تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 49

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 49

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 49، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معنى القوامة الشرعية وضوابطها

يشرح العلامة السعدي أن قوامة الرجل تعني إلزام المرأة بحقوق الله وحفظها من المفاسد والإنفاق عليها برعاية ونصيحة لا تسلطاً وإهانة، مستدلاً بأحاديث حسن المعاشرة وتحريم ظلم الرعية.

أسباب قوامة الرجل تفضيلا وتمييزا

تستند القوامة إلى تفضيل الله للرجال بالنبوة والولاية والعبادات، وتميزهم بالعقل والرزانة والصبر، بينما تغلب العاطفة على المرأة، ومنحها القوامة في الغرب أدى إلى فساد واختلاط الأنساب.

قوامة النفقة وحسن المعاشرة

اختصاص الرجال بالإنفاق موجِب للقوامة رعايةً وشراكةً لا استعباداً، مع وجوب الإحسان للنساء واستصحاب وصية النبي ﷺ، وإنفاق المرأة من مالها تعاونٌ وبرٌ لا ينقل القوامة.

تفسير قوله تعالى فالصالحات قانتات

يوضح المقطع أن "الصالحات قانتات" تعني النساء الصالحات المطيعات لله تعالى، ويشير المتحدث إلى أن بقية الآية ستُفسر في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿فَالرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾. قال رحمه الله: يخبر تعالى أن الرجال قوامون على النساء، أي قوامون عليهن بإلزامهن بحقوق الله تعالى من المحافظة على الفرائض، وكفهن عن المفاسد، والرجال عليهم أن يلزموهن بذلك. وقوامون عليهن أيضًا بالإنفاق عليهن والكسوة والمسكن. فقوامة الرجل على المرأة ليس المراد بها التسلط، أن يتسلط الرجل على المرأة ويهينها، وإنما المراد بالقوامة أن يكون له الكلمة، وخاصة في حقوق الله جل وعلا، لا يجعلها تتكاسل في أداء فرائض الله. أيضًا إذا كان هناك مفسدة منهن، لا بد أن ينصحهن وأن يوجه هذه المرأة؛ فإنه راعٍ عليها، والرجل راعٍ في أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، فهو راعٍ على هذه المرأة مسؤول عنها، لا يجوز له أن يسكت عما يكون فيه فساد لها أو فساد على بيته، فإن هذا من الغش. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من راعٍ يسترعيه رعية ثم لم يحطهم بنصحه إلا حرم الله عز وجل عليه الجنة». فلا يجوز للمسلم أن يسكت عن أخطاء تفسد بيته وتفسد أهله، ولهذا لما جاء الرجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: إن امرأتي لا ترد لامسًا، قال: «طلقها». قال: أخاف أن تتبعها نفسي. قال: «فدعها إذن، ولكن لا تدع». معنى المراد أنك لا تدع هذا الأمر، وحاول في النصيحة. وهنا فالقوامة هي أن يلزمها بأمر الله، أن يلزمها بأمر الله. أما أمور الدنيا فلا ينبغي أن يشدد فيها؛ هنا أمور الدنيا وأموره الخاصة به لا ينبغي أن يشدد فيها ويلزم المرأة أشياء قد تكون مشقة عليها، فهذا ليس المراد من القوامة. وإنما القوامة أن يلزمها ما أمر الله عز وجل به، وأيضًا أن يحفظ عليها دينها، وأيضًا أن لا يجعلها تفسد نفسها أو تفسد أولادها أو تفسد عليه بيته. فهنا تكون القوامة، فلا يجوز أن يسكت على أشياء مما حرم الله عز وجل تفعلها المرأة. وأما كما قلنا أمور الدنيا فيأخذ ويعطي فيها، لا يشدد فيها ولا كذا. وليس المراد به أن الكلمة لابد أن تكون كلمته، صحيح أن هذا شيء من القوامة، لكن ليس المعنى أنه يلزم امرأته بما يشق عليها. فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن شر الرعاء الحطمة». إن شر الرعاء الحطمة، معنى شر الرعاء: القاسي، القاسي على رعيته، والقاسي على زوجته من شر الرعاء، من شر من استولى وراعى أناسًا. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». فالخير الذي يكون خير لأهله، أيضًا يلين جانبه معهم ولا يقسو عليهم. يظن أن القوامة القسوة وأيضًا المشقة عليهم، لا، ليس هذا. وليس معنى ذلك أنه يترك كما يقولون الحبل على الغارب، فيسكت على أشياء من الباطل، يسكت على أشياء من الباطل قد تفسده أو تفسد بيته أو تفسد أهله. هذه القوامة التي طلبها الله عز وجل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾. قال جل وعلا وذكر لماذا قوامة الرجل هي التي تكون، فقال: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. فذكر أمرين. فقال المؤلف رحمه الله: بسبب فضل الرجال على النساء وإفضالهن عليهم. فتفضيل الرجال على النساء من وجوه متعددة: من كون الولايات مختصة بالرجال، والنبوة والرسالة، واختصاصهم بكثير من العبادات كالجهاد والأعياد والجمع. فهذا أيضًا من القوامة: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، أي بما اختص الله عز وجل الرجال بمميزات عن النساء. فهناك النبوة والرسالة ليست في النساء، واختلف في النبوة هل تكون في النساء، وهل مريم بنت عمران نبيًا أو امرأة صالحة، وأكثر أهل العلم على أنها ليست نبية وإنما هي امرأة صالحة. وأما الرسالة فلعل أكثر أهل العلم متفقون على أنه ليس هناك امرأة، أو لم يجعل الله عز وجل الرسالة في النساء. وقال: واختصاصهم بكثير من العبادات كالجهاد، عن إقامة الجهاد، والنبي عليه الصلاة والسلام قال للنساء لما سألنه: على المرأة جهاد، قال: «عليها جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة». وكذلك الأعياد التي يقيمها الرجال، والجمع والجماعات، أن يكونون أئمة، أئمة الناس هم الرجال. قالوا: بما خصهم الله به من العقل والرزانة والصبر والجلد. لأن المرأة غالبًا عقلها أو عطفها يكون أكثر من عقلها، أن عاطفتها تغلب عليها، تغلب عليها العاطفة، وكذلك الغيرة فتذهب عنها الرزانة، أن العاطفة تذهب عنها العقل، والغيرة تذهب عنها الرزانة. الرزانة المرأة تذهب بسبب الغيرة، فتجدها تتكلم بأشياء وتفعل أفعالًا ليست فعل المرأة الرزينة. وكذلك أيضًا العاطفة فقد تجعلها تتساهل في أمور هي مهمة جدًا، تتساهل وتتنازل في أمور قد تفسدها بسبب هذه العاطفة. ولهذا تجد أن المرأة سرعان ما تصطاد بالكلمات المعسلة، وكذا مثل ما يفعل كثير من الناس الآن فيصطادوا النساء بالكلمات المعسلة والكلمات التي فيها شيء من التزين وغيره، فتستعطف به هذه المرأة، ولو كانت رزينة ولو كانت امرأة عاقلة لكن أحيانًا تستعطف مثل هذا الكلام. ولهذا لم يجعل الله عز وجل لها القوامة لأنها كما قلنا تستعطف فيذهب عقلها، وأيضًا تغار فتذهب رزانتها. قالوا: بما خصهم الله به من العقل، وأيضًا الله عز وجل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: جعل شهادة الرجل بشهادة امرأتين، وهذا لنقصان عقلها. قال: والصبر والجلد، عن الصبر في الرجل أكثر من المرأة، وكذلك الحزم الذي يكون في الرجل، حزم الأمور أكثر من حزم المرأة. كما قلنا يغلب على المرأة العاطفة فلا تستطيع أن تحزم الأمور وتتجلد لها، فلهذا خص الله عز وجل القوامة للرجل. ولهذا لما كانت المجتمعات الغربية جعلت القوامة للمرأة، فإنها صار فيها