يتناول الدرس كيف يجعل الله في البلاء حكمة عظيمة تتحول المحن إلى منح، مستشهداً بقصة يوسف وحصار بني هاشم. ويؤكد على ضرورة التلمس المنح في طي البلاء والرحمة بأهل الابتلاء.
يبيّن المقطع أن الابتلاء رحمة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الصابرين ينالون رحمة الله ومنحه. ويستعرض قصص الأنبياء وصبرهم كما في القرآن والسنة، مع حديث «من يرد الله به خيراً يصببه» وموقف النبي يوم حنين.
استعرض المتحدث نماذج من الصبر بدءاً من موسى ويوسف، مروراً بخبيب بن عدي، وصولاً إلى الإمام أحمد بن حنبل في محنة خلق القرآن. وبين أن هذه المحن تمنح الصابرين منحة عظيمة وثباتاً يرفعهم الله به.
يتناول المقطع آية قرآنية تذكر ابتلاء المؤمنين بالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات. ويشير إلى سلسلة دروس بعنوان "فقه الابتلاء" للشيخ أبي همام عبد الله محمد سعد المدرس بدار الحديث بالشحر.
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ﴾ فقه الابتلاء، فقه الابتلاء، للشيخ الفاضل أبي همام عبد الله محمد سعد، المدرس بدار الحديث بالشحر. فقه الابتلاء. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الإخوة الكرام المستمعون، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فهذه حلقة جديدة ودرس جديد من سلسلتنا التي نتكلم فيها على فقه البلاء وحكمه ومقاصده وغاياته، وقد ذكرنا غايات ومقاصد كثيرة من مقاصد هذا البلاء. ومن هذه أيضاً: أن من أصيب، من أصابه الله عز وجل بهذا البلاء أو ببلاء، سواء كان في جسده أو في ماله أو في غيره من الأشياء، لأن الله عز وجل له حكمة عظيمة وبليغة، وكثيراً ما تتحول هذه البلاء والمحنة إلى منحة، وذلك من لطف الله سبحانه وتعالى. ولهذا يقول بعض العلماء والشعراء: لا تكره المكروه عند حلوله *** إن الحوادث لم تزل متباينة كم نعمة لا تستقل بشكرها لله *** في طي المكاره كامنة فكثيرة هي المحن والبلايا التي تؤول إلى منحة. فلذلك على من أصيب بالبلاء أن يتلمس هذه المنح العظيمة التي من الله جل وعلا لأهل الإيمان، يجعلها ربنا سبحانه وتعالى، ولولاها لما تحقق الإنسان مراده. فهذا يوسف عليه السلام أراد الله أن يجعله ملكاً على مصر، ولو جاء بجيش وحارب أهل مصر لقاتلوه، وما استطاع إلا بإذن الله جل وعلا أن يتملكها، ولكن أتى به سبحانه عبداً، وسلط عليه أقرب الأقربين ليرموه في الجب وفي البئر. وقديماً يقول الشاعر: و ظلم ذوي القرب أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهندي ومع ذلك فيؤتى به في صورة عبد، ويباع بثمن بخس دراهم معدودة، ويسجن بعد ذلك مدة طويلة ليكون بهذا ملكاً. ولهذا فإن لطف الله عز وجل، عرفها بعض العلم، هو إبراز الأمور على ما جاء في صور أضدادها، كما ليوسف صيّره رقّاً لكي ينال ملكاً، وجعله الله عز وجل عزيزاً. وكثيراً ما تأتي تلك المنحة الربانية لملتمسها في داخل البلاء والمحنة. فحصار الشعب الذي فرض على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين من أصحابه، وبني هاشم بن المطلب بمكة، ودام ثلاث سنين، ظاهره محنة ولكن باطنه منحة، فقد اختار الله عز وجل لهم محضناً تربوياً يتربون فيه على قيم الإيمان، ويعتزلهم فيه أهل الجاهلية، ويجدون به هجرة داخل بلادهم وانقطاعاً عن كل مظاهر الجاهلية وفسادها، حتى يحققوا قيم الإيمان من الإيثار والإخاء والتعاون على البر والتقوى والنصح لله ورسوله والصبر والجلد في الحق، ولم يكونوا لينالوا هذه المدرسة لولا فرض عليهم هذا الحصار الجائر، فذلك من منحة الله سبحانه وتعالى. وكل من أصيب ببلاء وهو من المؤمنين فهو عرضة لرحمة الله، فالله سبحانه وتعالى قد وسعت رحمته كل شيء، وحق الناس بالرحمة الضعفاء. ولذلك قال عيسى بن مريم فيما أخرجه مالك في الموطة، وكذلك أحمد في الزهد عن يحيى بن سعيد، أخرجه مالك بلاغاً، أن عيسى بن مريم كان يقول: «لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله فتقسوا قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، وإنما الناس مبتلاء ومعافى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية». فأهل البلاء استحقوا الرحمة، ولأن الله عز وجل جعل هذه الأمة أمة مرحومة، فالبلاء الذي فيها إنما هو رحمة لهم. ومن هنا من ابتلي فصبر فقد تعرض لرحمة الله جل وعلا، وتعرض لنفحات الله سبحانه وتعالى ومنحاً، كما جاء في سنن أبي داود عن المقداد بن عمرو الكندي رضي الله عنه أن قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم يقول: «إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواهاً»، أي فيعجباً له، هذا الذي يبتلى فيصبر فهو عجب له، فمن ابتلي فصبر فواهاً. ولهذا عباد الله، إذا تذكر الإنسان أن أنبياء الله وهم أكرم الخلق على الله وأعلاهم قدراً ومكانة قد ابتلوا بأنواع البلايا والمحن فصبروا وصمدوا، تذكر أنه ما هو إلا حلقة صغيرة من سلسلة طويلة فيها نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وعلى وسلم، ومن على آثارهم من المتقين والمخلصين في كل زمان ومكان، وكل نكبة أصابت حلقة من حلقات السلسلة فستصيب السلسلة كلها، ومن هنا فهو يرحب بتلك النكبات لأنها أصابت من هو خير منه، وهي نكبات مباركة، فليلتمس فيها البركة لأنها قد أصابت أنبياء الله المباركين. وقيادة الإنسان لسير هؤلاء الصالحين وقصصهم الواردة في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم من أبلغ ما يعين على الثبات. وقد قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك رحمه الله: «حكايات الصالحين جند من جنود الله يثبت الله بها قلوب عباده»، واستمد ذلك من القرآن، قوله جل وعلا: ﴿ وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾، وذلك في خواتم سورة هود، بعد أن قص الله فيها قصة نوح، وقصة هود، وقصة صالح، وقصة إبراهيم، وقصة لوط، وقصة شعيب، وقصة موسى وهارون، فكل ما أصابهم من هذه البلايا ذكرها ربنا جل وعلا تثبيتاً لفؤاد المؤمنين، لعلمه بأنهم أكرم على الله منه، أي هذا المؤمن يعلم أنهم أكرم على الله منه وخير منه، وأن الله سبحانه وتعالى قادر على أن لا يصيبهم ذلك البلاء، ولو كان عدم إصابة البلاء خيراً لاختار الله عز وجل ذلك لأنبيائه، ولكنه علم أن البلاء خير لهم فاختاره لهم. وقد جاء كما تقدم معنا، جاء في البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من يرد الله به خيراً يصببه أن يبتليه بإصابة شيء من المصائب التي يصيبه به سبحانه جل وعلا». ومن هنا فإذا أصابك شيء مما أصاب الأنبياء فاستقبلوه بما استقبله الأنبياء. فقد صح عن نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام كما جاء ذلك في الصحيحين عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقسم يوم حنين، آثر عليه الصلاة والسلام أناساً في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مئة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناساً من أشراف العرب، فآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله. قال: فقال ابن مسعود: والله لأخبرن النبي عليه الصلاة والسلام، فأتيته فأخبرته، فقال عليه الصلاة والسلام: «فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ رحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر، رحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر». فتذكر عليه الصلاة والسلام أذى بني إسرائيل لموسى وهم يعلمون أنه رسول الله، وقد قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ﴾. وكذلك صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة لما ذكر يوسف قال: «لو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعية لأجبت، ثم أتاني الداعية لأجبت». فيوسف عليه الصلاة والسلام مكث في السجن ما مكث، ثم أتاه الداعي من الملك ودعوه للخروج إليه، فقال: ﴿ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾، ولم يستعجل في الخروج من السجن حتى تظهر براءته، وحتى تقر النسوة بما سمعنا من امرأة العزيز، فكان ذلك من الثبات وعدم الاستعجال، وهذا ما بينه صلى الله عليه وعلى وسلم في قوله: «ولو لبثت ما لبث يوسف ثم أتاني الداعية لأجبت». وكذلك تذكر حال أتباع المرسلين في كل زمان، وما ثبتهم الله به من الصبر في المحن والبلايا، وبالأخص أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى وسلم الذين حققوا أروع الأمثلة في هذا. ومثال لذلك خبيب رضي الله عنه كما جاء في البخاري، عندما صلبوه قريش وهو حي على الخشب، فقالوا: لست أبالي حين أقتل مسلماً *** على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله، وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزق وهكذا أتباعهم من بعدهم، وإن شاء الله تعالى سنذكر ما ابتلي الله عز وجل به الأنبياء، وكذلك الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم من الصالحين. وكذلك تجد أيضاً من بعدهم من القرون المفضلة من هذه الأمة، وقد برز فيها من النماذج من الصابرين الشيء الكثير، ممن التمست في بلائهم المنح العظيمة والمنح العظيمة التي طواها بسبب هذا البلاء. ومن ذلك الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، فقد صبر على المحنة والبلاء ثمانية عشرة سنة، وهو صامد ثابت تحت السياط وفي الأغلال، وفي الأغلال وكذلك في الحديد، يعذب ليقول كلمة واحدة فلم يقلها، وصبر على مبدئه وثبت عليه حتى يفرج الله تلك الغمة وأزالها عن الأمة. وقد ذكر أنه مما عانه على الثبات في فتنة محنة خلق القرآن، أن شيخاً كبيراً من أهل العراق أتاه وهو في الحديد يساق إلى السياط، فقال له: يا أحمد، أنت اليوم رأس في أهل الإسلام، فاتق الله فيهم. فانظر إلى هذا البلاء الذي يصيب به هذا الإمام، فرفعه الله عز وجل بعد ذلك، فصار إماماً لا يقارع في إمامته إمام أهل السنة مطلقاً، رحمه الله ورضي الله عنه. فهكذا عباد الله، فإن هذه المحن وهذه البلايا يلتمس منها أشياء عظيمة، ويلتمس منها منح يمنحها الله عز وجل لعباده الصالحين الذين صبروا على هذا الابتلاء. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يصبرنا، ويجعلنا من الصابرين، وأن يؤتينا سبحانه وتعالى في هذه الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ويقينا عذاب النار، جل وعلا. والحمد لله رب العالمين، صلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيراً. ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ﴾ فقه الابتلاء، فقه الابتلاء، فقه الابتلاء، للشيخ الفاضل أبي همام عبد الله محمد سعد، المدرس بدار الحديث بالشحر. فقه الابتلاء.