تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 47

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 47

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 47، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير النهي عن التمني في آية النساء

يشرح المقطع قول الله تعالى في سورة النساء آية 32، مبيناً أن النهي عن التمني يختص بما اختص الله به بعض العباد من خصائص لا تنال بالاكتساب كقوامة الرجال. كما يفرق بين التمني المحمود في الخيرات كطلب العلم والإنفاق، والتمني المذموم الذي هو حسد أو اعتراض على قدر الله.

أنواع الحسد وذم التمني بلا عمل

يبيّن المقطع نوعي الحسد: تمني زوال النعمة عن الغير وانتقالها للحاسد، وتمني زوالها عن الغير دون رغبة فيها، وكلاهما مذموم لاقتضائه السخط على قدر الله والكسل. ويؤكد أن الأماني الباطلة دون سعي وعمل لا تنفع، مستشهداً بأماني اليهود الكاذبة، وأن الفلاح في السعي الجاد للمصالح الدينية والدنيوية.

التوازن بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله

يؤكد المقطع على ضرورة الجمع بين السعي بالأسباب والدعاء والتوكل على الله، مستشهداً بآيات قرآنية وحديث نبوي. يحذر من ترك العمل بدعوى التوكل أو الاعتماد على الأسباب وحدها، مبيناً أن كمال العبد وسعادته في الأخذ بالأسباب مع تفويض الأمر لله.

خاتمة تفسير الآية وبيان معناها في الدنيا

يختتم المؤلف بيان معنى الآية مؤكداً أنها تتحدث عن الدنيا، مستنداً في ذلك إلى ما ذكره سابقاً. ويختم بقوله: والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾، قال رحمه الله: ينهى تعالى المؤمنين عن أن يتمنى بعضهم ما فضل الله به غيره من الأمور الممكنة وغير الممكنة، فلا تتمنى النساء خصائص الرجال التي بها فضلهم على النساء، ولا صاحب الفقر والنقص حالة الغنى والكامل تمنياً مجرداً، لأن هذا هو الحسد بعينه: تمني نعمة الله على غيرك أن تكون لك ويسلب إياها. إن هنا المؤلف رحمه الله على قول بعض المفسرين حمل قول ﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ من باب الحسد، أنه يريد: لماذا فضل ذلك عليه؟ فأنا أريد هذا، وأريد أن تزول هذه النعمة عن ذاك وترجع إليه. هذا هو الحسد. وبعض العلم فسرها بتفسير آخر وهو مقارب، أن المراد ما فضل الله به بعضكم على بعض مما هو مخصوص، مما هو مخصوص معنى من العام الذي يراد به الخصوص، لأن هناك أشياء مما يكون فيها التمني فضيلة وعظيمة، أن يتمنى مثلاً حفظ القرآن مثل فلان، أن يتمنى العلم أن يكون عالماً مثل فلان، هكذا، فهذا من التمني الخير، التمني الذي يكون فيه الأجر، كما جاء في حديث بكبشة الأنماري، فقال: «فهم في الأجر سواء». هذا الذي تمنى أن يكون مثل ذلك الذي عنده علم وعنده مال فأنفق ماله بما عنده من علم، أي أنفقه في الخير، فقال الرجل: لو كان لي مثل هذا مالاً لفعلت مثل ما فعل، قال: «فهم في الأجر سواء». وأيضاً تمني الخير كله من الفضل، ومن ما يؤجر عليه الإنسان، وأيضاً كذلك يدخل في المسابقة في الخيرات. لكن هنا كما قلنا المراد به تمني مخصوص، وهو أن يتمنى الإنسان شيئاً على سبيل الحسد، أو على سبيل أنه لم يُعطَ هذه الفضيلة. مثلاً جعل الله عز وجل كما في آية سورة النساء القوامة للرجال، فتتمنى المرأة أن تكون القوامة لها، فتقول: لماذا القوامة للرجل وليس لي؟ فهذا مما لا يجوز، لأن الله عز وجل اختص بالقوامة الرجل، ولهذا أعداء الله عز وجل من الكفار لم يتسنَ لهم هذا الأمر، فذهبوا يغشون، وأيضاً يفسدون المرأة بمثل هذه الأمور، فلذلك تجد أن عند الكفار في أنظمتهم يجعلون العصمة مع المرأة، بمعنى: متى ما أرادت أن تطلق طلقت، وهذا فساد، وهذا فساد وهو حاصل عندهم، وهذا أيضاً من الأمور التي ينشرون فيها الفساد في مجتمعاتهم. لكن الله عز وجل جعل القوامة والطلاق بعصمة الرجل، فلذلك من هذا الباب أن المرأة لا ينبغي أن تتمنى مثل هذه الخصائص التي خصها الله عز وجل للرجل. وكذلك لا يتمنى الفقير أنه يكون غنياً معنى كما قال المؤلف رحمه الله: تمنياً مجرداً، فيقول: لماذا أنا لم أكن غنياً؟ لماذا أنا فقير؟ لماذا فلان غني؟ وهذا من باب الاعتراض على قدر الله، الاعتراض على قدر الله: لماذا جعلني الله عز وجل بهذا البؤس؟ أو أنه مريض فيقول: لماذا جعلني الله عز وجل مريضاً وفلان أخي أو فلان صديقي في صحة جيدة؟ وكذا. فأحياناً يكون يتمنى تمنياً مجرداً، أو أنه يتمنى أن تسلب هذه النعمة عن أخيه، تسلب هذه النعمة عن أخيه، وهذا الحسد، وهذا الحسد. والحسد على نوعين: إما أنه يتمنى أن تزول هذه النعمة، لأن الحسد هو زوال أو تمني زوال النعمة عن الغير أو عن الأخ، فيتمنى أن تزول هذه النعمة عن أخيه وترجع إليه، هذا حسد. وأيضاً أعظم منه أن لا يحب أن ترجع إليه، لكن يتمنى أن تزول هذه النعمة عن فلان، أن يتمنى أن لا يكون صاحبه عنده مثلاً شيء من حفظ القرآن وغيره، وهو لا يريد مثله، وإنما يريد أن الله عز وجل يزيل هذه النعمة عليه، بل يتمنى أن يكون رجلاً ضالاً أو يتمنى كذا، فهذا كله من الحسد المدموم. وقد جاء في الحديث الذي في الصحيحين، جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود، وعن أنس، وعن عبد الله بن عمر، وجماعة من الصحابة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا حسد إلا في اثنتين»، والمراد به الغبطة، فالغبطة جائزة من التمني الخير، وأما الحسد الذي يتمنى زوال النعمة فهذا مدموم. قال: لأن هذا هو الحسد بعينه، تمني نعمة الله على غيرك أن تكون لك ويسلب إياها، ولأنه يقتضي السخط على قدر الله، يعني يقتضي أنك تتسخط على قدر الله: لماذا لم يجعلني الله عز وجل كذا؟ قال: أو الإخلاد إلى الكسل، بعض الناس يقول مثلاً: أيش أنا عملت حتى يقدر الله؟ أو أيش أنا عملت؟ لماذا أنا دائماً فقير؟ لماذا ما أوفق للعمل؟ ما أوفق في كذا؟ هذا كله من الاعتراض على قدر الله عز وجل. قال: هذا من التسخط، ولأنه يقتضي التسخط على قدر الله والإخلاد إلى الكسل، يعني يتمنى فقط أماني، مثل ما تمنى اليهود يتمنون أماني، كما قال الله عز وجل: ﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾. قالوا: لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم في دخول الجنة، من يدخل فيها؟ قالوا: نلبث فيها، أو قالوا في النار: نلبث فيها يسيراً ثم تخلفون فيها. أنا يقول اليهود: يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: نحن نجلس في النار أياماً، كما قال: ﴿ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾، نجلس أياماً ثم نخرج من النار، وأنتم تخلفون في النار. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «والله لا نخلفكم أبداً»، يعني: أنتم لا أحد يخلفكم، أنتم في النار أصلاً، ولا نخلفكم أبداً. فهم يمنون أماني، قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، قل: ﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾. فلذلك فهذه الأماني لا تنفع الإنسان، لا تنفع الإنسان أن يتمنى أماني بدون العمل، فهذا من الكسل، وهذا من الكسل. وقد جاء حديث في هذا، لكنه كما تعلمون لا يصح، لكن معناه صحيح. قالوا: الأماني الباطلة التي لا يقترن فيها عمل ولا كسب، وإنما المحمود أمران: أن يسعى العبد على حسب قدرته بما ينفعه من مصالح الدينية والدنيوية، يسعى بما يكون له مصالح فيها ونفع. أما التمني بدون عمل فهو عمل العاجزين والكسلانين، فلذلك يتمنى على الله الأماني وليس يسعى لذلك، مثل أيضاً كذلك الذي يتمنى أو الذي يقول: أن الله عز وجل سيغفر لي، وأيضاً الله عز وجل سيتجاوز عني، وهو لا يسعى لذلك، بل يرتكب الذنوب وينتهك حرمات الله عز وجل. وهذا أيضاً من هذا الباب، أنه يتمنى فضل الله وهو لا يسعى إلى ذلك الفضل الذي يتحصل عليه، لأن الله عز وجل ربط مسببات بالأسباب، فلا بد هناك من أسباب تفعلها حتى يعطيك الله عز وجل، وإن كان الله عز وجل قد يعطيك أفضل مما تتمنى، لكن ربنا جل وعلا جعل هذه الأسباب حتى يمتحن العباد، فلذلك فإن من أفضل الطرق التي يتحصل بها الرجل على مصالح الدينية والدنيوية فإنه يسعى لذلك ويتخذ الأسباب لذلك. فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى. فهذا التسبب للآخرة والتسبب للدين. وأما التسبب للدنيا، مثل قول الله جل وعلا، قال ربنا جل وعلا في سورة تبارك: ﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾، فالله عز وجل أمر بالسعي، وهذا من السعي الذي يكون في الدنيا، يعني يتسبب الإنسان لأجل أن يوفقه الله عز وجل للرزق. فهذا الأمر الحسي، وهناك أيضاً أمر معنوي، قال: وهو يسأل الله عز وجل من فضله، كما قال الله عز وجل كما سيأتي: ﴿ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ﴾، فلا يتكل على نفسه ولا على غير ربه. ولهذا قال تعالى: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ﴾، فربنا جل وعلا ذكر أن الرجال لهم نصيب مما اكتسبوا من الأعمال المنتجة للمطلوب، معنى ما حملهم الله عز وجل من الأمور التي اختصوا بها، فواجب عليهم أنهم يقومون بها، والله عز وجل يعطيهم من فضله. قالوا: ﴿ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾، فكل منهم لا يناله غير ما كسبه وتعب فيه، فلا ينبغي أن يتمنى الإنسان شيئاً لم يخصه الله عز وجل به، أو يتمنى شيئاً لا يسعى إليه، وإنما هي أماني. قال: ﴿ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ﴾، أي: إذا أراد الإنسان شيئاً فإنه يسأل الله، فهذا الأمر الثاني كما قلنا، أي: من جميع مصالحكم في الدين والدنيا، وهو الأعظم، أن الإنسان يدعو الله عز وجل، وأيضاً يتسبب كما أمر الله عز وجل. قال: فهذا كمال العبد وعنوان سعادته، لا من يترك العمل أو يتكل على نفسه غير مفتقر لربه، أو يجمع بين الأمرين: أنا يترك العمل ويقول: أنا متوكل، فهذا كما قال ابن عباس: «إنما هو متواكل». وأيضاً كذلك لا يعتمد على السبب ويترك المسبب، فإن هذا أيضاً خدش في الاعتقاد، وأيضاً خطأ في التسبب. الإنسان مثلاً يعتمد على الأسباب ولا يعتمد على مسببها، بل الواجب أن الإنسان يأخذ بالأسباب لكن يجعل أموره إلى الله عز وجل، ويدعو الله أن يرفقه بفضله سبحانه وتعالى، فهذا هو التوكل الحقيقي الذي أراده الله عز وجل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً»، أي: تغدو من الصباح جياعاً وتروح من المساء شباعاً. قال: أو قال: «فإن هذا مخذول خاسر»، هذا الذي يترك الأمرين معاً. وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾، فيعطي من يعلمه أهلاً لذلك، ويمنع من يعلمه غير مستحق، فربنا جل وعلا عليم بكل شيء وبأعمال الناس، فهو يعلم سعي الناس، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن، فأولئك كان سعيهم مشكوراً، فيعطي ربنا جل وعلا على سعي العبد إذا رآه أراد الله عز وجل والدار الآخرة وسعى لهذا السعي، وكذلك أيضاً في الدنيا. فهذا معنى هذه الآية كما ذكر المؤلف، والله تعالى أعلم.