الدرس في كتاب البيوع من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 43، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يحرم التحيل لإسقاط حق الشفعة كرفع السعر ظاهرياً ثم البيع بسعر أقل، والحيل لا تُسقط الحق بل يظل ثابتاً للشريك. ثم يُعرّف الوقف بأنه تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة مع أمثلة على عقار ومزرعة موقوفين.
الوقف صدقة جارية مستمرة الأجر بعد الموت ويُعد من أفضل القرب لنفعه الدائم للفقراء والعلماء والمجاهدين. يشترط لصحته أن يكون على جهة بر، سالماً من الظلم، عيناً باقية ينتفع بها، ولا يصح في المأكول أو الفاني، ولا يجوز بيع أصله إلا لحفظه.
العلم النافع هو أفضل الصدقات الجارية لبقائه إلى يوم القيامة بعكس المباني التي تتهدم. الولد الصالح يدعو لوالديه ويشمل الأولاد والأحفاد، مما يجعل طلب العلم وتعليمه باباً عظيماً للأجر المستمر.
أعلن المعلم انتهاء درس اليوم وتأجيل شرح حديث عمر بن الخطاب لطولِه وكثرة فوائده إلى الدرس القادم. وأشار إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: "ولا يحل التحيل لإسقاطها، فإن تحيل لم تسقط". لحديث: «إنما الأعمال بالنيات». ومعنى هذا الكلام، مثاله: على سبيل المثال، أنا أريد أن أبيع بسمي، لكن ما أريد شريكي هو الذي يأخذ هذه الأرض. فأذهب عند شخص وأقول له: "أنت اشتري مني هذا". قال: "لا، بكم؟" قال: "لا، أنت قل بخمسين، وأنا سأطيك إياها بثلاثين". تمام. فذهبوا عند فلان وقالوا له: "تريد هذه الأرض؟ أنت أحق بالشفعة". قال: "تمام، كم تبيعها؟" قال: "والله، إذا ما بتشلها أنت هذاك بقاها بخمسين". ها، هذاك سيشتريها بكم؟ بخمسين. هو في الحقيقة سيشتريها بكم؟ بثلاثين. تمام. فهذا صاحب الشريك يقول له: "هذا كثير، أنا ما أستطيع عليه". يقول له: "خلاص ما تستطيع عليه، أنا ببيع لفلان". فيبيع لفلان بثلاثين. فهذه حيلة، هذه حيلة؛ لأن الشريك لو علم أن السعر ثلاثين لربما اشتراها، لأن هذا هو سعرها، ها ويستطيعها. أما أن يضاعف له السعر، ربما ما يستطيع. فهذا من الحيلة. فإذا علمت هذه الحيلة فإنها لم تسقط له حق الشفعة. له أن يذهب عند القاضي ويقول: "هذا تحيل علي، قال لي بخمسين ثم باع بثلاثين". فيلزم البائع أن يرد هذه الأرض للشريك، والشريك يعطيه ثلاثين ألفًا ويأخذ هذه الأرض؛ لأنه أحق بالشفعة. فالحيل لا تزيد الحرام إلا حرامًا، الحيل لا تزيد الحرام إلا حرامًا. مثل بني إسرائيل: حرمت عليهم الشحوم فأذابوها ثم أكلوها، هذه حيلة. طيب. وهكذا أصحاب السبت: حرم عليهم الصيد في يوم السبت، فرموا شباكهم في يوم الجمعة ثم أخذوا هذا الصيد في يوم الأحد، فقالوا: "نحن ما اصطدنا في يوم السبت". هذه حيلة؛ لأن السمك إنما دخل في الشباك في يوم السبت، لأنه هو يوم تواجده. هذا من الحيلة، وهذا مثله. فالحيل لا تزيد الحرام إلا حرامًا، إلا حرامًا. فما يجوز الحيل في هذا الباب. وقوله: «إنما الأعمال بالنيات»؛ لأن هذا الشريك نوى شيئًا آخر، قال: "سيبيعها بخمسين"، ونيته أن يبيعها بكم؟ بثلاثين. فهذه النية مبيتة، كما يقال: مبيتة. هذه النية وهذا لا يجوز. فإذا أراد الشريك أن يأخذ هذه الأرض بقيمة ما بيعت به، فله حق الشفعة، له أن يطالب بذلك. هذا معنى قوله: "ولا يحل التحيل لإسقاطها، فإن تحيل لم تسقط". إن تحيل لم تسقط، بل لا تزال ثابتة للشريك. هذا معنى كلامه. وأما قول الشارح: "وللجاري حق الشفعة في حال كون الطريق واحدة، أو في أي شيء اشترك فيه، وإلا فلا شفعة". لا، هذا تقدمت معنا مسألة، وهو: هل الجار له حق الشفعة؟ فقلنا: الصحيح أن له حق الشفعة إذا كانت هناك مصالح مشتركة، إذا كان هناك مرافق مشتركة بينهما كطريق أو حوش، أو كذلك بئر أو نحو ذلك. فللجاري حق الشفعة؛ لأنه سيتضرر إذا اشترى هذا البيت أو هذه الأرض ثالث. نعم. وأما قوله: "مثال الشفعة"، هذا قد مر معنا كثيرًا: رجلان شريكان في أرض، فباع أحدهم نصيبه على ثالث، فللشريك الذي لم يبع أن ينتزع من المشتري هذا النصيب قهرًا عليه بقيمته. اشتراه بعشرين يعطيه عشرين، اشتراه بثلاثين يعطيه بثلاثين، ويضمه إلى ملكه، فتكون الأرض كلها للشريك الأول الذي لم يبع. هذا هو معنى الشفعة، وقد مرت معنا أمثلة كثيرة على ذلك. وبهذا نكون قد انتهينا من باب الشفعة. قال: "باب الوقف". قال: "وهو تحبيس الأصل وتسبيل المنافع". الوقف كما ذكر: تحبيس الأصل. أيش معنى تحبيس؟ التحبيس يعني من الحبس. التحبيس من أيش؟ من الحبس، السجن. يعني تسجن هذه الأرض فلا تباع، ولا توهب، ولا تورث. خلاص، تكون مسجونة. وهذا السجن يكون في أصلها، ليس فيما تعود عليه من نفع. فهذا يسبل، وهو قوله: "تسبيل المنافع". أيش معنى تسبيل المنافع؟ السبيل من الشيء الذي يستمر وينتفع به. يقول لك: "هذا سبيل"، يعني هذا شيء ينتفع به. طيب، فالمنفعة المطلقة هذه تسمى سبيل. فالأصل محبوس، لكن المنفعة مستمرة، المنفعة مستمرة. مثاله: مثلًا شخص مثلًا أوقف مزرعة، مزرعة كبيرة فيها من أنواع الفواكه ومن أنواع الثمار. طيب، فقال: "هذه المزرعة وقف ل المركز، مركز دار الحديث بالشحر". فهل يجوز لهذا الواقف أن يبيع شيئًا من هذه المزرعة؟ لا، لأنها أصل. لا يبيع شيئًا منها، ولا يهب شيئًا منها. لا يقول: "أنا أبغيت نصفها لفلان". لا، خلاص، أنت أوقفتها على حسن ما أوقفتها عليه للمركز، يعني للطلاب. فيأكلون منها، وما يباع من ثمارها يرجع إلى مصالح المركز، ينتفع به. طيب، سواء كان الانتفاع في ذات الموقوف أو في غلته، والغلة هو ما يعني يرده هذا الوقف من أموال. طيب، فهذا هو الوقف. أوقفت بيتًا، قلت: "هذا البيت أريده للفقراء والمساكين". طيب، خلاص، هذا البيت لا يباع، طيب، ولا يوهب، ولا يأتي الورثة عن موت الواقف فيقولوا: "لا، هذا ملك أبينا". فيقال لهم: "أبوكم قد أوقف هذا، ليس لكم شيء، هذا للفقراء والمساكين"، يعني يسكنون فيه. واضح. وهذه منفعة، ماذا؟ ليست منفعة غلة، وإنما هي منفعة انتفاع فقط. نعم، هذا هو الوقف، هذا هو الوقف. حفر بئرًا، هذا وقف، لا يجوز أن يباع ماؤه إلا إذا كان هذا البيع يعني من أجل أن تستمر هذه البئر في شراء ما تحتاجه، فلا بأس. أما أصلها، لا يأتي إنسان يقول لك: "هل تبيع هذه البئر؟" فيقال له: "لا، ما يجوز، هذا وقف". أوقف مصحفًا يريده المسجد، لا يجوز أن يؤخذ إلى بيت؛ لأنه وقف للمسجد، ليس لفلان. أوقف مسجدًا، هذا المسجد لله، لا يتصرف في أرضه، ولا في كذلك بناءه، ولا شيء. أوقف كذلك ماذا؟ سيارة للدعوة، أو أوقف دراجة للدعوة، فتستخدم فيما أوقفت فيه. لا يجوز أن يباع إلا كما سيأتي معنا من كلام المؤلف: أن تتعطى المنفعة. فهذا باب آخر وسيأتي معنا بيانه. أما الأصل، أن يبقى الوقف على أصله، وإنما ينتفع به فقط. هذا هو الوقف، هذا هو الوقف. قال المؤلف: "وهو أفضل القرب وأنفعها". لماذا أنفع القرب؟ لأنه صدقة ثابتة دائمًا، تستمر حتى لو مات الإنسان. لو بنيت مسجدًا وجلس هذا المسجد بعد موتك مئة سنة، مئتين سنة، الأجر يصل إليك وأنت في قبرك. صدقة مستمرة، واضحة، صدقة جارية مستمرة ثابتة، وأنت في قبرك يصل أجر وثواب هذه الصدقة مدة انتفاع الناس بها. حفرت بئرًا، فانتفع الناس من هذا البئر، وشربوا وزرعوا واستفادوا. ميت، ولا يزال هذا البئر يعطي الناس الماء، يسقي الناس الماء، فلك أجر مدة انتفاع الناس بهذا الماء. فلا شك أن هذا أجره أعظم من الصدقات المؤقتة. مثلًا: يتصدق صدقة مؤقتة، أي صدقة مؤقتة؟ مثلًا: إطعام فقير، الطعام هذا لا يبقى، طيب. أو كذلك كسا مسكينًا، هذه الكسوة تذهب وتبلأ وتبلأ هذه الكسوة، وغيرها من الصدقات المؤقتة. أما الصدقات الجارية، فلا شك أنها أفضل القرب؛ لأنها صدقة ثابتة، صدقة ثابتة. وهذا هو الوقف، الوقف يستمر نفعه ولو بعد موت واقفه، ولو بعد موت واقفه. وكذلك لأنه إحسان إلى الموقوف عليه، إحسان إلى الموقوف عليه. انظر لو أن إنسانًا يحتاج إلى الماء، أناس يحتاجون إلى الماء، ربما يشترونه بأغلى الأثمان. فجئت أنت وحفرت لهم بئرًا، ووفرت عليهم عناء نقل الماء ودفع أجرة الماء. كم لك من الأجر؟ كم لك من الأجر؟ فلا شك أن هذا إحسان إلى الموقوف عليه. إما لحاجتهم، مثل الفقراء والأيتام والمساكين والأرامل، أو للحاجة إليهم. قد يكون الوقف للحاجة إلى من أوقف عليهم هذا الوقف، مثل المجاهدين. إذا أوقفت مثلًا، قلت: "هذا مثلًا العمائر يعود أجرها وغلتها للمجاهدين في سبيل الله"، في رواتبهم، في شراء أسلحتهم، في القيام بشؤونهم. هذا من ينتفع بهذا؟ هذا ينتفع به الإسلام والمسلمون. طيب، فهو للحاجة إليهم. ومثلهم المعلمون والمدرسون والعلماء والدعاة إلى الله عز وجل. شخص أوقف بعض الأوقاف، قال: "هذه لطلاب العلم، هذه للعلماء". هذا، الإسلام والمسلمون بحاجة إليهم، ينتفع بهم الإسلام والمسلمون، وقد هم كذلك ينتفعون في رواتبهم، في القيام بشؤونهم. فلا شك أن هذا فيه إحسان عظيم. نعم، كذلك، وفيه إحسان للواقف عليه، للواقف، حيث أنه يجري عليه ثواب وقفه. ففضل الوقف عظيم. نعم. قال: "إذا كان على جهة بر". وقول: "إذا كان على جهة بر"، يعني إذا كان هذا الوقف من شرطه أن يكون في البر، أن يكون في البر، كالمساجد والفقراء واليتامى والمدارس ودور العلم وحفر الآبار. لكن لو كان في غير بر، مثل ماذا؟ قال: "هذا البيت وقف للمغنين، المطربين"، أو "هذا وقف للقبور وزيارات القبور". هذا ليس برًا، هذا فساد. طيب، فهذا الوقف لا يصح، هذا الوقف لا يصح. نعم، فلابد أن يكون على ماذا؟ على جهة بر. حتى بعضها العلم: قال: "لو أوقف عمارة للأغنياء، قالوا: هذا لا يصح؛ لأن جهة الأغنياء ما ينتفعون بهذا". صح، هم في غنى عن هذا. كيف أنت توقف لهم هذا الوقف؟ إنسان قال: "أنا أوقفت هذه العمارة للعمقي والبسيري وبندول وعدد التجار الأغنياء، يعني للتجار فقط". أقول له: "هذا وقف غير صحيح؛ لأن هؤلاء ما ينتفعون، ما لك أجر في هذا، ربما أهملوه، وربما لم ينتفعوا به ولم يسكنوا فيه". صح. فلابد أن يكون على جهة بر، على جهة بر. وعرفنا ما هي جهات البر، ما هي جهات البر. قال: "وسلم من الظلم". يعني سلم من الظلم، ما يكون الوقف فيه ظلم. مثلًا للورثة: بعضهم مثلًا يريد أن يحرم ورثته من هذا الإرث، فيوقف جميع ماله ويترك الورثة هكذا من غير مال. هذا لا يجوز، هذا لا يجوز. فلابد أن لا يكون في ذلك ظلم على أحد، أن لا يكون في ذلك ظلم. ومن الظلم أن يكون الوقف مسروقًا أو مغصوبًا، هذا لا يصح. من شرطه أن يكون الوقف غير مسروق، ولا مغصوب، ولا فيه ظلم. سلم من الظلم. هذا أيضًا من شروط الوقف. كذلك من شروط الوقف أن يكون مما ينتفع به انتفاعًا مستمرًا مع بقاء عينه. فلو إنسان قال: "أنا أوقفت هذا الكيس من الأرز للفقراء"، يقال: "هذا ليس وقفًا، أنهم سيأكلوه وينتهي. هل سيبقى شيء أرز بعد هذا؟ خلاص، ينتهي". صح، فهذا لا يسمى وقفًا. الوقف يكون في الشيء المستمر الدائم الذي يبقى أصله. أما الذي يفنى أصله، فهذا لا يكون وقفًا، لا يكون وقفًا. فإذن الآن عرفنا أن من شروط الوقف: أن يكون على جهة بر. من شروط الوقف: أن يكون سليمًا من الظلم. من شروط الوقف: أن يكون مما ينتفع به انتفاعًا مستمرًا. هذه تعد من شروط الوقف، تعد من شروط الوقف. قال: "لحديثي: إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية". وفسر العلماء الصدقة الجارية بالوقف. العلماء فسروا الصدقة الجارية بالوقف. وأفادنا هذا الحديث أن الصدقة صدقتان: صدقة جارية، وصدقة غير جارية. فالصدقة الجارية كما تقدم معنا هي الصدقة التي يبقى أصلها. الصدقة الجارية هي الصدقة التي ماذا؟ يبقى أصلها. هذه هي الصدقة الجارية، يبقى أصلها وينتفع بالتسبيل بمنافعها. نعم، وهذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث. "صدقة جارية، أو علم ينتفع به". فكذلك العلم الذي ينتفع به، هذا قالوا: هو من أعظم الصدقات الجارية. فيشمل تعليم الناس، ويشمل التأليف، تأليف الكتب، ويشمل كذلك كل ما فيه نشر للعلم. كل ما فيه نشر للعلم يدخل في علم ينتفع به. وقال العلماء: إن من أفضل الصدقات الجارية هو صدقة العلم. لماذا ذكر هذا الشيخ ابن عثيمين رحمه الله؟ لماذا قالوا؟ لأن جميع الصدقات الجارية غير العلم قد تنقطع وتذهب، ولا تستمر إلى يوم القيامة. لكن صدقة العلم تستمر إلى يوم القيامة. مثال ذلك: إنسان بنى مسجدًا، صدقة جارية، صح؟ أو بنى بيتًا للفقراء والمساكين، صدقة جارية. هل هذا المسجد وهذا البيت يبقى ينتفع به إلى قيام الساعة؟ أعطيه خمسمائة سنة، ستمائة سنة، ثم يتهدم ويتكسر، صح، ويذهب. كم من مساجد اندثرت وجُدّدت، وكم من بيوت كذلك اندثرت وهُدِمَت، لها مئات السنين، صح. لكن العلم ما يتهدم ولا ينتهي. انظر إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كم لهم الآن منذ أن ماتوا؟ أكثر من 1400 سنة، صح، ولا يزال علمهم موجود: عن أبي هريرة، عن أبي سعيد، عن عائشة، عن أنس. هم اللي ينقلون لهذا العلم، 1400 سنة. هل يوجد بيت الآن عمره 1400 سنة؟ ها، هل يوجد بيت عمره 1400 سنة ما زال يسكن فيه؟ هل يوجد هذا يا أبا طهر؟ ها، الكعبة تجدد، حتى الكعبة تجدد، يعني الكعبة ليست على بناء إبراهيم عليه السلام، كم مرة جُدّدت؟ ها، نعم. فهذا لا يوجد، واضح. لكن العلم مستمر. الإمام البخاري، يعني من القرن الثالث أو الرابع، وهكذا ما بعده من العلماء وما قبله، علمهم لا يزال مستمر. قال الإمام البخاري، قال الإمام مسلم، ها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية، قال ابن القيم. ونحن سنموت، والأجيال سيذكرون أسماء هؤلاء العلماء إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فإذا علمهم لا ينقطع ولا ينتهي، النفع مستمر. بخلاف غيرها من الصدقات، تذهب وتزول وتندثر، صح. فإذا أفضل الصدقات الجارية هو العلم الذي ينتفع به. وهذا من رحمة الله عز وجل بعباده؛ لأن الإنسان قد لا يوجد معه مال حتى يعني يوقف البيوت أو العماير أو يبني المساجد أو يحفر الآبار، ما عنده مال. فالله عز وجل يرزقه بالعلم النافع، طيب، فيفتح الله عز وجل له بابًا من أبواب الصدقات الجارية: يعلم، يعلم إخوانه، يدرس إخوانه، هذه صدقة جارية. لا تحتقر طلبك للعلم. نحن كنا مثلكم، نقول: "الآن حد ينتفع منا أو لا؟" فإذا بأناس نلتقي بهم بعد فترة يقولون: "جزاك الله خيرًا، أنا الآن ماسك مركز، والحمد لله استفدنا من الدروس في المركز، ويعني ما زالت تعليقات دروسكم في كتبنا وندرسها ويستفيد الطلاب". هذه من الصدقات الجارية، هذه من الصدقات الجارية. أنت تتعلم، تستفيد، وتذهب تعلم أناسًا، هؤلاء يستفيدون، يعلمون غيرهم، وهكذا إلى قيام الساعة. هذه من أفضل الصدقات، ومن أعظم الصدقات. التاجر يبني مسجدًا، خمسمائة سنة، سبعمائة سنة، يعني ألف سنة، ثم يذهب هذا المسجد ويندثر ويذهب. لكن العلم يبقى. علمك يبقى: علمت الطلاب الصغار، ثم كبر هؤلاء الطلاب، أنت ميت، علم، وغيرك مات. هؤلاء جاء أجيال آخرون، وهكذا. مثل الصحابة: علموا التابعين، التابعين علموا تابعي التابعين، تابعوا التابعين علموا تابعي تابعي التابعين، وهكذا إلى أن وصل إلينا هذا العلم، إلى أن وصل إلينا هذا العلم. ما وصل إلينا إلا عن طريق الأوائل، وهكذا. هذا العلم علم موروث، يأخذه المتأخر عن المتقدم إلى يومنا هذا. فهذا من أعظم الصدقات الجارية. هذا يحفز طالب العلم: أنت الآن تدرس، تعلم غيرك، ما شاء الله يستفيد. أمس جاء ولد قال: "أنا درست عند عبد الرحمن، قال درسني عبد الرحمن، ولد الصغير هذا، أين هو؟ هذاك حركي، ما شاء الله يحب يتكلم، أين هو اليوم؟ ما جاء، قال: أنا تعلمت عند عبد الرحمن". ما شاء الله، شوف كيف أثر العلم. أنا استفدت منك، ما شاء الله، وهكذا. العلم بركة وأجر عظيم، وباب عظيم من أبواب الصدقات الجارية. قال: "أو ولد صالح يدعو له". تتزوج، ترزق بولد، تربيه على الخير، على الصلاح، فيعرف قدرك ويعرف حقك، فيدعو لك بالمغفرة ورفع الدرجات. فأنت تموت وهذا الولد يدعو لك. قال العلماء: قوله "أو ولد صالح" يشمل ولد الصلب أو ولد الولد. ولد الصلب يعني: أنا تزوجت فولِد لي هذا الولد من صلبي، يعني مباشرة مني. ثم كبر ولدي وتزوج وولد له أولاده، أولادي لكن ليس من صلبي، ليس مباشرين لي. قال العلماء: أولاد الأولاد يعدون من الأولاد، لو كانوا صالحين سيدعون لآبائهم ولأجدادهم ولأجدادهم. ولذلك استحب العلماء أن يدعو الولد بقوله: "اللهم اغفر لي ولآبائي"، يشمل الآباء من أبوه المباشر وآباؤه البعيدون من أجداده، لأن الأب يطلق على الأب المباشر ومن فوقه، وإن على ومن فوقه، كما في أمر المواريث. طيب، اليوم إن شاء الله نكتفي بهذا، وحديث عمر لطوله وفوائده نؤجله إن شاء الله إلى الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر، وفوائده. ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر.