الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 89، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يسرد الشيخ قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام حين سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى ليطمئن قلبه لا عن شك، فأمره الله بأخذ أربعة من الطير وتقطيعهن ووضع أجزاءهن على الجبال ثم دعاهن فأقبلن إليه سعياً. ويبين المقطع أن هذا الطلب كان لبلوغ عين اليقين، مستدلاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "نحن أحق بالشك من إبراهيم".
يستعرض المقطع دلائل قدرة الله تعالى على إحياء الموتى وجمع أشلائهم مهما تفرقت في البر والبحر، مستشهداً بآية لقمان وحديث الرجل الذي أوصى بتحريق جسده وذراه في اليم والبر، فجمعه الله بكلمة "كن" ليظهر كمال عزته وحكمته وسلطانه في البعث والنشور.
يختتم المتحدث الكلام على مسائل البعث مؤكداً أن ما أورده المؤلف في هذا الباب كافٍ وشافٍ، مفوضاً العلم كله إلى الله تعالى، ومشيراً إلى أن ترجمة هذا الشرف تعود للأستاذة نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قوله جل وعلا: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾. قال رحمه الله: وأما البرهان الآخر -تقدم البرهان الأول وهو قول الله عز وجل: ﴿ أَوَ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ ﴾- قال: وأما البرهان الآخر فإن إبراهيم قال طالبًا من الله أن يريه كيف يحيي الموتى، فقال الله له: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ﴾ ليُزيل الشبه عن خليله، قال إبراهيم: بلى يا رب، قد آمنت أنك على كل شيء قدير، وأنك تحيي الموتى وتجازي العباد، ولكن أريد أن يطمئن قلبي. وهذا لا شك أنه ليس شكًّا من إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نحن أحق بالشك من إبراهيم»، وجاء في الصحيحين: أي لو كان ذاك شكًّا لكنّا أحقّ به، لكن هو ليس شكًّا، وإنما أراد عين اليقين، أراد أن يراه عيانًا. قال: فقال: ﴿ وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾، وأصل إلى درجة عين اليقين، فأجاب الله دعوته كرامةً له ورحمةً بالعباد. ﴿ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ ﴾، أي: ولم يبيّن أي الطير، فالآية حاصلة بأي نوع منها، وهو المقصود. أما ما ذكر في الإسرائيليات من أنواع الطير وألوانهن وكذا، فهذا مما لا فائدة فيه. ﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ﴾: أي ضمهن واذبحهن ومزقهن. أنا بعد ما تذبح هذه الطير اجمعها، اجمع اللحم كله، ضمه بعضه إلى بعض، ثم فرقه، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا، ثم ادعوهن يأتينك سعيًا، ﴿ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾. قال: ففعل ذلك، وفرق أجزاءهن على الجبال التي حوله، ودعاهن بأسمائهن فأقبلن إليه سريعات؛ لأن السعي السرعة. ﴿ ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ﴾: أنا جاءت هذه الطيور إلى نبي الله إبراهيم بسرعة. قال: وليس المراد أنهن جئن على قوائمهن، وإنما جئن طائرات على أكمل ما يكون من الحياة. وخص الطيور بذلك لأن حياتهن أكمل وأوضح من غيرهن، وأيضًا أزال في هذا كل وهم ربما يعرض للنفوس المبطلَة، فهي آية وبرهان للناس. قال: فجعلهن متعددات أربعًا، ومزقهن جميعًا، وجعلهن على رؤوس الجبال ليكون ذلك ظاهرًا علانيةً يُشاهد من قرب ومن بعد، وأنه نَحَّاهن عنه كثيرًا لألا يُظن أن يكون عاملًا حيلةً من الحيل. وأيضًا أمره أن يدعوهن فجئن مسرعات، فصارت هذه الآية أكبر برهان على كمال عزة الله وحكمته. أيضًا تجد أن هذا فيه معنى إثبات عظيم قدرة الله جل وعلا، وأنه يحيي الموتى، وأنه على كل شيء قدير. ومهما تفرق لحم هذا المخلوق أو تمزق أو ذهب في الرياح أو ذهب في البحر، كما قال الله عز وجل على لسان لقمان: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ﴾. أنا هذا الشيء اليسير يأتي به الله عز وجل من أي مكان، وكذلك أيضًا يجمع خلق الإنسان من أي مكان. قد ذكرنا حديث بهرَير الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال لأولاده: «أي أب لكم؟» فقالوا: «خير أب». قال: «فإذا مت فاحرقوني، ثم ذروا نصفي في الريح ونصفي في اليم، فإن قدر الله عليَّ ليعذبني عذابًا شديدًا». فهذا ظن أنه بهذا قد يبتعد عن الله أو قد لا يجمعه الله، لكن جمعه الله عز وجل في كلمة واحدة: «كن»، فكان ذلك العبد. فهذا من كمال قدرته سبحانه وتعالى وعزته على خلقه وسلطانه عليهم. قالوا: فيه تنبيه على أن البعث فيه يظهر للعباد كمال عزة الله وحكمته وعظمته وسعة سلطانه وتمام عدله وفضله. أنا هذا أيضًا يبين أن البعث فيه هذه الأمور التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر