيم، ويختتم المتحدث الحديث عند هذا الحد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه «أعلام السنة المنشورة»: ما دليل الإيمان بالجنة والنار؟ انتقل المؤلف رحمه الله تعالى بعد الكلام عن مواقف القيامة إلى الأمر الأخير من مباحث الإيمان باليوم الآخر. وقد تقدم معنا في أول الكلام على الإيمان باليوم الآخر أن الإيمان باليوم الآخر يشمل أو يشتمل على ثلاثة موضوعات، يعود إليها كل ما تفرق من مسائل اليوم الآخر: المسألة الأولى مسائل البرزخ، وقد تقدم معنا تفاصيل ذلك ومسائله ومباحثه. والأمر الثاني: مواقف القيامة، وقد تم الانتهاء منها في الدرس الماضي مما يتعلق بأعرصات يوم القيامة وما يكون في ذلك من الشفاعة، ومن العرض، وأخذ الكتب بالأيمان أو بالشمائل، والميزان، والصراط، وغير ذلك مما تقدم. والأمر الثالث مما تضمنه الإيمان باليوم الآخر: الجنة والنار. وبدأ المؤلف رحمه الله في ذكر مباحث هذه المسألة. والإيمان باليوم الآخر يلخص في ثلاث مسائل، يلخص في ثلاث مسائل. يعني الإيمان بالجنة والنار يتضمن أربعة أمور، يتضمن أربعة أمور، الإيمان بالجنة والنار يتضمن أربعة أمور تدور عليها تفاصيل هذا الأمر: الأمر الأول: الإيمان بوجودهما وخلقهما، وليس أنهما تخلقان وتوجدان يوم القيامة، فهما أي الجنة والنار موجودتان الآن، قد خلقهما الله سبحانه وتعالى. هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: أنهما باقيتان أبداً لا تفنيان، لماذا؟ لأنهما داران خلقهما الله عز وجل للبقاء لا للفناء، فهما باقيتان وما فيهما أيضاً باق. هذا الأمر الثاني. الأمر الثالث مما يتضمنه الإيمان بالجنة والنار: الإيمان بأن الجنة هي الدار التي أعدها الله جزاء حسناً لأوليائه المؤمنين المتقين الطائعين، وأن النار هي الدار التي أعدها الله جزاء وعقاباً بأعدائه من الكافرين والمنافقين والفاجرين والفاسقين. قال الله عز وجل كما سيأتي من كلام المؤلف: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، وقال: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. وأيضاً قال في الجنة: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ إلى آخر الآية. هذا هو الأمر الثالث مما يتضمنه الإيمان بالجنة والنار. الأمر الرابع الذي تضمنه الإيمان بالجنة والنار: الإيمان بكل ما ورد في شأنهما من أصناف النعيم أو العذاب. فقد أخبر الله عز وجل في كتابه، وكذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في سنته، ما أعد الله عز وجل للمؤمنين في الجنة من النعيم المقيم، من الحور العين، من الأنهار والأشجار، من الظلال، وكذلك الثمار. وقد قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾، وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». فنؤمن بذلك، ونؤمن بأن أعظم نعيم يتنعم به المؤمنون في الجنة ثلاثة أمور: أعظم ما في الجنة ثلاثة أمور. الأمر الأول: حلول رضوان الله على أهل الجنة، فهذا من أعظم النعيم، فما قال الله عز وجل: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، فلا أكبر من هذا النعيم. الأمر الثاني الذي هو أعظم ما في الجنة: تمتع المؤمنين برؤية رب العالمين سبحانه وتعالى، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وهي الجنة، وزيادة. جاء في الزيادة أنها النظر إلى الرب سبحانه وتعالى، فهذا من أعظم النعيم. ثالثاً: من أعظم ما في الجنة من نعيم -أجعلني الله وإياكم من أهل الجنة- تمتعهم بمخاطبته وحديثه جل وعلا، فهو يكلمهم ويكلمونه سبحانه وتعالى، وهذا لشك أنه من أعظم النعيم. ثم يأتي بعد ذلك ما في الجنة من نعيم النظر، ونعيم الأكل، ونعيم النكاح، ونعيم كل ما يخطر على قلبك من نعيم، كما سمعت في الحديث: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». كل ما تتخيله من نعيم في الجنة، كل ما تتخيله وتتصوره من نعيم في الجنة، فهو أعظم مما تتخيل. تخيل ما شئت من نعيم، فما في الجنة أعظم، كما هو ظاهر نص هذا الحديث. هذا أيضاً مما يدخل في الإيمان بالجنة. وأما النار فنؤمن بأن الله سبحانه وتعالى أعدها للكافرين، وجعل فيها من أصناف العذاب والجحيم، فأدنى أهل النار عذاباً رجل تحت قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه. إذا كان هذا أقل من يعذب في النار، فكيف بمن هو أشد وأعظم؟ ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، وكلما خمدت التهبت عليهم مرة أخرى، ينادون يريدون الخلاص: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾، فيجابون بقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾. فيها من شجرة الزقوم التي هي طعام الأثيم، فيها الغسلين، وفيها كذلك عصارة أهل النار، والعياذ بالله، وفيها كذلك من الوقود العظيمة، وقود النار ليس الحطب والشجر، وإنما هي الأحجار: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. كم وصف لنا ربنا سبحانه وتعالى من أصناف العذاب والعقاب لأهل النار، والعياذ بالله، كل ذلك حتى نحذر من هذه النار ونبتعد عن كل سبب يؤدي ويوصل إليها. وهناك تلك مسألة، وهي: هناك طائفتان تدخلان الجنة ابتداء من المؤمنين، فلا يعذبون في النار، وإنما يدخلون الجنة دون سابق عذاب. وهاتان الطائفتان هما: المتقون الذين ترجحت حسناتهم على سيئاتهم، ترجحت حسناتهم على سيئاتهم، فهؤلاء يدخلون الجنة ابتداء، جعلني الله وإياكم منهم. والطائفة الثانية: هم العصاة الموحدون، ولكن عندهم كبائر وموبقات، لكن الله عز وجل شاء أن يعفو عنهم، فلم يدخلهم النار، وإنما عفا عنهم فأدخلهم ابتداء الجنة. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ما دون الشرك، فطالما أنهم لقوا الله عز وجل بالتوحيد، وإن كان عندهم من المعاصي، فقد يشملهم عفو الله عز وجل فيعفو عنهم فيدخلون الجنة ابتداء. وأما الذين يدخلون الجنة مآلاً انتهاء بعد أن ينقوا ويمحصوا في النار، فهم عصاة الموحدين، أهل الكبائر، الذين لم يشأ الله أن يعفو عنهم. هذه أيضاً من المسائل التي تذكر في هذا الباب. ثم ذكر المؤلف آيتين مما يدل على الإيمان بالجنة والنار، وإلا فهناك آيات كثيرة، ولكن أراد المؤلف الاختصار، أراد الاختصار فاقتصر على هاتين الآيتين. قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. وقال في سورة التحريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ثم بين مآل أهل الإيمان والعمل الصالح، فقال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ إلى آخر الآية في سورة البقرة. ولذلك قال: وغيرها ما لا يحصى، أي من الأدلة التي ذكرت فيها الجنة والنار، وإنما أشار إلى دليل منها. وكما تقدم من عادة المؤلف أن يفرد سؤالاً للدليل من القرآن، ثم يفرد سؤالاً من الدليل من السنة، لكن في هذا السؤال على خلاف ما جرى عليه، أجمل دليلي الكتاب والسنة في هذا السؤال. فقال: وقال: وفي الصحيح، يعني من أدلة السنة، من أدلة السنة على الإيمان بالجنة والنار، قال: وفي الصحيح من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل: «ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، والساعة حق». والحديث في الصحيحين من حديث ابن عباس، والشاهد منه قوله صلى الله عليه وسلم: «والجنة حق لا مرية فيه، والنار كذلك». وأيضاً استدل بما جاء أيضاً في الصحيحين عن عبادة بن الصامت: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل». أخرجه. فهذا الحديث اشتمل على أصول كثيرة من أصول الإيمان: منها الشهادتان: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله». وأيضاً منها الإيمان بنبي الله عيسى، وعيسى خلافاً لمن غلا فيه فجعله إلهاً، وهو عبد فلا يعبد، ورسول فلا يكذب. فهو هذا الحديث فيه رد على أصحاب الإفراط والتفريط: الإفراط النصارى الذين ألهوه وجعلوه إلهاً مع الله، والتفريط اليهود الذين جعلوه ولد زنا واتهموه بالفحشاء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأن عيسى عبد الله» فلا يعبد، فيه رد على النصارى، «ورسوله» فلا يكذب، ففيه رد على اليهود. وإنما هو كلمة الله، أي خلق بقول الله عز وجل: كن فكان، عليه السلام، «وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه». ثم قال: «والجنة حق، والنار حق». إذن هذه من أصول الإيمان: أن تؤمن بأن الجنة حق، وأن الله أعدها للمؤمنين المتقين، وأن النار حق، وأن الله عز وجل أعدها للكافرين. فقال: «أدخله الله»... فقال: «أدخله الله الجنة على حسب ما كان من العمل» لتحقيقه بهذه الأصول العظيمة من أصول الإيمان. قالوا: في رواية: «من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء»، يعني من أي تلك الأبواب، لأنه أتى بهذه الأعمال الجليلة. وأما حديث: «أن من كان من أهل الصلاة دخل من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دخل من باب الصيام، ومن كان من أهل الجهاد دخل من باب الجهاد»، فهذا فيمن اختص، أو فيمن كان أكثر عمله هذه الأعمال، فهو يدخل منها. أما من كانت أعماله أعظم من ذلك، فإنه يقال له: ادخل من أبواب الجنة الثمانية، من أيها شئت. مثل أبي بكر الصديق، فقد أثبت له النبي صلى الله عليه وسلم أنه يدخل من أبواب الجنة الثمانية، نعم، لعظيم عمله، ولاتيانِه بأصول العبادات، فأكرم بأن يدخل من هذه الأبواب جميعاً. فنكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.