الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 29، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر السعدي آية ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ كتهديد شديد للذين يتبعون خطوات الشيطان ويفسدون في الأرض. وتؤكد الآية نزول الله والملائكة يوم القيامة لفصل القضاء، مما يثبت الصفات الاختيارية كالمجيء والنزول لأهل السنة.
يعرف المقطع الصفات الاختيارية بأنها صفات فعلية تابعة لمشيئة الله، ويبين مذهب أهل السنة في إثبات صفة المجيء والإتيان بما يليق بجلاله دون تشبيه. ويرد على المعطلة الذين نفوا هذه الصفة بدعوى التنزيه فوقعوا في التشبيه بالعقول.
يقرر المقطع أن أهل السنة يثبتون الأسماء والصفات على وجه يليق بالله دون تشبيه أو تحريف، ويردون على الجهمية والمعتزلة والأشعرية الذين ينفون أو يؤولون الصفات. ويشير إلى أن تأويل الأشعرية للاستواء بالاستيلاء تحريف للفظ والمعنى، مستشهدين بقول ابن القيم: "لام الأشاعرة مثل نون اليهود".
أمر الله اليهود أن يقولوا "حطة" طلباً للمغفرة، فبدلوها إلى "حِنْطَة" بمعنى حبة القمح، مما يدل على عنادهم وتحريفهم للكلام الإلهي. ويظهر هذا الموقف استكبارهم ورفضهم الامتثال لأمر الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾. قال رحمه الله: «وهذا فيه من الوعيد الشديد والتهديد ما تنخلع له القلوب. يقول تعالى: هل ينتظر الساعون في الفساد في الأرض، المتبعون لخطوات الشيطان، النابذون لأمر الله، إلا يوم الجزاء بالأعمال، الذي قد حشي من الأهوال والشدائد والفضائع ما تقشعر له قلوب الظالمين، ويحق به الجزاء السيء على المفسدين». فهذا تهديد من الله جل وعلا لهؤلاء الذين يتبعون خطوات الشيطان ويفسدون في الأرض، وإن زلوا استمروا في زلتهم وفسادهم ولم يرجعوا إلى الله. فهل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة، وقضي الأمر، وإلى الله ترجع الأمور؟ أي: لا يفيق هؤلاء ولا يرعوون إلا إذا وقفوا بين يدي الله عز وجل يوم القيامة ورأوا جزاءهم. وقال: «ويحق به الجزاء السيء على المفسدين». وذلك أن الله تعالى يطوي السماوات والأرض، وتنتشر الكواكب، وتكور الشمس والقمر يوم القيامة، وتنزل الملائكة الكرام فتحيط بالخلائق، وينزل الباري تبارك وتعالى في ظلل من الغمام ليفصل بين عباده بالقضاء العدل. فتوضع الموازين، وتنشر الدواوين، وتبيض وجوه للسعادة، وتسود وجوه للشقاوة، ويتميز أهل الخير من أهل الشر، وكل يجازى بعمله. فهناك يعض الظالم على يديه إذا علم حقيقة ما هو عليه، فيرى علم اليقين، ثم يرى حقيقته إذا عاينه ورأى الواقع، فهو حق اليقين. كما قال الله عز وجل في سورة ﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾. فهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة المثبتين للصفات الاختيارية، كالاستواء والنزول والمجيء. الصفات الاختيارية هي جزء من الصفات الذاتية، وسميت اختيارية لأنها تحت مشيئة الله جل وعلا: إن شاء فعلها، وإن شاء تركها، أي أنها بمشيئة الله. طيب. قال: «الصفات الاختيارية، ويقال لها: الصفات الفعلية». أقصد أن الاختيارية هذه قسيمة الذاتية. قسيمة الذاتية: بمعنى أنها ذاتية قسم، والفعلية قسم، وهي الصفات الثبوتية. فالصفات الفعلية منها ما هو صفة مثبتة فتثبت لله جل وعلا، ومنها ما هو صفة منفية من الأفعال فتنفى، وهذا مذهب أهل السنة. ومن هذه الصفات: المجيء والإتيان، فهي من الصفات التي وصف الله عز وجل بها نفسه: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ ﴾. فهذا إتيان، إتيان للفصل في القضاء يوم القيامة، وهذا الإتيان يؤمن به أهل السنة كما يليق بالله عز وجل وجلالته وعظمته سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى عن نفسه، أو أخبر بها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، فيثبتوها على وجه يليق بجلال الله وعظمته، من غير تشبيه ولا تحريف». معنى: لا ننفي كما تنفي المعطلة، يقولون: لو قلنا إن الله يأتي شبهنا به المخلوقين، وأيضا جعلنا له حيزاً في مكان محوط به، لأن الإتيان لا بد أن يكون -كما يقولون- من انتقال من مكان إلى مكان، وهذا يقولون إنه منزه الله عز وجل عنه. وهذا بسبب أنهم جعلوا الله عز وجل -أي: شبهوه بالمخلوقين، شبهوه بالمخلوقين- وإلا فسبحانه جل وعلا يفعل ما يشاء. وإثبات المجيء أو الإتيان لله عز وجل: لا نثبت معنى كثبوت الإتيان المخلوق، وأنه محاط بالمخلوقين بالجهات، أو كذا من هذا الذي يذكرونه. فالله عز وجل أعظم وأجل. فلهذا فربنا جل وعلا يقول: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾. فتشبيه هؤلاء المعطلة هو الذي أوقعهم في هذه الأمور، فنفوا صفات الله جل وعلا. قال: «فيثبتوها على وجه يليق بجلال الله وعظمته، من غير تشبيه ولا تحريف». أي: في اللفظ. التحريف يكون في اللفظ، خلافاً للمعطلة على اختلاف أنواعهم: من الجهمية الذين ينفون الأسماء والصفات، والمعتزلة الذين ينفون الأسماء -أو أقصد: يثبتون الأسماء وينفون الصفات-، والأشعرية ونحوهم. الأشعرية يثبتون الأسماء ويثبتون سبع صفات، لكن إثباتهم للأسماء وللسبع الصفات ليس كإثبات أهل السنة. فهم يقولون: نثبتوها بالعقل، ويثبتون أيضاً أسماء مجردة عن الصفات. وهذا كلام باطل؛ لأن الأسماء أسماء الله عز وجل أعلام وأوصاف، فهي كاملة ليس فيها نقص من وجه من الوجوه. فلو كانت أعلاماً فقط لكانت فيها نقص. فلو كانت أعلاماً فقط، لكانت أعلاماً مثل المخلوق: المخلوق مثلاً اسمه صادق، اسمه نافع، اسمه كذا. هذه أسماء مجرد أعلام، ليس لها شيء من الصفات. وأما أسماء الله عز وجل فهي أسماء وأوصاف، فأعلام وأوصاف. فكل اسم يدل على صفة بالتضمن، ويدل على الاسم أيضاً، أو يدل هذا الاسم على الاسم والصفة بالتطابق، ويدل بالتضمن على الصفة، وكذلك يدل بالالتزام على أكثر من صفات. مثلاً عندنا: الخالق جل وعلا، اسم الله الخالق، فيدل بالتطابق على اسم الله عز وجل وصفته، ويدل بالتضمن على صفة الخلق، ويدل بالالتزام على صفات كثيرة: كالعلم والحياة والحكمة وغيرها من الصفات التي تتعلق بالخلق. طيب. قال رحمه الله: «ونحوه من من ينفي هذه الصفات، ويتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أنزل الله عليها من سلطان. بل حقيقتها القدح في بيان الله وبيان رسوله، والزعم بأن كلامهم هو الذي تحصل به الهداية في هذا الباب». أي: نفي، أو كما يسمونه التأويل، وهو تحريف لمعاني الألفاظ، وكذلك تحريف للألفاظ. كما مثل ما حرفوا الاستواء: قالوا الاستيلاء. الاستواء قالوا بمعنى الاستيلاء، فحرفوا اللفظ، وكذلك حرفوا المعنى. ولهذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: «إن لام الأشاعرة مثل نون اليهود». لام الأشاعرة مثل نون اليهود. الله عز وجل قال لليهود: ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ ﴾، قالوا: حِنْطَةٌ، حبة في شعرة، فزادوا النون. وإنما أمرهم الله عز وجل أن يقولوا: «اللهم حط عنا ذنوبنا». وقالوا: ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ﴾، فعاندوا وقالوا: حِنْطَةٌ. وهؤلاء ذكر