أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 142

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 142

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 142، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

إثبات الحوض من القرآن واختلاف العلماء في ترتيبه

يستدل المؤلف بآية الكوثر على إثبات الحوض ويذكر أنه مجمع ماء عظيم يكرم به النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يعرض أربعة أقوال في موضع الحوض بالنسبة للصراط. ويناقش قول الشيخ صالح السندي بأن الحوض قبل الصراط مستدلاً بحديث اختلاج طائفة، مع نقد الاستدلال بآية الكوثر لأن الكوثر نهر في الجنة بينما الحوض في عرصات القيامة.

الفرق بين نهر الكوثر وحوض النبي صلى الله عليه وسلم

يبيّن المقطع أن الكوثر نهر في الجنة والحوض ماء مجتمع قبل دخول الجنة، ويستدل بالفرق اللغوي بين النهر الجاري والحوض الراكد، وبالأحاديث التي تفيد أن الكوثر يمد الحوض بمائه مما يثبت اتصالهما مع اختلافهما. ويخلص إلى أن الحوض من وقائع يوم القيامة التي لم تُذكر في القرآن على قول من يفرق بينهما.

انتقاد استدلال المؤلف بآية الكوثر على الحوض

ينتقد المؤلف لخلطه بين الحوض والكوثر، موضحاً أنهما واقعتان مختلفتان يوم القيامة لم تُذكرا في القرآن بل في السنة، وأن أحاديث الحوض بلغت حد التواتر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال: مئة وسبعة وعشرون. ما دليل الحوض من الكتاب؟ الجواب: قال الله عز وجل لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾ [الكوثر: 1] السورة. الحوض من المسائل التي تقع في ذلك اليوم، يوم القيامة. والحوض في اللغة هو مجمع الماء، أي المكان الذي يجتمع فيه الماء، يقال له حوض. والمراد به هاهنا هو مجمع ماءٍ عظيم يضعه الله عز وجل يوم القيامة، وهو من أوجه إكرام نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فيشرب منه المؤمنون. وبالنسبة لترتيب هذا الحوض، هل هو قبل الصراط أو بعد الصراط؟ مسألة خلافية بين أهل العلم، ذكروا فيها أربعة أقوال: منهم من ذهب إلى أن الحوض قبل الصراط، يكون في عرصات يوم القيامة عندما يضمأ الناس ويشتد بهم العطش، فهم بحاجة إلى ما يسكن عطشهم، فيكرم الله عز وجل نبيه بهذا الحوض، ويشرب منه أتباعه من المؤمنين. ومنهم من قال: إن الحوض يكون بعد الصراط، بعد أن يمر المؤمنون على الصراط. ومنهم من قال: إن الحوض حوضان، حوض قبل الصراط وحوض بعد الصراط، فيكون الذي قبل الصراط في عرصات يوم القيامة، ويكون الذي بعد الصراط بعد تجاوز المؤمنين له. ومنهم من ذهب - ومن هؤلاء المؤلف حافظ حكمي رحمه الله في كتابه "معارج القبول" - إلى أن الحوض متسع، هو واحد لكنه متسع، بمعنى أن وقته يكون قبل الصراط ويمتد إلى بعد الصراط. والشيخ صالح السندي في شرحه على هذا الكتاب يذهب إلى القول الأول، أن الحوض إنما يكون قبل المرور على الصراط، واستدل بما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بينا أنا على حوضي، بينا أنا على حوضي، إذ بطائفة من أمتي، حتى إذا عرفتهم اختلج بيني وبينهم" - يعني حيل بينه وبينهم - "فغابوا، فغابوا عن أعينه عليه الصلاة والسلام، قال: فأقول: أمتي، أمتي، فيقال لهم: هلُمّ إلى النار، يقال لهؤلاء الذين اختلجوا: هلُمّ إلى النار، قال: فأقول: أمتي، أمتي، فيقال: إنهم قد بدّلوا بعدك". وهذا لا يمكن أن يكون إلا قبل الصراط، كونه يؤمر بهم إلى النار، وهذا لا يتأتى مع ما ورد من أدلة أخرى إلا أن يكون قبل الصراط، لأن من تجاوز الصراط لا يمكن أن يكون من أهل النار، كما مر معنا: من مر على الصراط