الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع باب تأليف القرآن في صحيح البخاري موضحاً أن المراد به جمع الآيات وترتيبها في المصحف، ويسرد حديث عائشة رضي الله عنها مع العراقي الذي سألها عن الكفن ثم طلب مصحفها لتأليف القرآن عليه. فبينت له نزول القرآن متدرجاً بدءاً بسور المفصل ثم الحلال والحرام، وأن ترتيب المصحف ليس وفق ترتيب النزول.
يناقش المقطع مسألة ترتيب السور في المصحف مبيناً أنه اجتهاد من الصحابة وليس توقيفاً نبوياً، ويستدل بفعل عمر رضي الله عنه وقراءة النبي صلى الله عليه وسلم بتقديم سورة على أخرى. مع تأكيد ثبوت ترتيب الآيات داخل السورة.
يستحب ترتيب السور على وفق المصحف العثماني اتباعاً لعمل الصحابة مع عدم إنكار المخالف، ويبين الراجح في أول سورة نزلت وهي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. موضحاً فقه التدرج في التشريع حيث بدأ القرآن بالتوحيد والترغيب والترهيب ثم نزل الحلال والحرام تدريجياً لتستقر القلوب على الإيمان.
يوضح المقطع أن آيات الوعيد والوعد نزلت في مكة بينما سورتي البقرة والنساء نزلتا في المدينة. وتذكر عائشة رضي الله عنها أنها كانت حاضرة عند نزولهما وأملت آياتهما على النبي صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب تأليف القرآن. والمراد بالتأليف ليس التصنيف؛ لأن القرآن كلام الله، والتأليف يطلق أيضا على الجمع، أن التأليف يطلق على كتابة الشيء وأيضا وجمعه، فالمراد هنا بالتأليف أي جمع ألف، أي جمع بين آيات السور الواحدة، أو جمع السور مرتبة في المصحف، أي يريد ما فعله أبو بكر وكذلك ما فعله عثمان. قال: باب تأليف القرآن. قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، وهو الفراء الملقب بالصغير، فسمي بالصغير، وهو كما قال لإمام أحمد: هو كبير على قدره كبير. قال: أخبرنا هشام بن يوسف، هشام بن يوسف الصنعاني قاضي صنعاء، أن ابن جريج أخبرهم، قال: وأخبرني يوسف بن ماهك، قال ابن جريج: أخبرني يوسف بن ماهك. ويوسف بن ماهك يقال: ابن ماهك، ويقال أيضا: ابن ماهك، أو كذا. قال: أي يوسف بن ماهك، قال: كنا عند عائشة، وقال: إني عند عائشة من المؤمنين رضي الله عنها، إذ جاءها عراقي، أي رجل من العراق، فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك، وما يضرك؟ قال: يا أم المؤمنين، أريني مصحفك. قالت: لما؟ قال: لعلي أؤلف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف. قالت: وما يضرك أيها؟ أيه قرأت، فهل إنما نزل شر لكم بعد؟ وما يضرك أيه قرأت شر قبل؟ إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشرب الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدا. قالت: لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾، وما نزل سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده. قال: فأخرجت له المصحف فأملت عليه آيات السور. هذا الحديث وهذا الأثر عن عائشة رضي الله تعالى عنها، فيه أنه سألها أولا عن الكفن، وكأنه أراد شيئا من معنى، أي لونا أو كذا، وقد يكون آخر، فلا يدري لماذا سأل عن هذا. وقول عائشة رضي الله عنها: «وما يضر؟» أي: أنك مهما كفنت في أي كفن يجزئك، أنه سوى كان لونه أبيض أو أحمر أو أصفر أو كبير، المهم أنه يستر، فإذا كان الكفن يستر فهو يجزئك، فلا يضرك هذا. وكأنها أنكرت سؤاله، وقد اشتهر أهل العراق أنهم يسألون عن أشياء ليست بالسؤال الذي ينبغي، مثل ما سأل ذاك الرجل ابن عمر عن دم البعوض، فقال ابن عمر: انظروا إلى أهل العراق يسألون عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي الحسين بن علي، فقتلوه، أي فاعلوهم الذين تسببوا في قتله، فلهذا أنكر ابن عمر على هذا العراقي سؤاله، وأنكرت عائشة رضي الله عنها أيضا على هذا العراقي سؤاله في الكفن، فقالت: وما يضره؟ ثم قال: يا أم المؤمنين، أريني مصحفك، وأن هذا المصحف الذي تقرأين فيه. وذكر بعض العلم أن العراق لعله قال هذا لعائشة قبل أن يجمع عثمان المصحف، لكن هذا ليس صحيحا؛ لأن يوسف بن ماهك لم يحضر وقت عثمان، لم يحضر وقت عثمان رضي الله تعالى عنه ولم يدرك زمانه، فلهذا فالمصاحف قد أرسلها عثمان من قبل إلى الآفاق، إلى الأماكن البعيدة، فلهذا لعل قصده آخر، أو لعله يريد ترتيب السور، كيف ترتب السور التي في المصحف، فلهذا سأل عائشة رضي الله عنها عن مصحفها. أو كما قال بعض العلم: لعل عائشة أيضا كانت عندها مصحف مرتب على غير ترتيب مصحف عثمان، مثل ما كان عند عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وكذلك عند أبي بن كعب، فلما جاء مصحف عثمان إلى الكوفة، وكان عبد الله بن مسعود في الكوفة، فلم ينكر مصحف ابن مسعود، لكنه استمر على مصحف الذي كان تلقاه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلهذا فالظاهر والله أعلم أن هذا الرجل يريد أن يعرف كيف كان مصحف عائشة رضي الله عنها، لعله يريد أن يعرف، أو أن عائشة أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا قد يكون أيضا من التقعر في المسائل والبحث عما لا يعنيه، فما دام أن الصحابة قد اتفقوا على ما فعل عثمان رضي الله عنه فالأولى أنه يتبع ذلك، لكن هذا العراقي يريد أو لعله يريد شيئا آخر. فقالت: لما قال: لعلي أؤلف القرآن عليه، أنا أجمع مصحفي على ترتيبه، كأنه يقول: إذا كان ترتيبك يخالف ترتيب مصحف عثمان فإني أؤلفه على ترتيب مصحفي. قالت: وما يضرك؟ أيه قرأت. وهذا يدل على أن الصحابة كانوا متفقين على ما كان من عثمان، أو ما كتبه عثمان رضي الله عنه، وأنه اجتهاد منه قبله أكثر الصحابة. وأيضا في هذا الحديث، أو في هذا الأثر، تقول عائشة رضي الله عنها: أنه لا يضر الإنسان بأي ترتيب قرأ، ولو خالف المصحف المعروف، وهذا مما يؤيد أن ترتيب المصحف، أي ترتيب السور، إنما هو اجتهاد، وليس ترتيب الشرع، أنه ليس ترتيبا من النبي عليه الصلاة والسلام، فلهذا إذا لم يلتزم الإمام مثلا القراءة على ترتيب السور فله ذلك، فقد كان عمر رضي الله عنه يقرأ في الركعة الأولى سورة الكهف، ويقرأ في الركعة الثانية سورة يوسف، وأنا معلوم أن يوسف قبل الكهف، لكن عمر رضي الله عنه يقرأ الكهف أولا ثم يقرأ يوسف في الركعة الثانية، وهذا يخالف ترتيب المصحف، وكذلك نبينا عليه الصلاة والسلام قرأ البقرة والنساء وآل عمران، قدم النساء على آل عمران، فلهذا لا بأس أن الإنسان يقدم سورة على سورة، لكن لا يقدم آية على آية، لأن ترتيب الآيات بالنبي عليه الصلاة والسلام هو الذي رتبه، فلا يجوز لأحد أن يقرأ آيات يقدمها على غيرها من الآيات، وإنما يقرأها بترتيب الآيات التي جاءت في السور، أما ترتيب السور فلا يجب. وذكر بعض العلم جاء عن بعض السلف، وهو قول الشافعي وأحمد، أنهم يستحبوا الترتيب على مصحف عثمان، يستحبوا ترتيب السور على مصحف عثمان، لأن الناس مشوا على ذلك، وهذا الأمر سهل من باب الاستحباب، لا بأس لأجل أن الناس مشوا على ذلك، لكن من خالف هذا الترتيب لا ينكر عليه، من خالف هذا الترتيب لا ينكر عليه، فمثلا لو قرأ سورة مثلا في الركعة الأولى قرأ سورة البينة، ثم في الركعة الثانية قرأ سورة الضحى، فلا شيء في ذلك، لكن الأفضل أنه يرتب، الأفضل أنه يرتب السور على ما جاءت في هذا المصحف الذي اتفق عليه أكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ثم قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فهل... أو قال: قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل؟ أنا هذه أو هذه؟ إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار. الذي اتفق عليه أكثر الصحابة، والذي مشى عليه أكثر العلماء، أنه أول ما نزل من القرآن هو سورة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. وقد يكون أيضا عائشة رضي الله عنها ترى ما قاله جابر، أن أول ما نزل هي سورة المدثر كاملة، حمل كلام جابر على أن أول ما قال: أول ما نزل من القرآن سورة المدثر، فالظاهر أنه أراد أنها أول سورة نزلت كاملة، وأما اقرأ فلم تنزل كاملة، إنما نزلت الآيات الأولى منها، وأكثر أهل العلم على أن أول ما نزل هو سورة القلم، أو سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، أنها تسمى سورة القلم، فالظاهر أنها تعني المدثر؛ لأن فيها ذكر الجنة والنار. قال: حتى ثاب الناس إلى الإسلام، أي حتى رجع الناس إلى الإسلام وتابوا، وكثر الإسلام وجاءت الهجرة، فقالت رضي الله عنها: نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشرب الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا. وفيه فقه، هذه فقه عائشة رضي الله عنها، زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، كانت فقيهة وعالمة، وهي أعلم نساء النبي عليه الصلاة والسلام، بل نساء الصحابة، بل كانت الصحابة الكبار يسألونها عن مسائل، وهذا من فقهها رضي الله عنها: أن الله عز وجل لم ينزل الحلال والحرام قبل أن ينزل الترغيب والترهيب، فأول آيات كانت في التوحيد، وفي الترغيب والترهيب في الجنة، وكذلك التحذير من النار، حتى إذا تعلم الناس الإيمان، فبعد ذلك نزل الحلال والحرام، كما قال سمرة بن جندب: تعلمنا الإيمان، ثم لما تعلمنا الإيمان تعلمنا القرآن، أي تعلمنا حلال القرآن وحرامه والأحكام التي فيه، فالله عز وجل لم يبدأ الناس بتحريم ما كانوا يفعلون، بل حتى أنه ربنا جل وعلا لما حرم الخمر تدرج في تحريمه، ولما حرم الربا تدرج في تحريمه، وهكذا فكان يتدرج ربنا جل وعلا حتى تقبل قلوب الناس هذه الآيات، فلم تحرم الخمر حتى طردها كثير من الصحابة من قلوبهم، وانتهوا عنها، بل كانوا يدعون الله عز وجل أن يحرم الخمر، كما كان عمر يفعل. قالت رضي الله عنها: لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾. أنا تريد تبين رضي الله عنها أن مثل هذه الآيات نزلت في مكة في الوعيد بالنار، كذلك الوعد بالجنة، ومن هذه الآية: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾. أنا كانت تذكر عائشة رضي الله عنها وهي صغيرة أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: وما نزل سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده. أنا تريد: في المدينة نزل سورة البقرة والنساء في المدينة، وكانت عائشة رضي الله عنها قد دخلت عليها النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فأخرجت له المصحف فأملت عليه آيات السور. فهذا ما يظهر في هذا الباب، والله تعالى أعلم.