الفساد الكبير، صار فيها الفساد الكبير، وصار أيضًا أن أكثر الناس أو أكثر هؤلاء الكفار لا يدرون من آبائهم، بل بعضهم لا يدري من أمه كذلك. وهذا كله بسبب أنهم أعطوا المرأة العصمة وأعطوها القوامة، فهي تتصرف في الرجل أكثر من تصرف الرجل فيها. قالوا: كذلك خصهم بالنفقات على الزوجات، أيضًا هذا الأمر الثاني الذي ميز الله عز وجل وخص به الرجال على النساء أنها تنفق عليه. قال: بل وكثير من النفقات يختصوا بها الرجال ويتميزون عن النساء، ولعل هذا سر قوله: ﴿بِمَا أَنْفَقُوا﴾ وحذف المفعول، أي ليدل على عموم النفقة. فعلم من هذا كله أن الرجل كالوالي والسيد لمرأته، وهي عنده عانية أسيرة خادمة. معنى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما أوصى بالنساء، فقال: «فإنهن عوان عندكم، أسيرات». ومعنى أنهن يخدمنكم، لكن: «استوصوا بهن خيرًا». استوصوا بالنساء خيرًا. معنى هذه المرأة جاءت من بيت أهلها وهي تريد أن تشاركك في حياتك، فينبغي أن تستوصي بها. فإنكم استحللتم فروجهن بكلمة الله، فليس معنى كما يظن الناس مثلًا أنها خادمة، المراد خادمة أنها يقص عليها ويكون كل وقته أوامر، لا. إنما هي شريكة لحياته تخدمه فيما يكون عونًا له في طاعة الله وفي أمور النفع، فهي تعينه في هذه الأمور. معنى عوان عليكم: أي أنهم يعينونكم في هذه الحياة، يعينونكم في هذه الحياة. وليس معنى كما يظنه بعضهم أنها خادمة عنده فيتصرف معها كما يتصرف مع الخادمة، لا. وأيضًا يستحقر هذه المرأة أو يهينها أو غير هذه من هذه الأمور، هذه ليست من أعمال من أراد الله والدار الآخرة. فهذه المرأة أسيرة ومعينة لك، فينبغي عليك أن تستوصي بها خيرًا. وإن مثلًا أغضبتك أو كرهت منها أشياء، فإن المؤمن لا يفرق مؤمنة، لا يتركها لأجل أنه كره منها شيء. المؤمن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي آخر». فليس هناك أحد مكمل، حتى أنت أيها الرجل، ليس أنت فيك الأخلاق التي هي الكاملة. فما كمل من الرجال إلا قليل، كما أنه ما كمل من النساء إلا قليل، أو قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا قليل». كثير معناه أكثر من النساء. فلذا فلا ينبغي للمسلم أنه يهين هذه المرأة أو يذلها أو يشق عليها، وإنما يكون معينًا لها على الخير، معينًا لها على القيام ببيته وبتربية أبنائه وغيرها من هذه الأمور والمعاني الجميلة. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». وأيضًا كما قلنا الإنسان ما يكمل، والمرأة أيضًا لا تكمل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي آخر». طيب، قال: فلهذا النفقة عند الرجل. فلو مثلًا دفعت النفقة المرأة، أحيانًا بعض النساء الرجل ما عنده نفقة، تدفع المرأة، مثل ما أوصل نبي صلى الله عليه وسلم زينب زوجة عبد الله بن مسعود بزوجها وأيتامها الذين عندها، وأنها تعطيهم من الصدقة والنفقة. فهذا ليس معنى ذلك أنها إذا أنفقت فهي لها القوام، وإنما هذا حكم أغلبي، هذا حكم أغلبي أن الرجل هو الذي ينفق. فإذا أنفقت المرأة فليس معنى أنها لها القوام ولها الكلمة وهي التي تأمر وتنهى، فليس كذلك. وإنما فهي إن أنفقت فهي من باب التعاون مع زوجها، التعاون مع زوجها، أنفقت من مالها إن كان عندها مال. قال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾، أي مطيعات لله تعالى. طيب، إن شاء الله تعالى نترك هذا بقية الآية لدرس آخر، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.