نجا. وهذا القول إنما يقال: لا شك قبل الصراط، فذكر الحوض مع الأمر بهؤلاء إلى النار، هذا دليل على أن الحوض يكون قبل المرور على الصراط. وعلى كل حال، هذه مسألة الترتيب في الغالب مسألة اجتهادية، والأمر فيها إن شاء الله يسير، وإنما العلماء يجتهدون فيها بحسب ما ورد لديهم من أدلة. واستدل المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الآية التي هي في أول سورة الكوثر: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾. وهذا الاستدلال انتقده بعض أهل العلم على المؤلف، وقالوا فيه نظر، لأن الكوثر غير الحوض عند كثير من أهل العلم، أن الكوثر هو غير الحوض، فالحوض شيء والكوثر شيء آخر. وذكر وذكروا لذلك عدة وجوه: الوجه الأول: أن الحوض يكون في عرصات القيامة، للحديث المتقدم: "بينا أنا على حوضي، إذ بطائفة من أمتي"، إذن هذا دليل على أن الحوض يكون في عرصات القيامة. وأما الكوثر فقد دلت الأدلة من السنة أنه في الجنة، أنه في الجنة، كما جاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "أُتيت على نهر في... أو أتيت على نهر حافتيه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا الكوثر". وهذا في الجنة. وقد جاء لفظ صريح عند الترمذي قال عليه الصلاة والسلام: "رأيت نهراً في الجنة، رأيت نهراً في الجنة، فإذا الكوثر في الجنة". وأما الحوض فهو قبل دخول المؤمنين إلى الجنة، فالكوثر غير الحوض. وجه آخر: من الناحية اللغوية، فهناك فرق في اللغة بين الحوض والنهر، بين الحوض والنهر، لأن الكوثر نهر. فالحوض كما مر معنا هو الماء المجتمع في مكان، فإذا هذا الماء يكون مستقراً لا يجري، هذا معناه في اللغة. وأما النهر فيكون الماء فيه جارياً، يكون الماء فيه جارياً، فمن حيث المعنى اللغوي فهناك فرق بينهما. وجه ثالث: أيضاً مما يدل على أن الكوثر غير الحوض، أن الكوثر أصل الحوض ومنه يُمد، أي أن الحوض ماءه من الكوثر، فيأتي الماء من نهر الكوثر فيصب أو فيصب في الحوض. فإذا هذا دليل على أن النهر غير الحوض. فقد جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "على الكوثر... على الحوض يشخب فيه ميزابان من الجنة"، يشخب يعني يسكب فيه. وجاء في مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يُفتح نهر الكوثر إلى الحوض". وجاء أيضاً في مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وأعطاني الله الكوثر، فهو نهر في الجنة يسيل في حوضين، يسيل في حوضين". إذن منها الحوض حوض النبي صلى الله عليه وعلى آله وصل. فهذه الأدلة تدل بمجموعها على أن هناك علاقة واتصال، أن هناك علاقة واتصال بين الكوثر والحوض، ولكن ليس الكوثر هو الحوض، ليس الكوثر هو الحوض. فهذه أيضاً من المسائل. وعلى هذا، وخذ فائدة في ذلك: أن من وقائع يوم القيامة واقعتين لم تذكر في القرآن، لم تذكر في القرآن. الواقعة الأولى: مرّت معنا فيما يتعلق بالقنطرة والمكان الذي يجتمع فيه المؤمنون بعد مرورهم على الصراط، فهذا لم يذكر في القرآن، هذا الموضع الأول. الموضع الثاني: على قول أن الكوثر غير الحوض، فهي هذه المسألة، أي الحوض لم يذكر في القرآن. وما استدل به المؤلف فهو موضع انتقاد عليه، فهو موضع انتقاد عليه، لأنه ذكر سؤال الحوض ثم أجاب بآية الكوثر، وقد تقدم معنا أن الكوثر غير الحوض. فعلى هذا فهاتان الواقعتان من وقائع يوم القيامة لم تذكر في القرآن، لكنها وردت في السنة كما مر معنا في القنطرة، وأما في الحوض فذكرت أحاديث كثيرة وصلت حد التواتر، كما سيأتي معنا في السؤال الذي بعد هذا. طيب، نكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا والله تعالى أعلم.